عاشراً: موقفه من تفسير القرآن بلغة العرب
وقد اعترض العلواني على قول الأصوليين إن في القرآن مقيدا يحتاج إلى تقييد، وعاما يحتاج إلى تخصيص أو استثناء، وعدَّ ذلك تحكما منهم بالقرآن، وتطبيقا لقوانين لغة العرب على القرآن، وهذا الأمر غير صحيح عنده!!
قال العلواني في ص161: "فقلنا له أي للقرآن-: لكن لسانك فيه عموم وخصوص، وفيك إطلاق وتقييد، وفيك مجمل ومبين، فقال أنا بيان للناس مذ أُنلتُ، وآياتي بينات ومبينات، وليس بي شيء مما تتوهمونه، لكن الذي حدث هو أنكم أسقطتم أحكام لغتكم ولسانكم القاصر عليّ، وظننتم لتشابه الحروف بين لساني وألسنتكم أنها واحدة، تحكم بقواعد واحدة، فأسقطتم كل أحكام لسانكم عليّ، وحكمتم على ما ورد في وفقا لقواعدكم تلك، على هذا فقلتم: هذا مجمل وهذا مبين، وهذا مترادف وهذا متواطئ، وهذا عام وهذا خاص، وقد تحديتكم منذ البداية، وأثبتُّ لكم أنكم لا يمكن أن تقاربوا لساني، وأنكم أعجز إنسا وجنا بكل قواكم وطاقاتكم من محاولة الإتيان بمثلي أو مقاربة مستواي بأي شكل من الأشكال، فكونكم لم تفهموا هذا فذلك خطؤكم، لذلك سويتم بيني وبين لغة الأعراب، وربما أعليتم شأن لغة الأعراب على لساني، فكل قواعد نحوكم وصرفكم وبلاغتكم استمددتموها من أقوال البدو الأعراب، وجعلتم قواهد نحوكم وصرفكم هي الحكم فيَّ وفي ولساني....."
هذا بعض ما قاله العلواني في هذا الباب، وهو يستنكر على الأصوليين والنحاة والبلاغيين أن فهموا قواعد اللغة العربية ثم شرعوا في فهم القرآن بناء على إتقانهم اللغةا لعربية التي بها أنزل القرآن! ومن المعلوم أن هذا الأسلوب والطريقة في الفهم مقررة من لدن الصحابة والرسول عليه الصلاة والسلام، بل إنه مذكور في القرآن أيضا، فقد قال الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}إبراهيم4، فتأمل قول الله تعالى، إن الكتب ينزلها الله تعالى بألسنة الأقوام المخاطبين أصالة، ليكون ذلك أقرب إلى تفهيمهم، إذن ينبغي عليهم لكي يفهموا القرآن أن يفهموا لغتهم أحسن فهم، ويعرفوا قواعدها على أحسن وجه، وبلاغتها على أدق قانون، وقد ذكر ذلك كله الإمام الشافعي في أوائل كتاب الرسالة من الأم، فرجع إليه لتشفي غليلك، وتنظر الفارق بين كلام العلماء والمتخابطين، وهذه الفهوم للغتهم وأساليبها هي التي تؤهلهم لفهم ما أنزله الله تعالى، ولكن العلواني يعكس الأمور، ويعارض صريح الآية القرآنية، فيقول: لا يصح لنا أن نعمل قواعد اللغة العربية ولا بلاغتها في فهم القرآن، بل ينبغي أن نخترع للقرآن قواعد خاصة وبلاغة خاصة، لنتمكن من فهمه، ولذلك فهو يعارض ما قرره الأصوليون واللغويون من قواعد اعتمدوا عليها في دراسة القرآن الكريم واستنباط أحكامه، ويقول العلواني لهم: إنكم بذلك تكونون قد أعليتم قواعد الأعراب!! على لغة القرآن. وهذه كلمة قد يغتر بها بعض القرآن ويتخذها دليلا على إعلاء العلواني من شأن القرآن، وقد يندفع وراءه بعضهم فيقول: نعم كيف نستطيع أن نحكم على القرآن بلغة العرب، الذين يسميهم العلواني أعراباً، والأعراب لفظ يطلق على البدو الرعاة الغافلين وعلى المنافقين أحيانا، وقد نسي أن اللغة العربية هي لغة الصحابة أيضا، وهي لغة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وقد كان الرسول يحرص على إظهار علمه بلغات العرب، ونسي أن القرآن اعتبر لغات العرب في كثير من القراءات المتواترة، ونس ونسي....!ولكن يبدو أن الإنسان العاقل يستحيل أن ينسى كل هذه القواعد، لأن المشتغل بالعلم قد يغفل عن قاعدة، أو ثنتين، أو يعزب فهمه عن تطبيق بعضها، ولكن أن لا يلتفت إلى كل تلك الشواهد والاعتبارات التي هي ألف باء العلوم الشرعية، فهذا ليس نسيانا بل تناسيا مقصودا، وإنكارا يرغب الناس فيه ترغيبا، ولذلك فإننا لم نكن قد أبعدنا الرمية عندما قلنا إن أمثال العلواني يمهدون كل التمهيد للملاحدة والعلمانيين في هذا الزمان، ماذا يريد العلمانيون أحسن من إنسان ينسب نفسه للشريعة يتفاخر دائما بأنه حقق كتاب المحصول في أصول الفقه للإمام الرازي، ثم تصدر منه كل هذه الكلمات والدعاوى الفارغة عن الحقيقة، ويزعم بعد ذلك إنها هي التي يمكن تأسيس نهضة جديدة للمسلمين عليها! الله الله! هل تقام نهضة المسلمين على الجهل والتجاهل، أم على العلم والإتقان، هل النهضة المدعوّ إليها في هذا العصر من بعض من يسمون باحثين ومفكرين إسلاميين لا يمكن الوصول إليها إلا بإنكار قواعد العلوم التي أسسها أعلامنا السابقون، وأقاموا عليها كل هذه المعارف والتحقيقات التي يتفاخرون هم بها، قبل غيرهم! أنا أتعجب لشأن نهذضة تكون هذه مواصفاتها، ونهضة تكون هذه هي شروطها المعدِّة لها!!! إن وراء نهضة بهذه المواصفات لشأن خطير على أشد ما تكون الخطورة! وإنا لنحذر الناس من نهضة ترسمها هذه المراسم، وتقعدها هي المجاهل، وتعلوها وتبدأ بها هذه الدعاوى المغرضة المغياة!! التي تستدعي من الأذكياء الحريصين على احترام عقولهم إعادة النظر فيها، والحذر بل التحذير منها.
ويرجع العلواني بعد صفحات ليؤكد ما قرره هنا من استنكاره استعمال القواعدا للغوية في تفسر القرآن الكريم، فيقول في ص170 في اعتراضه على البماحث الأصولية المتعلقة بحال المستفيد، وذلك على لسان القرآن الكريم وهو يصورد معترضا على الأصوليين: "وقلتم أيضا: إن هناك أحكاما لغوية وحَّدتم فيها بيني وبين لغة النبي أو لسانه، ولسان العرب، وأخضعتمونا جميعا لأحكام واحدة دون ملاحظة الاختلاف والمزايا، كما سبقت الإشارة"، ويقرر زيادة على ذلك فيقول إن محمدا عليه السلام كان واحدا من الناس الذين تمَّ تحديهم بالقرآن الكريم، فهو مخاطب من ضمن المخاطبين من المكلفين، فكيف وحدتم بين لغته وبين لغتي القرآن الكريم ، وجعلتم لهاتين اللغتين الخصائص نفسَها، يستأنف :"وقلتم إن هذا المستفيد يجب أن يلم بقواعد اللغة، ولم تقصدوا القواعد المستنبطة من لساني، لكنكم قصدتم القواعد التي وضعتموها أنتم، فأنا تحدثت بلساني لأني كلم الله، وقلتم ووضعتم قواعدكم وفقا للغاتكم لا للغتي ولساني...." ، كلامه، الذي نعتبره من اعتراضات صبية يتلاعبون بقواعد العلم أكثر من اعتباره علما وبحثا وتحريرا. فهل غب عن ذهنه أن الإعجاز وخصائص القرآن الكريم، لا تخرجه عن أن يكون ملتزما بقواعد اللغة، ولا تخرجه عن أن يكون قرآنا عربيا كما نص عليه منزله وواضعه، فإن كان كذلك فلماذا تستغرب إن عملوا على فهم القرآن بناء على قواعد اللغة العربية، وراعوا أيضا أساليب القرآن وخصائصه من بعد ذلك، فهناك أساليب خاصة استعملها القرآن الكريم، وليس هناك لغة خاصة للقرآن بجانب لغة العرب. وقد نبه المفسورن والباحثون من العلماء الحقيقيين في متشابه القرآن وبلاغته إلى ذلك ولم يهملوه كما ادعى العلواني فاتهمهم بأنهم لم يقوموا بتدبر القرآن، فقال في ص171: "ولو أن المجتهدين قاموا بعمليات التدبر للقرآن كله، لوجدنا تراثا ضخما في كيفية التدبر الآن" ، فهل يعتقد المؤلف فعلا أن المجتهدين لم يتدبروا القرآن، ولم يضعوا لذلك قواعد، إن كان يعتقد ذلك كما هو نص كلامه، فعو فعلا غريب عن بحوث العلماء من النحويين والمفسرين والبلاغيين والباحثين في إعجاز القرآن، وأصوله وفقهه وقصصه وغير ذلك من جهات البحث فيه، بحيث جعلوا لكل جهة من ذلك فنا على حدا، وكتبوا فيها كتبا كثيرة تتفاخر بمثلها الشعوب، ولكنها عند العلواني ومناصري تياره عبء كبير تمنعهم من الانطلاق إلى مجالات رحبة ليس فيها قيود تحجبهم عما يريدوا الوصول إليه من الأحكام التي يرغبون بتوجيه الإسلام نحوها.
وها هو يقول أيضا في ص182 عن جيل التلقي وكيف كانوا يفهمون القرآن الكريم: "أما الكتاب فقد كانوا يتلقونه ويفهمون المراد منه دون حاجة إلى شيء من قواعد النحو أو غيرها من علوم الوسائل الحادثة المتأخرة، كما كانوا يدركون مقاصد الشارع وحكمة التشريع لما اتصفوا به من صفاء الخاطر وحدة الذهن، وجودة القريحة".
ومن يتأمل هذا الكلام، يظن أنه يستمع لحشوي من الحشرية، أو ظاهري غيب عقله عن حقيقة الأمر، فمن هو الذي لديه مكنة في العلوم ثم يقول هذا الكلام! ألم يعرف المؤلف أن الصحابة أولا كان معظمهم عربا ، أي كانت اللغة العربية لغتهم ووسيلة فهمهم، ثم ألم يعرف أيضا أنه لم يكن المجتهدون في الصحابة جميعهم، أي لم يكن يصح لجميع الصحابة الاجتهاد، ولذلك كان أعلام الصحابة والمجتهدين منهم في استنباط الأحكام مالرجوع إليهم في ذلك عددا قليلاً، وذلك لأن عملية لاجتهاد ليست أمرا عاما سهلا مستسهلا لكل واحد، ولو كان صحابيا، فكلمة الصحابي أو كونه من جيل التلقي لا تؤهله لمجردها لأن يكون مجتهدا مستقلا في معرفة الأحكام خصوصا ما دقّ منها، فكان الصحابة لا يستغنون عن الرجوع إلى علمائهم في الفتوى والقضاء، ولا يهملون تفاوت المراتب والتدقيق في المعارف والعلوم.
نعم لم يكن الفقه ولا اللغة العربية قد أخذت شكلان معرفيا نظاميا مرتبا مكتوبا، ولكن هذا شأن أكثر العلوم، تبدأ بالفكر والنظر دون كتابة ولا تسجيل، ثم يبدأ كتبها وترتيبها، وكون تلك القواعد البلاغية والنحوية لم تكن مكتوبة لا يستلزم أبدا أنها لم تكن موجودة، ولا أنها لم تكن حاكمة لذوق لعرب وسليقتهم، ولذلك كانوا يرجعون إليها في الحكم على الشعر والنثر ومعرفة الكلام الفصيح من سواه، وينأون عن الخطأ ويميزون بينه وبين الصواب. فكيف يجيز المؤلف لنسه أن يقول إن جيل التلقي كان يتلقى القرآن دون حاجة لتلك القواعد التي سماها حادثة، مريدا بذلك القدح فيها، والتشكيك في أهميتها، أما كان بمقدوره ان يعبر كنا عبرنا، بأنها كانت مستكنة في قلوبهم وفي صفاء سليقتهم ومكنتهم العربية التي أخذوها مشافهة وعن طريقة الممارسة العملية ونحو ذلك، ولكن كونها كذلك لا يستلزم أبدا أنها لم تكن هناك قواعد اتبعوها ولو بهذه الطرق، فوصفه تلك القواعد بأنها حادثة لا يمكننا أن نغض الطرف عنه، ولا أن نعدّه سهوا أو لفظا غير مقصود في تعبير المؤلف، بل إن الظاهر أنه يقصد إلى عدم الاعتراف بتلك القواعد التي سماها حادثة، أو بأكثرها،ولا يعتبرها من العلوم النافعة أصلا، وهذا الإطلاق لا ينبغي لمطلع على هذا التيار وأتباعه أن يستغرب صدوره منا، ولا أن يحكم علينا بالتجني عليه وعلى من يمشي خلفه، فكل ما وصفناه سابقا ولاحقا يؤكد هذا الفهم الذي نميل إليه.
ونقول أخيراً: وكأن في العلواني انفصاما معينا، فإنا بعدما رأيناه من إنكاره على الأصوليين اعتمادهم على لغة العرب، وحكمهم في القرآن على أحكامها، يعود في آخر الكتاب ويقول كلاما يناقض تماما ما قرره وأطال فيه أولا!! مما يثير فينا استغرابا عظيما، أهذا نوع من اللعب أو التلاعب، أو هو الاستخفاف بعقول الناس الذي اعتاده هذا النمط من المفكرين المعاصرين، فلنستمع إلى ما يقول ذاكرا الأمور التي تعيد علم الأصول إلى وضعه الصحيح، ومنها كا في ص243: "ولا بد من دراسة لغوية فقهية تدرس من خلالها أساليب التعبير لدى العرب في عصر الرسالة، وملاحظة التطورات التي مرت بها هذه الأساليب، ومفاهيم المفردات للغوية كذلك ليتمكن من فهم النصوص الفهم المطلوب". إذن ها هو يعود إلى ضرورة معرفة لغة العب لفهم القرآن، ولم نره ذكر قواعد القرآن اللغوية الخاصة التي اعترض وبشّع على الأصوليين اتباعدهم عنها، ونادى عليهم بالويل والثبور لأنهم عزفوا عن دراستها أي قواعد القرآن اللغوية كما رأينا سابقا- إلى دراسة أحكام لغة العرب، ثم تطبيقها على عبارات القرآن وآياته ليفهموها على ضوئها.
ولا نعرف ما نسمي هذا اللون من التناقض لدى ها الحبر العظيم! فليتأمل المتاملون!
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب