النتائج 1 إلى 15 من 151

الموضوع: الوقف ومعنى الاية

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة التاسعة

    { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } * { أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ }

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: { أَلاَّ يَسْجُدُواْ }: قرأ الكسائيُّ بتخفيف " ألا " ، والباقون بتشديدها.

    فأمَّا قراءةُ الكسائيِّ فـ " ألا " فيها تنبيهٌ واستفتحاحٌ، و " يا " بعدها حرفُ نداءٍ أو تنبيهٍ أيضاً على ما سيأتي و " اسْجُدوا " فعلُ أمرٍ. وكان حَقٌّ الخَطِّ على هذه القراءةِ أن يكونَ " يا اسْجُدوا " ، لكنَّ الصحابةَ أسقطُوا ألفَ " يا " وهمزةَ الوصلِ من " اسْجُدوا " خَطَّاً لَمَّا سَقَطا لفظاً، ووَصَلُوا الياءَ بسين " اسْجُدوا " ، فصارَتْ صورتُه " يَسْجُدوا " كما ترى، فاتَّحدت القراءتان لفظاً وخَطَّاً واختلفتا تقديراً.

    واختلف النحويون في " يا " هذه: هل هي حرفُ تنبيهٍ أو للنداءِ، والمنادَىٰ محذوفٌ تقديرُه: يا هؤلاءِ اسْجُدوا؟ وقد تقدَّم ذلك عند قولِه:
    { يٰلَيتَنِي }
    [الآية: 73] في سورة النساء. والمرجَّحُ أَنْ تكونَ للتنبيهِ؛ لئلا يُؤَدِّيَ إلى حَذْفٍ كثيرٍ مِنْ غيرِ بقاءِ ما يَدُلُّ على المحذوفِ. ألا ترىٰ أنَّ جملةَ النداءِ حُذِفَتْ، فلو ادَّعَيْتَ حَذْفَ المنادَىٰ كَثُرَ الحذفُ ولم يَبْقَ معمولٌ يَدُلُّ على عامِلِهِ، بخلافِ ما إذا جَعَْلتَها للتنبيهِ. ولكنْ عارَضَنَا هنا أنَّ قبلَها حرفَ تنبيهٍ آخرَ وهو " ألا ". وقد اعْتُذِرَ عن ذلك: بأنه جُمِع بينهما تأكيداً. وإذا كانوا قد جَمَعُوا بين حرفين عامِلَيْنِ للتأكيدِ كقوله:
    3559ـ فَأَصْبَحْنَ لا يَسْألْنَنِي عَنْ بما به ......................
    فغيرُ العامِلَيْن أَوْلَىٰ. وأيضاً فقد جَمَعُوا بين حَرْفَيْنِ عامِلَيْنِ مُتَّحِدَّيْ اللفظِ والمعنى، كقوله:
    3560ـ فلا واللهِ لا يُلْفَىٰ لِما بي ولا لِلِما بهم أبداً دَواءُ
    فهذا أَوْلَى. وقد كَثُرَ مباشرةُ " يا " لفعلِ الأمرِ وقبلَها " ألا " التي للاستفتاح كقوله:
    3561ـ ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلمي ثُمَّتَ اسْلَمي ثلاثَ تحيَّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمي
    وقوله:
    3562ـ ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ على البِلى ولا زالَ مُنْهَلاًّ بجَرْعائِكِ القَطْرُ
    وقوله:
    3563ـ ألا يا اسلمي ذاتَ الدَّماليجِ والعِقْدِ وذَاتَ اللِّثاثِ الجُمِّ والفاحِمِ الجَعْدِ
    وقوله:
    364ـ ألا يا اسْلمي يا هندُ هندَ بني بدرٍ وإن كان حَيَّانا عِداً آخرَ الدهرِ
    وقوله:
    3565ـ ألا يا اسْقِياني قبلَ حَبْلِ أبي بكرِ لعل منايانا قَرُبْنَ ولا نَدْري
    وقوله:
    3566ـ ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سِنْجالِ ............................
    وقوله:
    3567ـ فقالَتْ ألا يا اسْمَعْ أَعِظْكَ لخُطْبةٍ فقلتُ: سَمِعْنا فانْطِقي وأَصِيْبي
    وقد جاءَ ذلك، وإنْ لم يكنْ قبلَها " ألا " كقوله:
    3568ـ يا دارَ هندٍ يا اسْلَمي ثُمَّ اسْلَمي بِسَمْسَِمٍ أو عَنْ يمين سَمْسَِمِ
    فقد عَرَفْتَ أنَّ قراءةَ الكسائيِّ قويةٌ لكثرةِ دَوْرِها في لغتهم.

    وقد سُمع ذلك في النثر، سُمِع بعضُهم يقول: ألا يا ارحموني، ألا يا تَصَدَّقوا علينا. وأمَّا قولُ الأخرِ:
    3569ـ يا لعنةَ اللهِ والأقوامِ كلِّهمُ والصالحينَ على سَمْعانَ مِنْ جارِ
    فيُحتمل أَنْ تكونَ يا للنداء، والمنادىٰ محذوف، وأَنْ تكونَ للتنبيهِ وهو الأرجحُ لِما مَرَّ.

    واعلمْ أن الكسائيَّ الوقفُ عنده على " يَهْتَدون " تامٌّ.

    وله أن يَقِفَ على " ألا يا " معاً ويَبْتَدىءَ " اسْجُدوا " بهمزة مضمومةٍ، وله أَنْ يقفَ على " ألا " وحدَها، وعلى " يا " وحدَها؛ لأنهما حرفان منفصِلان. وهذان الوقفان وقفا اختبارٍ لا اختيارٍ؛ لأنهما حرفان لا يَتِمُّ معناهما، إلاَّ بما يتصلان به، وإنما فعله القراءُ امتحاناً وبياناً. فهذا توجيهُ قراءةِ الكسائيِّ، والخطبُ فيها سَهْلٌ.

    وأما قراءةُ الباقين فتحتاج إلى إمعانِ نَظَرٍ. وفيه أوجهٌ كثيرةٌ،

    أحدها: أنَّ " ألاَّ " أصلُها: أَنْ لا، فـ " أنْ " ناصبةٌ للفعلِ بعدَها؛ ولذلك سَقَطَتْ نونُ الرفعِ، و " لا " بعدها حَرفُ نفيٍ. و " أنْ " وما بعدها في موضع مفعولِ " يَهْتَدون " على إسقاطِ الخافضِ، أي: إلى أن/ لا يَسْجُدوا. و " لا " مزيدةٌ كزيادتِها في
    { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ }
    [الحديد: 29].

    الثاني: أنه بدلٌ مِنْ " أعمالَهم " وما بينهما اعتراضٌ تقديرُه: وزَيَّن لهم الشيطانُ عدمَ السجودِ لله.

    الثالث: أنه بدلٌ من " السبيل " على زيادةِ " لا " أيضاً. والتقديرُ: فصَدَّهم عن السجودِ لله تعالىٰ.

    الرابع: أنَّ { أَلاَّ يَسْجُدُواْ } مفعول له. وفي متعلَّقه وجهان،

    أحدهما: أنه زَيَّن أي: زَيَّن لهم لأجلِ أَنْ لا يَسْجدُوا. والثاني: أنَّه متعلِّقٌ بـ " صَدَّهم " أي: صَدَّهم لأجلِ أَنْ لا يَسْجُدوا. وفي " لا " حينئذٍ وجهان، أحدهما: أنه ليسَتْ مزيدةً، بل نافيةٌ على معناها من النفي.

    والثاني: أنها مزيدةٌ والمعنىٰ: وزَيَّن لهم لأجلِ توقُّعِه سُجودَهم، أو لأجْلِ خَوْفِه مِنْ سُجودِهم. وعدمُ الزيادةِ أظهرُ.

    الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وهذا المبتدأُ: إمَّا أَنْ يُقَدَّرَ ضميراً عائداً على " أعمالَهم " التقديرُ: هي أن لا يَسْجدوا، فتكون " لا " على بابِها من النفي، وإمَّا أن يُقَدَّرَ ضميراً عائداً على " السبيل ". التقديرُ: هو أَنْ لا يَسْجُدوا فتكون " لا " مزيدةً على ما تقدَّم ليَصِحَّ المعنىٰ.

    وعلى الأوجهِ الأربعةِ المتقدمةِ لا يجوزُ الوقفُ على " يَهْتدون " لأنَّ ما بعدَه: إمَّا معمولٌ له أو لِما قبلَه مِنْ " زَيَّن " و " صَدَّ " ، أو بدلٌ مِمَّا قبله أيضاً مِنْ " أعمالَهم " أو من " السبيل " على ما قُرِّر وحُرِّرَ، بخلافِ الوجهِ الخامسِ فإنه مبنيٌّ على مبتدأ مضمرٍ، وإن كان ذلك الضمير مُفَسَّراً بما سَبَقَ قبلَه.

    وقد كُتِبَتْ " ألاَّ " موصولةً غيرَ مفصولةٍ، فلم تُكْتَبْ " أنْ " منفصِلةً مِنْ " لا " فمِنْ ثَمَّ امتنعَ أَنْ يُوْقَفَ لهؤلاء في الابتلاء والامتحان على " أنْ " وحدَها لاتِّصالِها بـ " لا " في الكتابةِ، بل يُوْقَفُ لهم على " ألاَّ " بجملتِها، كذا قال القُراء.

    والنحويون متى سُئِلوا عن مثلِ ذلك وَقَفُوا لأجلِ البيانِ على كلِّ كلمةٍ على حِدَتِها لضرورة البيانِ، وكونُها كُتِبَتْ متصلةً بـ " لا " غيرُ مانعٍ من ذلك. ثم قولُ القُرَّاءِ كُتِبَتْ متصلةً فيه تجوُّزٌ وتَسامُحٌ؛ لأنَّ حقيقةَ هذا أَنْ يُثْبِتُوا صورةَ نونٍ ويَصِلُونها بـ " لا " ، فيكتبونها: أَنْلا، ولكن لَمَّا أُدْغِمَتْ فيما بعدَها لفظاً وذَهَبَ لفظُها إلى لفظِ ما بعدَها، قالوا ذلك تسامحاً.

    وقد رتَّب أبو إسحاق على القراءتين حُكماً: وهو وجوبُ سجودِ التلاوةِ وعَدَمُه؛ فأوجبه مع قراءةِ الكسائيِّ وكأنه لأجلِ الأمرِ به، ولم يُوْجِبْه في قراءة الباقين لعدمِ وجودِ الأمرِ فيها. إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ لم يَرْتَضِه منه فإنه قال: " فإنْ قلتَ: أسَجْدَةُ التلاوةِ واجبةٌ في القراءتين جميعاً أو في واحدةٍ فيهما؟ قلت: هي واجبةٌ فيهما، وإحدى القراءتين أمرٌ بالسجودِ، والأخرى ذَمٌّ للتارك ". فما ذكره الزجاج مِنْ وجوبِ السجدةِ مع التخفيفِ دونَ التشديدِ فغيرُ مرجوعٍ إليه.

    قلت: وكأنَّ الزجاجَ أخذ بظاهرِ الأمرِ، وظاهرُه الوجوبُ، وهذا لو خُلِّيْنا والآيةَ لكان السجودُ واجباً، ولكنْ دَلَّتِ السُّنَّةُ على استحبابِه دونَ وجوبِه، على أنَّا نقول: هذا مبنيٌّ على نظرٍ آخر: وهو أنَّ هذا الأمرَ من كلامِ اللهِ تعالى، أو من كلامِ الهُدْهُدِ محكيًّا عنه. فإنْ كان مِنْ كلامِ اللهِ تعالى فيُقال: يَقْتضي الوجوبَ، إلاَّ أَنْ يجيْءَ دليلٌ يَصْرِفُه عن ظاهرِه، وإنْ كان من كلامِ الهُدْهد ـ وهو الظاهرُ ـ ففي انتهاضِه دليلاً نظرٌ لا يَخْفىٰ.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة العاشرة

    { فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } * { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ }

    انظر الجوهرة 243 من جواهر الضمائر هنا

    http://www.aslein.net/showthread.php...d=1#post103622

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الحادية عشر

    { ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ }

    قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

    قوله: " ويومَ تقومُ " فيه ثلاثةُ أوجهٍ،

    أظهرها: أنه معمولٌ لقولٍ مضمرٍ، وذلك القولُ المضمرُ محكيٌّ به الجملةُ الأمريَّةُ من قوله " أدخِلوا " والتقدير: ويُقال له/ يومَ تقومُ الساعةُ: أدْخِلوا.

    الثاني: أنه منصوبٌ بأَدخِلوا أي: أدْخِلوا يومَ تقومُ. وعلى هذين الوجهين فالوقفُ تامٌّ على قوله " وعَشِيَّاً ".

    والثالث: أنه معطوفٌ على الظرفَيْن قبلَه، فيكونُ معمولاً لـ " يُعْرَضُون ". فالوقفُ على هذا على قولِه " الساعة "

    سؤال

    هل الوجه الاول والثانى يدلان على ان العرض فى الدنيا فى القبر لا يوم القيامة

    اما الوجه الثالث يقوى ان العرض فى الاخرة يوم القيامة؟؟

    قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

    ثم تغدو ويعرضون على النار غدوّاً أوعشياً، [ثم ترجع إلى وكورها]، فذلك دأبها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله عزوجل { أدْخِلوا آلَ فرعونَ أشدَّ العذاب }. وقد روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) " إنَّ أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مَقْعَدُه بالغَداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنة فمن [أهل] الجنة، وإن كان من أهل النار فمن [أهل] النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك اللهُ إليه يوم القيامة "

    وهذه الآية تدل على عذاب القبر، لأنه بيَّن ما لهم في الآخرة فقال { ويومَ تقومُ الساعةُ ادخِلوا }

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثانية عشر

    { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }

    قال الشيخ السمين الحلبى فى الدر المصون:

    { وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ }: فيه ثلاثةُ أوجه،

    أظهرها: أنها جملة من مبتدأ وخبر سِيْقَتْ للإِخبار بقدرته، وأنَّ مَنْ قَدَرَ على بعث الموتى يَقِدْرُ على إحياء قلوب الكفرة بالإِيمان فلا تتأسَّفْ على مَنْ كفر.

    والثاني: أن " الموتى " منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، ورُجِّح هذا الوجهُ على الرفع بالابتداء لعطف جملة الاشتغال على جملةٍ فعلية قبلها فو نظير:
    { وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }
    [الإِنسان: 31] بعد قوله: { يُدْخِل }

    والثالث: أنه مرفوع نسقاً على الموصول قبله، والمراد بالموتى الكفار أي: إنما يَسْتجيب المؤمنون السامعون من أول وهلة، والكافرون الذين يُجيبهم الله تعالى بالإِيمان ويوفقهم له، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله: { يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ } في محل نصب على الحال، إلا أن هذا القولَ يُبْعده قوله تعالى: { ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } إلا أن يكون من ترشيح المجاز. وتقدَّمت له نظائر.

    وقال ابن عاشور فى التحرير والتنوير:


    ويجوز أن يكون البعث استعارة أيضاً للهداية بعد الضلال تبعاً لاستعارة الموت لعدم قبول الهدى على الوجهين المعروفين في الترشيح ـــ في فن البيان ـــ من كونه تارة يبقى على حقيقته لا يقصد منه إلاّ تقوية الاستعارة، وتارة يستعار من ملائم المشبّه به إلى شبهه من ملائم المشبّه، كقوله تعالى:
    { واعتصموا بحبل الله جميعاً }
    [آل عمران: 103]. فيكون على هذا الوجه في الكلام وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بأنّ بعض هؤلاء الضالّين المكذّبين سيهديهم الله تعالى إلى الإسلام، وهم من لم يسبق في علمه حرمانهم من الإيمان.

    فعلى الوجه الأول يكون قوله { ثم إليه يُرْجعون } زيادة في التهديد والوعيد.

    وعلى الوجه الثاني يكون تحريضاً لهم على الإيمان ليلقوا جزاءه حين يُرجعون إلى الله. ويجوز أن يكون الوقف عند قوله تعالى: { يبعثهم الله }. وتمّ التمثيل هنالك.

    ويكون قوله: { ثم إليه يرجعون } استطراداً تُخلّص به إلى قرع أسماعهم بإثبات الحشر الذي يقع بعد البعث الحقيقي، فيكون البعث في قوله: { يبعثهم الله } مستعملاً في حقيقته ومجازه. وقريب منه في التخلّص قوله تعالى:
    { فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى }
    في سورة [البقرة: 73].

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثالثة عشر

    { ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

    هل يجوز عدم الوقف عند ٱلرِّبَٰواْ فتكون جملة وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ من تتمة كلام الكفار؟

    قال الشيخ ابو حيان فى بحره:

    { وأحل الله البيع وحرّم الربا }. ظاهره أنه من كلام الله تعالى لا من كلامهم، وفي ذلك ردّ عليهم إذ ساووا بينهما، والحكم في الأشياء إنما هو إلى الله تعالى، لا يعارض في حكمه ولا يخالف في أمره، وفي هذه الآية دلالة على أن القياس في مقابلة النص لا يصح، إذ جعل الدليل في إبطال قولهم هو: أن الله أحل البيع وحرم الربا. وقال بعض العلماء: قياسهم فاسد، لأن البيع عوض ومعوض لا غبن فيه، والربا فيه التغابن وأكل المال البطل، لأن الزيادة لا مقابل لها من جنسها، بخلاف البيع، فإن الثمن مقابل بالمثمن..

    قال جعفر الصادق: حرم الله الربا ليتقارض الناس، وقيل: حرم لأنه متلف للأموال، مهلك للناس. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون: { وأحل الله البيع وحرم الربا } من كلامهم، فكانوا قد عرفوا تحريم الله الربا فعارضوه بآرائهم، فكان ذلك كفراً منهم.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الرابعة عشر

    { قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ } * { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ }

    قال القرطبي فى تفسيره:

    وقال الكسائي؛ الوقف عند قوله: «بل فعله» أي فعله من فعله؛ ثم يبتدىء «كَبِيُرُهم هذا».

    وقال ابو حيان فى بحره:

    ومن جعل الفاعل بفعله ضميراً يعود على قوله فتى أو على ابراهيم أو قال آخر بغير المطابق لمصلحة دينية، واستدل بما روي في الحديث أو وقف على { بل فعله } أي فعله من فعله وجعل { كبيرهم هذا } مبتدأ وخبراً وهو الكسائي أو أصله { فعلة } بمعنى لعله وخفف اللام وهو الفراء مستدلاً بقراءة ابن السميفع { فعله } بمعنى لعله مشدد اللام فهم بعداء عن طريق الفصاحة

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الخامسة عشر

    { قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ } * { قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى }

    قال القرطبي فى تفسيره:

    قوله تعالى: { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } اختلف في معناه على أقوال خمسة؛

    الأول: إنه ابتداء كلام، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد كان الكلام تم في قوله: «في كتاب». وكذا قال الزجاج، وأن معنى «لا يضلّ» لا يهلك من قوله: { أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ } [السجدة: 10]. «وَلا يَنْسَى» شيئاً؛ نزّهه عن الهلاك والنّسيان.

    القول الثاني: «لاَ يَضِلُّ» لا يخطىء؛ قاله ابن عباس؛ أي لا يخطىء في التدبير، فمن أنظره فلحكمة أنظره، ومن عاجله فلحكمة عاجله.

    القول الثالث: «لا يضل» لا يغيب. قال ابن الأعرابي: أصل الضلال الغَيبوبة؛ يقال: ضلّ الناسِي إذا غاب عنه حفظ الشيء. قال: ومعنى { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } أي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء.

    القول الرابع قاله الزجاج أيضاً وقال النحاس وهو أشبهها بالمعنى ـ: أخبر الله عز وجل أنه لا يحتاج إلى كتاب؛ والمعنى؛ لا يضل عنه علم شيء من الأشياء ولا معرفتها، ولا ينسى ما علِمه منها.

    قلت: وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي.

    وقول خامس: إن { لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } في موضع الصفة لـ«ـكتاب» أي الكتاب غير ضال عن الله عز وجل؛ أي غير ذاهب عنه. { وَلاَ يَنسَى } أي غير ناسٍ له فهما نعتان لـ«ـكتاب». وعلى هذا يكون الكلام متصلاً، ولا يوقف على «كتاب». تقول العرب: ضلّني الشيء إذا لم أجده، وأضللته أنا إذا تركته في موضع فلم تجده فيه.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •