إن التحقيق الذي تميل إليه نفسي في التسلسلين (تسلسل في الماضي المحال، وتسلسل في المستقبل الجائز) هو أن لفظ "التسلسل" في الموضعين يحمل على معنيين، لا على معنى واحد، حتى يوقع الضعفاء في اللبس، وكيف لا، وقد وقع العلامة المطيعي فيه.
أما إذا قلنا (تَسَلْسَلَ في الماضي) فإن معناه (وُجِدَ غيرُ المتناهي)، وهو عين المحال (أي التناقض)؛ إذ حاصله: أن ما لا يمكن وجوده قد وجد بالفعل !!!
ومدار قضية الاستحالة هو وقوع ما لا يمكن وقوعه؛ لأن (ما يتسلسل لا يتحصل) على حد تعبير إمام الحرمين الجميل البديع.
وأما إذا قلنا (يجوز التسلسل في المستقبل) فليس معناه أنه قد حصل بالفعل ما هو غير متناه، كلا، بل معناه هو ببساطة "جواز الاستمرار" لا غير، يعني يستمر - بعد أن وجد، أي بعد أن اقتحم عقبة العدم، ودَخَل في حيز الوجود - وهو لا يؤدي قطعا إلى وقوع ما لا يتناهى في الوجود؛ لأنه - حتى وإن استمر في المستقبل إلى ما لا نهاية كما هو الفرض - في الحقيقة متناه أبدا؛ لمجرد أنه متوقف لا محالة عند حد في جانب الماضي.
حاصل الكلام: أن "التسلسل" المستعمل في جانب الماضي هو التسلسل الحقيقي، فلا شك أنه محال، وأما "التسلسل" المستعمل في جانب المستقبل فليس بهذا المعنى، بل لا يمكن استعماله بهذا المعنى لانقطاعه في جانب الماضي حين دخل في حيز الوجود كما أشرت إليه، وإنما معناه مجرد الاستمرار اللغوي، وليس هو التسلسل الفلسفي الباطل المحال.
وبهذه التفرقة يتم تقريب هذه القضية لبعض الفهوم، والله أعلم.




رد مع اقتباس