خي الفاضل, بارك الله فيك على همتك الطيبة في الدفاع عن أهل السنة الأشاعرة والماتريدية, وأحببت أن أرد على ما ذكرت على قدر علمي, والله الموفق.

أٌقول: كل ما قاله هؤلاء المتمسلفة كذب وتغرير وتلفيق, والذي عنده أدنى اطلاع على عقائد السادة الأشاعرة يعلم ذلك تمام العلم.

أما بخصوص البند " أ " , فيقال فيه كالآتي:

السمع ( الكتاب والسنة ) عندنا حجة, والعقل حجة, وكل له مكانه ومحله المخصص له, ونحن لا نسلم أن العقل يتعارض مع النقل حتى يقال أنه يقدم العقل على النقل, فالتعارض عندنا منفي أصالة, فبنفيه ينتفي الترجيح إذ هو فرع عنه. القرءان الكريم حجة, لكن كيف أثبتنا حجيته, هل أثبتناها بنفس القرءان فيلزم الدور, أم بالعقل فيسلم لنا الاستدلال, بيان ذلك:

لو أتيت رجلا ملحدا وقلت له : القرءان كلام الله تعالى وهو حجة. يقول لي : ما دليلك؟ , أقول : قال تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول....), يقول لي: أنا لا أومن بربك ولا أعتقد وجوده حتى تثبت لي وجود القرءان فمن ثم حجيته!, فالمخلص من ذلك :أن تحاججه في إثبات وجود الله تعالى ثم إثبات صفاته الحياة والعلم والإرادة والقدرة ثم إثبات معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأنه نبي وصادق في كلامه ولا يكذب , فإذا تم لنا ذلك, صح عندها أن نثبت له حجية القرءان ونستدل بنفس القرءان على ذلك, فهنا كان العقل هو الدليل الوحيد على إثبات ما ذكرت, ثم بعد ذلك نستدل بالكتاب والسنة على ما نريد ونثبت بها الأحكام الشرعية وغير ذلك.
فالعقل كشف عن وجود الله تعالى فدلل على وجوده فمن ثم صفاته , وهكذا في كل ما يتوقف ثبوت المعجزة عليه, وما لا يتوقف ثبوت المعجزة عليه يستدل له بالسمع.

فالعقل والنقل دليلان معتبران من قبل الشارع, قال الله تعالى: ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون), وقال تعالى أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت...) الآية, وقد ذم تعالى المشركين على عدم استعمالهم عقولهم في التدبر والتفكر في الآيات, إذ لو أعملوا عقولهم وفكروا لوصلوا إلى الحق ولكنهم أهملوه وأعملوا شهواتهم, وسيدنا إبراهيم عليه السلام احتج على قومه بالعقل كما في حادثة تحطيم الأصنام كما في سورة الأنبياء, وكما في حادثة عباد الكواكب لما أفلت الكواكب كما في سورة الأنعام, وارجع إلى تفسير الرازي تجد ما يشرح الصدر في هذه المسألة. وقال تعالى : (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا, وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون), فانظر كيف سوى بين السمع (النقل)والبصر (الحس)والأفئدة(لعقل) في أنهما وسائل للعلم ولم يفرق.
لكن النقل زيادة على أنه وسيلة للعلم, هو مثبت لأحكام شرعية لا يتوصل إليها العقل ولا الحس, فالأحكام الشرعية لا تعرف إلا من قبل النقل.

والدليل العقلي إما أن يكون قطعيا أو ظنيا, وكذلك النقل إما أن يكون قطعيا أو ظنيا, فالقطعي العقلي يستحيل أن يتعارض مع القطعي النقلي, والقطعي من أي واحد منهما مقدم على الظني من أحدهما, لأن القطعي أقوى من الظني فلا يقدم عليه, سواء كان القطعي نقليا أم عقليا, فيبقى احتمال أخير وهو: أن يتعارض ظني عقلي مع ظني نقلي, فيرجح أحدهما على الآخر بالقرائن الخارجية المحتفة به.

هذا ما يحضرني الآن, ومن وقف على خطأ فليصححه مشكورا.