فوائد الدرس الرابع والعشرين:


1. رؤية الله تعالى هي أمر يحصل فينا نحن، أي يطرأ علينا نحن، ولا يطرأ على الله تعالى أي تغير، والرؤية أساسًا هي زيادة إدراك، وهذه الإدراك إما بصفة مستقلة عن العلم أو بنفس العلم، على خلاف، والجمهور من الأشاعرة على أن الصفة التي يحصل بها الرؤية غير العلم، وللإمام الأشعري قول آخر: هي أن الرؤية هي نوع علم، أي نوع من تعلقات العلم.
وعلى كلا المذهبين: فحصول الرؤية (أي حصول هذه الزيادة في الإدراك) لا يشترط فيه شيء مطلقًا، إذ قد جزمنا بعدم وجود علل أو ترتبات في العالم، بل يكفي لإيجاد شيء ما مجرد تعلق قدرة الله تعالى وإرادته به.

2. ما ذكره المخالفون من شروط للرؤية من مقابلة وتوسط في المسافة هي شروط عادية ( وبالتالي تقبل التخلف) خلقها الله تعالى ضرورية لنا نحن لحصول الإدراك وليست هي شرطًا لعين الإدراك (أي ليست شرطًا عقليًا).

3. ضرب الأشاعرة أمثلة لحصول الرؤية بدون الشروط العادية التي ذكرها المخالفون:
أ. الرؤية التي تحصل للنائم في الرؤيا المنامية، (ويصح تسميتها في اللغة رؤية) ولا علاقة للجسم الإنساني بما فيه العين بهذه الرؤية مطلقًا، إذ عند النوم تكون الجملة العصبية معطلة، وإنما الرؤية المنامية هي نوع من إدراكات الروح عند من يثبتها.
ب. نحن نقول أن الله تعالى يرى مخلوقاته، والمعتزلة يجيزون إطلاق هذا القول، ونحن نقول للمعتزلة: مهما كان معنى الرؤية عندكم (أي سواء قيدتموه بالعلم أو لم تقيدوه بالعلم) فأنتم تجيزون القول بأن الله تعالى يرى مخلوقاته، فهل تشرطون في رؤية الله تعالى لخلقه أن يقابلهم أو يواجههم أو أن يوجد شعاعٌ متصل أو أن يوجد عين مفتوحة؟
وجوابهم هم: لا. وهذا دليل على وقوع تخلف الشروط التي ذكروها.
جـ. ضرب الإمام الرازي رحمه الله تعالى مثالًا، قال: إذا نظر الإنسان إلى جسم من الأجسام وأغمض عينيه، فإنه سيبقى مستحضرًا تلك الصورة.

4. أهل السنة الأشاعرة كانوا هم الأقوى نظرًا والأكثر قدرة على تعقل الموجودات، ذلك أنهم نظروا في الوجود باحتمالاته العقلية المطلقة، وهذه ميزة لهم، في حين أن خصومهم حصروا الوجود فيما اعتادوا عليه.

5. الكلام على تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة برؤية القمر ليلة البدر:
فالحديث فيه تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي، فهو عليه الصلاة والسلام لم يقل: ترون ربكم كالقمر، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تضارون) وفي رواية: (لا تضامون في رؤيته) أي ليس ثمة أي ضرر أو تعب يلحق بكم، بل زيادة في الكشف والإدراك نعمة من الله تعالى وتفضلًا، وتشبيه الرؤية لمولانا جل وعز برؤية القمر: أي أن الإدراك جليٌّ والكشف بيِّن.
وبناء على ما قرره أهل السنة في معنى الرؤية: فلا يجوز أن نقول بأن الحديث السابقَ الكلامُ عنه مخالفٌ ظاهره للمعقول.

6. القائلون بأن سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام طلب الرؤية ليعلم قومه أن الله لا يرى، لم ينتبهوا إلى أن سيدنا موسى كان وحده وقتها، فإن قيل: يخبرهم بما حصل ، قلنا مادام الخبر يكفي فلماذا الطلب إذن، أي ماداموا يصدقونه فيكفي أن يخبرهم بامتناع الرؤية، وإن كانوا لا يصدقونه فما فائدة البرهان العملي؟!

7. صاحب الجوهرة على وقوع الرؤية للمصطفى عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، وهو أحد قولين عند أهل السنة، وذكر الشيخ سعيد أن أدلة المثبتين لم تقوَ في إثبات ذلك، كما نص عليه عدد من المحققين، والأصل عدم وقوع الرؤية، ومخالفة الأصل لا تتم إلا بدليل قوي، ولا دليل قويًا فيها، فنستصحب الأصل، وقد وردت أحاديث صحيحة تفيد عدم وقوع الرؤية.

8. ظن بعض العلماء كالنووي وابن حجر رحمهما الله تعالى أن السيدة عائشة اعتمدت في نفيها وقوع الرؤية على مجرد النظر، أي احتجت بقوله تعالى: ((لا تدركه الأبصار)) والواقع أنها اعتمدت على سؤالها للنبي صلى الله عليه وسلم وجوابه على ذلك.

9. وممن نفى وقوع الرؤية أيضًا سيدنا عبد الله بن مسعود، وبما أن الخلاف هو في وقوع الرؤية في الدنيا (لا في صحتها أو إمكانها) فيستفاد من هذا الخلاف إمكان وقوعها مطلقًا عند الصحابة رضوان الله عليهم إجماعًا.

10. ظن الزمخشري أن النفي بلن في قوله تعالى للكليم عليه السلام: ((لن تراني)) لتأبيد النفي في الدنيا والآخرة، وهو قول ضعيف حتى من حيث النحو، ولن التي يظن أنها تفيد تأبيد النفي سمَّوها بلن الزمخشرية.
[قلت (محمد سليمان): قال العلامة ابن مالك:
ومن رأى النفي بلن مؤبدًا . . . فقوله اردد وسواه فاعضدا
وقد أثبت البيت من حفظي له _في جملة أبيات قليلة حفظتها من الألفية_ إذ ليس لدي مرجع الآن، فأرجو التصحيح حال الخطأ].

11. بالنسبة لتقديم النفي على الإثبات أو العكس: فبعض الأصوليين قال بأن المثبت مقدم على النافي، والبعض قال العكس، فالتحقيق في المسألة أن النفي والإثبات كلاهما يحتاج إلى دليل، والتقديم بحسب الأصل، فإذا كان الأصل النفي، فالنافي مقدم، وإذا كان الأصل الإثبات، فالمثبت مقدم.

12. تعريف: الفضل هو فعل خير بلا سبق وجوب، وهذا التعريف غير موجود في الكتب، ولكنه يفيد ما يريده العلماء.
وإذا فعل الواحد شيئًا واجبًا عليه فلا يسمى فعله فضلًا، إلا مجازًا أو كناية.

13. تعريف: الاحتياج أو الافتقار: هو توقف الذات على غير الذات، وهذا التعريف أيضًا غير موجود في الكتب، ولكنه يفيد ما يريده العلماء.

14. كتاب "هياكل النور" للسهروردي من الكتب الإشراقية، ومن المتون الكبرى عند الفلاسفة، وهو كتاب خطير.

15. محمد عبده ممن اغتر بالفلاسفة، وتابعهم كما في شرحه على العقائد العضدية، واضطر إلى إنكار بطلان التسلسل، واعتمدوا على أنه لا يصح كونه لم يزل جوادًا إلا بمنع إبطال التسلسل، فمنعوه.
[قلت: (محمد سليمان): الشيخ محمد بخيت المطيعي في حاشيته على شرح الخريدة، رأيته يعترض على صحة برهان الطوفان، ولا أدري ما الذي دفعه لذلك].