بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد :
أحببت أن أشير هنا إلى بعض النقاط التي رأيت من الأهمية أن أشير إليها أو أقولها حتى لا ينتهي هذا الحوار بمثل هذا الأسلوب...
1- الحوار الذي دار بيني و بين أخي محمد لا يعبر البتة عن أي قول للشيخ المعسكري و لا أظنه مطلعا على ما كان في نهايته بعد أن اطلع على أول رد لأخي الفاضل محمد فزهد في الموضوع برمته... فلا ينبغي أن ينسب له شيء غير ما قاله في ما رفعناه في الملف....
2- مسألة القطع التي وردت في كتاب الشفا و قلت أن هذا الكلام مردود رجعت إلى كتاب الشفا للقاضي عياض رحمه الله تعالى فرأيته يؤصل تأصيلا قريبا لما ذكره الشيخ جلال ذكره الله بخير و وقع لي التباس في نقل هذا القطع عنه أو عن غيره، و في تأصيله أو ذكره لاختلاف القول عند الإمام مالك رحمه الله تعالى و الإمام الباقلاني و إبعاده التكفير عن من قال في تلك البعارة بالقطع بكفرهم، فإنني حقيقة ما رأيت ما يقطع به، و لعل أحد الإخوة يسعفني بما يقطع بتلك الدلالة حتى نسقط تأويل من كان له تأويل في ذلك، خاصة و أن المخالف يستشهد بأحاديث صحيحة تدل بدلالة أقوى على الشبهة التي تلبس بها، و من نجا بنفسه عن التكفير في مثل هذه المواقف سلم....
3- "في هذه النقطة و حتى نزيد الطين بلة" ما استشهد به من فعل شيخ الإسلام ابن كمال باشا و الذي نضعه موضع شيخ الأزهر اليوم و مفتي مصر و رئيس جمعية العلماء المسلمين و رئيس الرابطة العالمية للعلماء و شيخ الإسلام و المسلمين في عصرنا، فهم أدوات تلعب بهم السياسة نسأل الله العافية و السلامة و لا يعدو قوله و فعله يومها من أن يكون بدافع سياسي خاصة إذا علمنا أن زوج هويام عندما وصل بغداد و دحر جيش مناوئه ما قام بقتل هؤلاء الكفرة الفجرة و لا أعمل فيهم السيف، و لكن بخلاف ذلك تماما أصلح لهم أمورهم الدينية و مقاماتهم و في ذلك عند شيخ الإسلام إعانة على الكفر و الظلم، و لم نر زوج هويام التفت إلى قول شيخ الإسلام حينها الذي كان معه و يفتيه... فلا يعدو الأمر و الموقف أن يكون سياسيا بامتياز كما نرى اليوم مشايخ الإسلام و المسلمين بحسب كل هيئة و دولة يختلف الدين بينهم.... و خل إن كنت سأكفر بمثل هذا القول عند السادة العلماء الفلاسفة المتكلمين...
4- الفظائع التي ارتكبت بحق آل البيت عليهم السلام و لأتباعهم على يد حكام أهل السنة هي قطعا بفعل حكام أهل السنة لا يشك في ذلك عاقل، لأننا نقول قطعا أن أهل السنة" المسمى" جاء بعدا أن امتازت أمور، فقام أناس بخذلهم و هذه نحن نقولها أن الشيعة خذلوهم، و قام أناس آخرون بذبحهم و هم قطعا من أهل السنة و لكل واحد أن ينظر في تلك الأمور ليعلم ما كنا نستهجنه و نشير إليه، و أما أننا ننسبهم إلى أعين من أهل السنة لا إلى الطائفة فللمخالف كذلك أن يستدل بمثل ذلك فيما وقع منهم فينا خاصة و أنا التاريخ يقول أنهم ارتابوا من أولئكم الملوك و اعتزلوا الأمر، و أن الملك الفاتح لما دخل بغداد أصلح لهم مراقدهم و استرضاهم... و الإنصاف واجب...
5- أعجبت كثيرا و حمدت الله أنني وجدت رجلا منصفا في أهل السنة لا يتمايز عن الشيخ المعسكري و لا يقيم في المسائل العلمية (و أنا أعرف أنني أتكلم بأكبر من حجمي) اعتبارا لغير الحق و الإنصاف ، و حقا أعجبتني مؤلفاته و ما جمع فيها و ربما لولا هذا المنتدى و ما دل على نفسه فيه مع الشيخ علي الهاشمي لم كنت لأعرفه أو أعرف مؤلفاته و هو الشيخ الحداء الذي أحببت أن أنقل شيئا من مقدمة أحد كتبه، و كلامه ينبئ حقا عن سعة اطلاعه بأقوال المدرستين و إنصاف من أنصف فيها و ذهاب من ذهب فيها مذهب "اللي في بالي" سامحهم الله تعالى.... قال المؤلف حفظه الله تعالى:
فإننا إذا نظرنا إلى واقع أعظم فرقتين إسلاميتين, وهما السنة والشيعة, وعايشنا
أحوالهما, لنتلمس أسباب الاحتقان المتزايد فيما بينهما, ونتأمل عوامل الكراهية
المتعاظمة عندهما, فسنجد أن من أهم ما يسبب ذلك ويساعد عليه, ومن أعظم ما
يقويه ويدعو إليه: هو ذلكم السيل الجارف من الاتهامات المتبادلة, والكم الهائل من
التصورات الخاطئة, الواقعة من الطرفين, والتي هي مبنية في كثير من الأحيان على
الثنائي المشئوم: سوء الفهم, وسوء القصد.
فأما سوء القصد: فلا سبيل إلى معالجته بالأبحاث مهما كانت جادة, ولا
بالحوارات مهما كانت بناءه, ما لم يرجع كل إلى ذاته بصدق, ويخاف ربه بحق, ليعلم
أن العدل والإنصاف مطلوبان, حتى مع المخالف البعيد, بل العدو المشنوء, كما قال
الحق تبارك وتعالى : "و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى."
وأما سوء الفهم: فهو − مع الأسف − الميدان الرحب الذي كثر مرتادوه,
والطريق المهيع الذي كثر سالكوه, حتى قل من يثبت أمام سيله الجارف, أو يصمد
أمام رياحه العاتيه, ممن وفقهم المولى تبارك وتعالى, فنزعوا عن أنفسهم عباءة تلقف
ليعملوا بصدق « المتهم بريء حتى تثبت إدانته » التهم من هنا وهناك, وتدثروا بشعار
ويجدوا بعزم في سبيل غربلة موروثات التهم, ومنقولات الدعاوى, وتمييز صحيحها
من فاسدها, وحقها من باطلها, فأنصفوا الآخر ولو من أنفسهم, وأحقوا الحق ولو
كان عند خصمهم, وأبطلوا الباطل ولو كان في حزبهم, فأرضوا ربهم, وأطاعوا
خالقهم, وأخرجوا أنفسهم من التبعات, وصانوا أنفسهم من الزلات, ثم ساهموا في
إصلاح الآخرين وتوجيههم, وإرشادهم وتنبيههم, أداءً للأمانة, ونصحاً للأمة.
فما أكثر التصورات الخاطئة, وما أوفر الاتهامات العاطلة, وما أعظم الدعاوى
الباطلة, عن الآخر, في أوساط الأمة, حتى على المستوى العالي فيها, من قادة وعلماء
ومفكرين, والتي تنتظر ممن وفقه الله لتجاوزها والوقوف على حقيقتها, أن يسهم في
إزالة اللبس عنها, وتجلية الأمر لها, لتوضع الأمور في نصابها, وتتضح الحقيقة لطلابها.
ولو أن المخلصين من الباحثين وما أكثرهم, والحريصين من العلماء والمفكرين وما
أوفرهم, من الفريقين على حدٍ سواء, تناولوا تلك التصورات بالدراسة المنصفة,
والبحث المتجرد, ووقفوا مع تلك الاتهامات بمنهج الله تعالى القاضي بالتثبت, والآمر
بالعدل, لرأينا كيف تسقط منها مسائل كثيرات, وتخف حدة التوتر في أمور وفيرات,
مما يسهم − بقوة − في رأب الصدع, ولم الشمل, وإضعاف فتيل الخلاف, وإيقاظ
داعي الائتلاف, وهي أمور ما أهمها في كل مصر, وما أجملها في كل عصر, وخاصة
هذا العصر الذي تكالبت فيه العدا, وتنوعت فيه صنوف الردى.
وإيماناً − من الفقير − بذلك, ورجاء الاندراج في تلك المسالك, أحببت أن أدلو
مع الدلاء بدلو نافع, وأرمي مع الرماة بسهم ناجع, وإن كنت لست من فرسان
الميدان, ولا من أهل ذا الشأن.
فتناولت مسألة ذات بال, عظم فيها بين الباحثين السجال, على قدر كبير من
الأهمية, وبمكانة عالية من الأولوية, فيها ترمي الفرقة أختها بدعوى, وتبادل الطائفة
بين دعوى الشيعة على « فقه الآل رضوان الله عليهم » ضرتها بأخرى, وهي مسألة
السنة بإهماله والإعراض عنه, وتهمة السنة للشيعة بتحريفه والافتئات عليه.
محاولاً الإنصاف قدر الاستطاعة, جاهداً قول الحق حسب الطاقة, معتمداً
لأسلوبٍ حسبته الأنجع, متبعاً لنهج ظننته الأنفع, يقوم على تتبع آراء الآل رضوان
الله عليهم الفقهية, من أمهات كتب الحديث والفقه السنية, لمعرفة حجم مرويات الآل
الفقهية, في المصادر السنية, ومقارنتها بكتب الفقه الشيعية, ليظهر من خلال الأول −
حجم المرويات − مدى براءة أهل السنة من الإهمال, ومن الثاني − المقارنة − مقدار
بعد الشيعة عن الانتحال, وبذلك نكون قد أسهمنا في تمحيص تهمتين, ودراسة
دعويين, كان لهما عميق الأثر, وجليل الخطر, في مسير الطائفتين, وفكر الفرقتين.


بهذا أحببت أن أختم، من غير تهويل و لا تهليل و لا تجريح و لا تجهيل، نحن ما تربينا على مثل هذا و لا هذه أخلاقنا طيلة السنة فما بالك برمضان، و يقع العذر كما قالها أحد مشايخ المنتدى أن لطلبة العلم (و أنا قطعا لست منهم) حدة في الحوار ينبغي أن نسامحهم عليها و لكنهم فيما عداها متآخون متخلقون متسامحون...
غفر الله لي و لأخي و هو في حل من الأمر بحق الشهر الكريم...