الجوهرة التاسعة والستون بعد المائة الثانية


{ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

قال القرطبي فى تفسيره:

قوله تعالى: { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ } شرطٌ وجوابه.

وفيه ثلاثة أقوال: يكون خطاباً للكفار؛ لأنهم استفتحوا فقالوا: اللَّهُمّ أقطعُنا للرّحم وأظلَمُنا لصاحبه فٱنصره عليه. قاله الحسن ومجاهد وغيرهما. وكان هذا القول منهم وقت خروجهم لنُصرة العير. وقيل: قاله أبو جهل وقت القتال. وقال النّضر بن الحارث؛ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ٱئتنا بعذاب أليم. وهو ممن قتل ببدر. والاستفتاح: طلب النصر؛ أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين عليكم. أي فقد جاءكم ما بان به الأمر، وٱنكشف لكم الحق. { وَإِن تَنتَهُواْ } أي عن الكفر { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ }. { وَإِن تَعُودُواْ } أي إلى هذا القول وقتال محمد. { نَعُدْ } إلى نصر المؤمنين. { وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ } أي عن جماعتكم { شَيْئاً }. { وَلَوْ كَثُرَتْ } أي في العدد.

الثاني: يكون خطاباً للمؤمنين؛ أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وإن «تَنْتَهُوا» أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرىٰ قبل الإذن؛ «فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ». «وَإنْ تَعُودُوا» أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم. كما قال: { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } الآية.

والقول الثالث: أن يكون { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ } خطاباً للمؤمنين؛ وما بعده للكفار. أي وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر. القشيري: والصحيح أنه خطاب للكفار؛ فإنهم لما نَفَرُوا إلى نصرة العير تعلّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم ٱنصر أهدى الطائفتين، وأفضل الدِّينين. المهدوِيّ: وروي أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي يستنصرون.

قلت: ولا تعارض لاحتمال أن يكونوا فعلوا الحالتين. { وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بكسر الألف على الاستئناف، وبفتحها عطف على قوله: «وَأَنَّ اللَّهُ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ». أو على قوله: «أَنِّي مَعَكُمْ». والمعنىٰ: ولأن الله؛ والتقدير لكثرتها وأن الله. أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت.

وقال ابن الجوزى فى زاد المسير:

قوله تعالى: { إن تستفتحوا } في سبب نزولها خمسة أقوال.

أحدها: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصروا الله وسألوه الفتح، فنزلت هذه الآية؛ وهذا المعنى مروي عن أبي بن كعب، وعطاء الخراساني.

والثاني: أن أبا جهل قال: اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس.

والثالث: أن المشركين أخذوا بأستار الكعبة قبل خروجهم إلى بدر، فقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم القبيلتين؛ فنزلت هذه الآية، قاله السدي.

والرابع: أن المشركين قالوا: اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه بالحق؛ فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة.

والخامس: أنهم قالوا بمكة:
{ اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء... }
[الأنفال: 32] الآية فعذِّبوا يوم بدر، قاله ابن زيد.

فخرج من هذه الأقوال أن في المخاطَبين بقوله: { إن تستفتحوا } قولان.

أحدهما: أنهم المؤمنون. والثاني: المشركون؛ وهو الأشهر.

وفي الاستفتاح قولان.

أحدهما: انه الاستنصار، قاله ابن عباس، والزجاج في آخرين. فان قلنا: إنهم المسلمون، كان المعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر بالملائكة؛ وإن قلنا: إنهم المشركون؛ احتمل وجهين. أحدهما: إن تستنصروا فقد جاء النصر عليكم. والثاني: إن تستنصروا لأحب الفريقين إلى الله، فقد جاء النصر لأحب الفريقين.

والثاني: أن الاستفتاح: طلب الحكم، والمعنى: إن تسألوا الحكم بينكم وبين المسلمين، فقد جاءكم الحكم؛ وإلى هذا المعنى ذهب عكرمة، ومجاهد، وقتادة. فأما قوله: { وإن تنتهوا فهو خير لكم } فهو خطاب للمشركين على قول الجماعة.

وفي معناه قولان.

أحدهما: إن تنتهوا عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم والكفر، قاله أبو صالح عن ابن عباس.

والثاني: إن تنتهوا عن استفتاحكم، فهو خير لكم، لأنه كان عليهم، لا لهم، ذكره الماوردي.

وفي قوله: { وإن تعودوا نعد } قولان.

أحدهما: وإن تعودوا إلى القتال، نَعُدْ إلى هزيمتكم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: وإن تعودوا إلى الاستفتاح، نَعُدْ إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي.

قوله تعالى: { ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً } أي: جماعتكم وإن كثرت، { وأن الله مع المؤمنين } بالعون والنصر. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «وإِن الله» بكسر الألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وأَن» بفتح الألف. فمن قرأ بكسر «أن» استأنف. قال الفراء: وهو أحب إليَّ من فتحها. ومن فتحها أراد: ولأن الله مع المؤمنين.

قوله تعالى: { ولا تولَّوا عنه } فيه قولان.

أحدهما: لا تولَّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والثاني: لا تولَّوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأنتم تسمعون } ما نزل من القرآن، روي القولان عن ابن عباس.