بسم الله الرحمن الرحيمفهذا جزء من جواب مطول لفضيلة الشيخ عبد الكريم تتان من موقعه الرسمي عندما سئل عن صحة نسبة كتاب الإبانة إلى الإمام الأشعري قال نفع الله به :
"أن الإمام لم يمر بثلاث مراحل في حياته ، بل هما مرحلتان فقط ، مرحلة الاعتزال ثم أعقبها مرحلة العودة إلى طريق السلف التي كان عليها ابن كلاب والمحاسبي والقلانسي والكرابيسي والبخاري ومسلم وأبو ثور والطبري وغيرهم ، وهي المرحلة التي ألف الإمام فيها كتاب الإبانة .
ويروى أن الإمام الشعري عندما ألف الإبانة رفضها بعض حنابلة بغداد تعصبا ً ولم يقبلوها منه " انظر سير أعلام النبلاء 15/90 ، طبقات الحنابلة 2/18 ، الوافي بالوفيات 12/146 " ولعل هذا يؤيد ما مر من أن الإبانة مؤلفة على طريقة ابن كلاب الذي هجره بعض الحنابلة فيمن هجروه من الأئمة لأجل مسألة اللفظ وأخذهم بعلم الكلام للرد على المخالفين من المعتزلة وغيرهم .
وهذا الذي ذكرناه عن كتاب الإبانة ، إنما أردنا به الإبانة التي صنفها الإمام ، وليست الإبانة المتداولة والمطبوعة اليوم ، وذلك لما حدث على هذا الكتاب من التحريف والنقص والزيادة .
قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في مقدمة كتاب " تبيين كذب المفتري " :
( والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة نسخة مصحفة محرفة تلاعبت بها الأيدي الأثيمة ، فيجب إعادة طبعها من أصل موثوق " اهـ .
وقال أيضا ً " مقدمته على كتاب إشارات المرام من عبارات الإمام للعلامة البياضي " :
( ومن العزيز جدا ً الظفر بأصل صحيح من مؤلفاته على كثرتها البالغة ، وطبع كتاب الإبانة لم يكن من أصل وثيق ، وفي المقالات المنشورة باسمع وقفه ) اهـ . ( وانظر أيضا ً تعليقه على السيف الصقيل ص155 - 196 ) . وهذا أيضا ً ماذهب إليه الدكنور عبدالرحمن بدوي مؤيدا ً للعلامة الكوثري " مذاهب الإسلاميين 1/516 " قال : ( وقد لاحظ الشيخ الكوثري بحق أن النسخة المطبوعة في الهند تلاعبت بها الأيدي الأثيمة . . ) اهـ.
كما لاحظ ذلك غيرهم من الدارسين ( انظر مذاهب الإسلاميين 1/517 ومابعدها ) .
وللشيخ وهبي غاوجي حفظه الله رسالة في هذا الموضوع بعنوان " نظرة علمية في نسبة كتاب الإبانة جميعه إلى الإمام أبي الحسن " أتى فيها بأدلة موضوعية تدل على أن قسما ً كبيرا ً مما في الإبانة المتداولة اليوم بين الناس لايصح نسبته للإمام الأشعري .
وقد طبع كتاب الإبانة طبعة قوبلت على أربع نسخ خطية بتحقيق الدكتورة فوقية حسين ، وهي طبعة وإن كانت أحسن حالا ً من المطبوعة قبل إلا انها لم تخل من التحريف والنقص والزيادة أيضا ً ، وهذه لعله يصحح ماذهب إليه العلامة الكوثري رحمه الله تعالى حين قال : ( ومن العزيز جدا ً الظفر بأصل صحيح من مؤلفاته على كثرتها البالغة " .
وقد نقل الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في كتاب " تبين كذب المفتري" فصلين من الإبانة ، وعند مقارنة الإبانة المطبوعة المتداولة مع طبعة الدكتورة فوقية مع الفصلين المنقولين عند ابن عساكر يتبين بوضوح قدر ذلك التحريف الذي جرى على هذا الكتاب .
وهذه بعض الأمثلة على ذلك :
* جاء في الإبانة المطبوعة ص16 مانصه ( وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله : ( تجري بأعيننا . . . ) " ا.هـ هكذا بالتثنية !
* وعند ابن عساكر ص157 ( وأنكروا أن يكون له عين ... ) بإفراد لفظ العين .
* وجاء في المطبوعة ص18 ( وأن له عينين بلا كف . . )
* وفي طبعة الدكتورة فوقية ص22 ( وأن له سبحانه عينين بلا كيف ) هكذا ، كلاهما بالتثنية !
* وعند ابن عساكر ص158 ( وأن له عينا ً بلاكيف . . ) بإفراد لفظ العين . والإفراد هو الموافق للكتاب والسنة وأقوال السلف ، وهذا نص واضح في التلاعب بنسخ الكتاب ، ولفظ العينين لم يرد في القرآن ولا في السنة ، ومن ثنى فقد قاس الله تعالى على المحسوس المشاهد من الخلق ، تعالى الله وتقدس عن ذلك .
قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي في هامش ص313 : ( لم ترد صيغة التثنية في الكتاب ولا في السنة ، ومايروى عن أبي الحسن الأشعري من ذلك فمدسوس في كتبه بالنظر غلى نقل الكافة عنه ) ثم قال : ( قال ابن حزم : لايجوز لأحد أن يصف الله عزوجل بأن له عينين لأن النص لم يأت بذلك ) اهـ .
وقال ابن عقيل معلقا ً على حديث الدجال ( دفع شبه التشبيه ص263):
( يحسب بعض الجهلة أنه - صلى الله عليه وسلم - لما نفى العور عن الله عزوجل أثبت من دليل الخطاب أنه ذو عينين ، وهذا بعيد من الفهم ، إنما نفى العور من حيث نفي النقائص . . ) اهـ .
وقال ابن الجوزي في الرد على من أثبت لله تعالى عينين ( دفع شبه التشبيه ص 114 ) :
( قلت : وهذا ابتداع لادليل لهم عليه ، وإنما أثبتوا عينين من دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام : " وإن لله ليس بأعور " وإنما أراد نفي النقص عنه تعالى ) اهـ .
ومن أمثلة التحريف فيه أيضا ً القدح بالإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه :
فقد جاء في الإبانة المطبوعة ص 57 " وذكروا هارون بن إسحاق الهمداني عن أبي نعيم عن سليمان بن عيسى القاري عن سفيان الثوري ، قال : قال لي حماد بن أبي سليمان : بلغ أبا حنيفة المشرك أني منه بريء . قال سليمان : ثم قال سفيان : لأنه كان يقول القرآن مخلوق
وذكر سفيان بن وكيع قال عمر بن حماد بن أبي حنيفة قال أخرني أبي قال : الكلام الذي استتاب فيه ابن أبي ليلى أبا حنيفة هو قوله : القرآن مخلوق . قال : فتاب منه وطاف به في الخلق . قال أبي : فقلت له كيف صرت إلى هذا ؟ قال : خفت أن يقوم علي ، فأعطيته التقية . ( هكذا !!) وذكر هارون بن إسحاق قال سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد الطنافسي ان حاداً - يعني ابن أبي سليمان - بعث إلى أبي حنيفة : إني برئ مما تقول ، إلا أن تتوب . وكان عنده ابن أبي عقبة ، قال ، فقال : أخبروني جارك أن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعد مااستتيب . مانصه : ( وهذا كذب محض على أبي حنيفة رضي الله عنه ) اهـ .
قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ، في هامش ص49 ، مانصه " ومن غريب التحريف مادس في بعض نسخ الإبانة للأشعري كما دس فيها أشياء أخر من أن حماد بن أبي سليمان قال " بلغ أبا حنيفة المشرك أني برئ من دينه " وكان يقول بخلق القرآن . فإن لفظ حماد " بلغ أبا فلان " لا أبا حنيفة ! كما في أول خلق الأفعال للبخاري ، وجعل من لا يخاف الله لفظ " أبا حنيفة " في موضع " ابا فلان " والله أعلم من هو أبو فلان هذا ، وما هي المسألة . . " اهـ .
وفي كتاب الاعتقاد للبيهقي ( ص112 ) :
( روينا عن محمد بن سعيد بن سابق أنه قال : سألت أبا يوسف فقلت : أكان أبو حنيفة يقول القرآن مخلوق ؟ فقال : معاذ الله ، ولا أنا أقوله . فقلت : أكان يرى رأي جهم ؟ فقال : معاذ الله ، ولا أنا أقوله . ( رواه ثقات )اهـ.
وهذه الرواية تنقض مامر مما نسب لأبي يوسف : ناظرت أبا حنيفة شهرين حتى رجع عن خلق القرآن .
وقال الشيخ وهبي غاوجي حفظه الله " نظرة علمية في نسبة كتاب الإبانة جميعه . . . ص20 ) :
( ولابأس أن نقول : لو كان الإمام الأشعري رحمه الله تعالى نسب حقا ً إلى الإمام - يعني أبا حنيفة - القول بخلق القرآن لما كان للإمام الأشعري تلك المكانة العالية عند الحنفية أتباع الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى . فلا تلتفت أيها القارئ غلى تلك النقول مبتدأ والباطلة سندا ً ، واحسن الظن بالإمام الأشعري كما تحسن الظن بإمام الآئمة الفقهاء وسائر الأئمة رضوان الله تعالى عليهم . وتذكر أنه أدخل الكثير من الأباطيل على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ركبت لها أسانيد باطلة ، لكمات باطلة . كذلك ولاتنس أنه حشر في كتب كثير من العلماء كلمات وعبارات وحذف منها كلمات وعبارات حتى في حياة أصحابها ) اهـ.
ومن هذه الأمثلة أيضا ً ماجاء في الطبعة المتداولة عند ذكر الاستواء ص69 ( إن قال قائل : ماتقولون في الاستواء ؟ قيل له نقول : إن الله عزوجل مستو على عرشه كما قال : ( الرحمن على العرش استوى ) . . ) وفي طبعة الدكتورة فوقيه ص105 " . . . ( نقول إن الله عزوجل استوى على عرشه استواء يليق به من غير حلول ولا استقرار . . )
فالعبارة الأخيرة محذوفة من الطبعة المتداولة ! !
وفي ص73 من الإباة المتداولة ( فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه ، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض ، فدل على أن الله تعالى منفرد بوحدانيته مستو على عرشه ) اهـ .
وفي طبعة الدكتورة فوقية ص113 ( فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته مستو على عرشه استواء منزها ً عن الحلول والاتحاد ) اهـ .
إلى غير ذلك من عشرات الأمثلة الدالة دلالة قاطعة على تحريف الكتاب ، والقاضية بعدم جواز اعتبار معظمه ممثلا ً لعقيدة الإمام الأشعري إلى في ما وافق قول الكافة من أهل العلم والنقل عنه ".




رد مع اقتباس