اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أدهم فضيل اللهيبي مشاهدة المشاركة
و عليكم السلام،
جزاكما الله خيرا و وفقكما لمرضاته.
... ... ... ... ... و سـوف تريا العجب من فعل مولانا الرازي في رده لمعظم أدلة الجمهور في إثبات قطعية الإجماع وتصريحه بأنها ظنية، فلذلك كثير من المتأخرين شنعوا عليه ! ، و الله أعلم
سـبحان الله .. خطر لِي أنَّ ذلك ناجِمٌ عن إِساءَة النظر في المحصول ...
وَ هذا من جملة الظُلم الذي يقع على الأكابِر بسبب علوّ مقامهم على من دونهم مِمَّن لمْ يبلغ شأوَهُم في التحقيق ، و لا لهُ طول نفسِهِم في مُحاولة استنفاد حجج المخالفين و ابطالها بالتدقيق ...
فإِنْ كان الإمام الرازِيّ رضي اللهُ عنهُ ، في شدّة ذكاءِهِ و عبقرِيَّتِهِ و سعة علومهِ و عمق نظرِهِ وَ تنوّع معارِفِهِ مع نُبلِهِ وَ وَرَعِهِ ، مظلُوماً حتّى مع المُوافقين و المُحِبّين في زمانِهِ فكيفَ بمن بَعدَهُم ؟!.. . فكيف بِالحُسّاد و المُخالِفِين ؟.!.؟.!.
و كم ظُلِم أُناسٌ بسبب العجلة و التسرُّع و عدم ترَيُّثِ الآخَرِينَ في تفهُّمِهِم ...

كلام مولانا الفخر الرازيّ رضي اللهُ عنهُ الذي توهَّمَ منهُ المُخالفةَ مَنْ توهّم ، مَسُـوقٌ إفتراضاً بالتفصِيلِ على ألسِنَة المخالفِين ، مع تقَصّي كلّ ما يُمكِن أنْ يعتَرِضُوا بِهِ على استدلالات أهل السُـنّة ، وَ سَـرْد ما يُحتَمَل مِنَ الإِيرادات بقدر الوسع و الإِمكان ، بُغيَةَ الإِجابةِ عنها بعد ذلك ...
وَ ليس من الإِنصاف ، بل وَ لا من نهج التحقيق العلمِيّ في شَـيْءٍ ، أنْ نَقِفَ عند تِلك الإِيرادات وَ التسليماتِ بِها جَدلاً في معرِض التمهِيد لِلردّ ، ثُمَّ نجعلَها كُلَّها أقوالاً لحضرة الإِمام الفخر و نحمِلَها عليه على أنَّها هي قولُهُ في المسألة ، غافِلين أوْ متغافِلِين عن جوابِهِ النِهائِيّ وَ قولِهِ الفصلِ فيما يُجيبُ بِه على جميع تلك الإِعتراضات وَ يَرُدُّ بِهِ تلكَ الإِيرادات ...
لكن ما كُلّ أحد يصبِر حتّى النهاية ، وَ أَهمّ ما يحتاجُهُ الغوّاصُ هو قُوَّة النظر وَ طول النَفَس مع صِدق الصبر و سعة الصدر .. وَ أَنّى لمَنْ دُون الإِمام الفخر رضي اللهُ عنهُ أَنْ يُنافِسَـهُ في واحِدٍ مِنْ هذه الأَمور ؟.!.؟.!.؟.
فقد صَدَّرَ سيّدُنا الإِمام فخر الدين رضي اللهُ عنهُ المسـأَلَةَ الثالثةَ من مسائل مباحِثِ الإِجماع بالقول الحقّ المُقَرَّر عِندَهُ (كما هو عند سائر أهل السُنَّةِ) مع دليلِهِ مُجملاً ، ثُمَّ انطلَقَ يُناضِلُ عنهُ بِفرضِ اعتراضات المخالفين بالتفصِيل و سَـردِ إِيراداتِهِم جُملَةً ، ثُمَّ أتبَعَها بالجوابِ عن كُلٍّ منها واحِدةً واحِدة ، حتّى أتى على آخِرِها ... وَ هذا مِنْ شـريف المفاخِرِ و محمودِ المناقِب ، التي جعلَها الحُسّـادُ وَ القُصّارُ معايِبَ وَمثالِبَ ... فإِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيهِ راجِعُون .. وَ لِلّهِ في خلقِهِ شُــؤُون ...
قال رحمه الله ، في المحصول :" المسألة الثالثة : إِجماعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللهُ عليه و سلّم) حُجَّةٌ ، خٍلافاً لِلنَظّام و الشِيعة و الخوارِج . لنا وُجُوهٌ :
1- الأوَّل : قولُهُ تعالى { وَ مَنْ يُشـاقِقِ الرَسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تبَيَّنَ لهُ الهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَـبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جهَنَّمَ وَ سـاءَت مصيراً } (سورة النِساء) .. جمع اللهُ تعالى بين مُشـاقَّةِ الرَسُـولِ وَ مُتابعةِ غيرِ سبِيلِ المُؤْمِنِينَ في الوعِيدِ ، فَلَوْ كانَ اتّباعُ غيرِ سبيلِ المُؤْمِنِينَ مُباحاً لَما جمَعَ بَينَهُ و بينَ المحظُور ، كما لا يَجُوزُ أَنْ يُقالَ :" إِذا زَنَيتَ وَ شَـرِبْتَ الماءَ عاقَبْتُكَ " . فَثَبَتَ أَنَّ مُتابعة غير سَـبِيل المُؤْمِنِينَ محظُورة .
وَ مُتابَعَةُ غيرِ سبيلِ المُؤْمِنِنَ عبارَةٌ عن مُتابَعَةِ قَولٍ أو فتوى غيرِ قولِهِم و فتواهُم ، وَ إِذا كانتْ هذه محظُورةً وَجَبَ أَنْ تكُونَ مُتابَعَةُ قَولِهِم وَ فتواهُم واجِبَةً ضرُورَةَ أَنَّهُ لا خُرُوجَ مِن القِسْمَيْنِ .
فَإِنْ قيلَ : لا نُسلّمُ أنَّ مُتابعة غير سبيل المؤْمنين محظورة على الإِطلاق وَ لِمَ لا يَجُوزُ أَنْ يكونَ كونُها محظورةً مشروطٌاً بِمُشاقّةِ الرسول و لا تكون محظورةً بدون هذا الشرط .... .... ... " .. فَمِنْ هُنا يبدأُ كلامُهُ في نَقْضِ اعتراضات المخالفين ، يُورِدُ أَوَّلاً إِيراداتِهِم للإحتمالات وَ يَرُدُّها بالتفصيل بالنسق و الترتيب ، مع طولِ نفَسٍ عجيبٍ (نحو عشر صفحات) ، إلى أنْ يَقُول :
" (الجواب) : قَولُهُ (اي المخالف) " الآية تقتضي التوعُّد على اتّباع سبيل غير المؤْمنين بشرط المُشاقّة " . قُلنا هذا باطِل لأنَّ المُعلَّق على الشرط إِنْ لَمْ يَكُن عدَماً عندَ عَدَمِ الشرط فقد حصَلَ غرَضُنا ، وَ إِنْ كانَ عدَماً عندَ عَدَمِ الشرطِ فلَوْ كانَ التَوَعُّدُ على اتّباعِ غير سبيلِ المُؤْمنين مشرُوطاً بالمُشاقَّةِ لكانَ - عِنْدَ عَدَمِ المُشاقَّةِ - اِتِّباعُ غَيْرِ سَـبِيلِ المُؤْمِنِينَ جائِزاً مُطلَقاً ، وَ هذا باطِلٌ ، لأنَّ مُخالَفَةَ الإِجماعِ ، إِنْ لَمْ تكُنْ خطأً ، لكنْ لا شَكَّ في أنَّها لا تكونُ صواباً مُطلَقاً فبَطَلَ ما ذكَرُوهُ ..."
ثُمَّ أتى على باقِي الإِيرادات (نحو عشر صفحات أيضاً ) إلى أَنْ قال رحمه الله :" ... قُلنا : لا نُسَـلِّمُ أَنَّ حُكْمَ المَجمُوعِ مُساوٍ لِحُكْمِ الآحادِ ، و المِثالُ الذي ذكرَهُ يَدُلُّ على أَنَّ ذلكَ قَد يكُونُ كذلِكَ ، وَ لا يَدُلُّ على أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يكونَ كذلك ..
سلَّمْنا أَنَّ حكم المجموعِ مُساوٍ لحُكمِ الآحادِ وَ لكِنْ عِندَنا يجُوزُ الخطَأُ على الكُلِّ أَيضاً ، لكِنْ ما كُلّ ما جازَ وُقُوعُهُ وَجبَ أَنْ يَقَعَ ، وَ اللّهُ تعالى لمّا أخبَرَ عنهُم أَنَّ ذلكَ لا يَقَعُ علِمنا أَنَّهُم لا يَتَّفِقُونَ على الخطَأِ ." ... إهــ . ثُمَّ أجابَ عن إِيرادٍ أخير ثُمَّ انتقلَ إلى تقرِير المُتَمَسَّكِ الثانِي لأهل السُنّةِ على حُجِّيّة الإِجماع ( قوله تعالى { وَ كذلك جعلناكُم أُمَّةً وَسطاً ... } الآية . ) ... وَ بدأ رضي اللهُ عنهُ يستدِلُّ وَ يُنافِحُ بنفس الترتيب السابق ، فلِلّهِ دَرُّهُ مِنْ حَبْرٍ جامِعٍ إِمامٍ ، جهبَذٍ فَذٍّ مِنْ قومٍ كِرام ...