الأصل هو توجيه أصحاب القضايا إلى القاضي .. هذا صحيح .
لكنّ حضرتك تجزِم بأنَّ هذه الجهة لا تُفتي إِلاّ بالشاذّ ، و العياذُ بالله ، فكيف يكونُ مَن يدُلُّ أو يُحيلُ السائل عليها ناجِياً من الإِثم فارّاً من حمل الوِزْر ؟.!؟.!؟.. هلاّ سكت أو نصح بقدر ما يعلم ...
ثُمَّ إِنَّ مسائل الدماء و الفروج و الأموال أمرُها شديد ...
لكنْ لمّا تيقّنّا فشوّ الجهل في أكثر العوامّ اليوم ، و بُعدَهُم عن العلماء ، بل و افتتان كثير منهم بالدجاجِلة الفتّانين عن الدين باسم الدين ، أرى أن نتلطَّف بهذا السائل المسكين ، فلعلَّ أصل العقد لمْ يَصِحّ (و لا يلزمُ من قولِنا هذا أن يُحكَمَ على الزوجين بارتكاب الفاحِشة المقتضِية للحدّ لأنَّ العقد محكومٌ بِصحّتِهِ في الظاهر) ، و هذا مِمّا يدقّ ، و قد يستعصي فهمُهُ حتّى على بعض المنتسبين إلى الإشتغال بالعلم الشرعِيّ ، و للأسف الشديد .. و قد رأيتُ ذلك في عدّة بٍلاد ، و اللهُ المُستعان .
مثلاً ، نحنُ نحكُمُ عموماً بصحّة العقد بشاهِدَين مستورَين ، لعموم اطّراد الحاجة و لدفع الحَرج أو لعموم البلوى ، أي لا يُعلَمُ منهما في الظاهِر ما يُبطِلُ العدالة .. و لكِن إذا وصل الأمرُ إلى الحاكِم (أو القاضي) فتعيَّن التيَقُّن من العدالة باطناً و لا يَحكُم بعد المرافعة إليه بمقتضى ما سبق من إمضاء صحّة العقد على الإكتفاء بِالعدالة الظاهرة ،(نصَّ عليه العلاّمة السيوطِيّ في الأشـباه و النظائر ، و هو معتمد ) .. و مع ذلك لا يُحكَمُ بالفاحشة على أيّ من الزوجين ، و لكن إِذا ثبت عند الحاكم ما يقتضي ردّ شهادة أحد الشاهدين أو مفسدٌ آخَر ، فيقضي بانفساخ العقد أو بطلانِهِ وَ لهُ أَنْ يعقِدَ عقداً جديداً إِذا طلب الزوجان أو أحدُهُما ذلك ...
وَ قد يطَّلِعُ الحاكِمُ على مفسِدٍ أو مُفسِـداتٍ أُخرى ، مُخِلّة بشروط الصِحّة غير ما يتعلّق بالشهود ، كأنْ تكون الزوجة يوم العقْد معتقدة أنَّ الله تعالى هو ضوء يملأ السموات و الأرض أو أنَّهُ على شكل شيخ كبير شايب الرأس و اللحية مهيب جِدّاً أو ساكن في السماء أو في جهة فوق أو في كُلّ مكان أو يحُلُّ في الأولياء أو أصحاب الوجوه الجميلة ، أو يقعد على العرش أو هو طائرٌ فوقَهُ أبداً ، أو أنَّ الملائكة بنات أو يشتغلون بالسحر أو اعتقدت في الأبراج تدبيراً أو تصرُّفاً في أمور العالَم ، أو كانت تقول يلعن أبو الرِجال و لم تتشهَّدْ بعدها إلى وقت العقد ، أو كانت تعتقِد أنَّ أبا البشر كان يُشبِهُ القُرود ، أو أنَّ اليهود و النصارى مؤمنون أو نحو ذلك ، (أو يكون في الزوج شيْءٌ من ذلك أيضاً أو عند ولِيّ المُسلِمة وقت العقد ) و كلّ ذلك قد رأيناهُ ... فيُعلِّمُهُم الحاكِمُ ما هو الحقّ و يتشهَّدُ من ثبت عليه قضيّة مكفرة بنيّة الخلاص من الكُفر بعد الرجوع عنه و اعتقاد الحق و التبرُّؤ مِمّا يُنافيه ، ثُمَّ يعقِدُ عقداً جديداً على وجه الصحّة إِنْ شـاء الله ...






رد مع اقتباس