الفصل الثالث: المكي والمدني
"إن التفرقة بين المكي و المدني تفرقة بين مرحلتين ساهمتا في تشكيل النص، على مستوى المضمون أو على مستوى التركيب و البناء"79.
1- معايير التمييز
اعتمد علماء المسلمين في التمييز بينهما على المعايار المكاني 80 دون اعتبار لأثر المكان و الزمان في النص، ولذلك فهو معيار ناقص، فالمعيار الصحيح يجب أن يكون مستندا على أثر تشكيل الواقع للنص.
مثلا لم يكن في مكة تشريعات، ولم يكن فيها صلاة و لا صوم و لا زكاة81، ولذلك كل آية تتناول هذه المواضيع يجب أن تكون مدنية.

2- معيار الأسلوب
كان الكهان وقد شاعوا في مكة يستخدمون السجع ليوهموا الناس بأن كلامهم ليس من كلام البشر، فلذلك جاء القرآن المكي يكثر فيه السجع (الفاصلة القرآنية)، و عندما انتقل المسلمون إلى بيئة المدنة و انعدمت الكهانة لم يستخدم القرآن السجع82.
حرصا من العلماء على إضفاء صفة القداسة على القرآن فقد "حرصوا على الفصل بين القرآن و النصوص الأخرى في الثقافة وصل إلى حد تأكيد القطيعة الكاملة بين النص والواقع...[ولو تخلوا عن هذا] لأمكنهم أن يفسروا الحروف المقطعة في أوائل السور تفسيرا يربطها بالسياق الثقافي للنص" ص92 فقد شاع عند الكهان استخدام كلمات غير مفهومة على طريق الزمزمة و النفث، ولذلك ورد مثله في القرآن.

3- منهج التلفيق
يوجد روايات تؤكد أن بعض الآيات نزلت مرتين، مرة في مكة و الثانية في المدينة، والاعتراف بهذا هذا يلغي نظرية (إنتاج الواقع للنص)، فالآية الواحدة لايمكن أن تدل نفس الدلالة في واقعين مختلفين، وحرصا من العلماء على تقديس الرواة83 فقد زعموا أن هذه الآيات لها نزولان، و هذا يدل على مدى سيطرة قوى التخلف على المجتمعات الإسلامية في القديم و الحديث84.
مثلا آية الروح: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) الإسراء: ٨٥، الآية مكية باتفاق ولكن البخاري يورد رواية أنها نزلت في المدينة أيضا، والزركشي يقول بأنها نزلت مرتين الأولى في مكة و الثانية في المدينة85.
وهذا باطل، لأن الواقع اختلف مابين مكة و المدينة فلا بد أن تختلف الآيات شكلا و مضمونا تبعا لاختلاف الفترتين.
وتؤكد الروايات أن قريشا طلبت من اليهود أن يواجهوا النبي بشيء فقالوا لهم سلوه عن الروح، فسألوا، و هذا يدل على أنها مكية 86 .
4- فرض تكرار النزول
لا يمكن أن يتكرر نزول آية مرتين، لأن ذلك يلغي نظرية (إنتاج النص) بإلغاء "جذوره الدلالية الناتجة عن علاقته بالواقع"87 ويقضي على مفهوم النص باعتبار أنه من إنتاج الثقافة و إخراجها.
مثلا: أصر العلماء على أن الفاتحة و لاإخلاص تكرر نزولهما في مكة و المدينة بناء على الروايات الكثيرة التي تدل على ذلك، وما دام هذا يتنافى مع نظرية (الإنتاج) فكل الروايات التي تدل على تكرار النزول تكون باطلة88.
الفاتحة جزء من الصلاة التي فرضت في مكة يعني أنها مكية، و الإخلاص لقصر آياتها و مضمونها هو التوحيد الذي لم يكن اليهود ينكرونه، فهي مكية89.
__________
79- ص 85
80- ص 86، بل هو معيار زماني حيث قالوا : المكي ما نزل قبل الهجرة، و المدني ما نزل بعدها.
81- سوف يأتي إبطال هذا الكلام، بل كان في مكة صلاة و زكاة، وكان فيها تحريم الكثير من الأمور كالظلم والزنى و نكاح المحارم ...إلخ، وكان فيها تنظيم شؤون المجتمع الإسلامي داخل مكة في إدراة موحدة تسمى دار الأرقم ابن أبي الأرقم، و سيأتي التفصل لاحقا.
82- ص والحقيقة أن السجع موجود في السور المدنية مثلما هو موجود في السور المكية أيضا، وليست كل السور المكية تحتوي على السجع ولا كل السور المدنية تخلو من السجع، فمن السور المدنية التي جاء فيها سجع متوال سورة
الإنسان، ومن المكية مما لم يكثر فيه السجع سورة الواقعة.
وما فائدة أن يستخدم القرآن السجع في مكة ولا يستخدمه في المدينة؟ يكون القرآن إذا مجرد مقلد لأنماط البشر في الأساليب.
83- ص العلماء و المفسرون لا يعتدون برأي المحدث كمحدث إلا إذا كان فقيها، وحتى الفقهاء من الصحابة و التابعين -ممن لهم العظمة و الجلالة في قلوب العلماء- فقد ترك العلماء الكثير من مذاهبهم لوجود أدلة أقوى من الأدلة التي اجتهدوا بها، كتركهم لمذهب الأوزاعي وهو مذهب كان شائعا أكثر من المذهب الشافعي.
84- ص 92-93.
85- ص 93-94، وهذه مغالطة، لأن نظرية الإنتاج لم يثبتها بدليل أصلا سوى زعمه بأنها بديهية، فكيف يجعلها دليلا؟
86- ص بما أنك تأخذ بالروايات فإما ان تاخذ بها كلها و إما ان تتركها كلها، أما أن تختار ما يتناسب مع ماتحب وتهوى فهذا يسمى تشه و هوى، وهو أبعد شيء عن العلم.
ألا تؤكد الروايات الأخرى كرواية البخاري أن اليهود سألوه عنها أيضا؟
بل إن نظرية الإنتاج الصناعي للقرآن تحتم أن تنزل هذه الآية في المدينة لا في مكة، لأن النبي في المدينة كان أكثر اتصالا مع أهل الكاتب من اتصال قريش بهم.
87- ص 99، المعنى: أن دلالة النص مشروطة بالواقع الذي نزلت فيه، فإذا فقد الواقع فقدت دلالته، فلا يمكن إذا فقد الواقع أن يأتي واقع ثان وتدل الآية فيه بنفس دلالتها في الواقع الأول، وبالتالي لا يمكن أن تنزل الآية نفسها مرتين على واقعين مختلفين! فالله مجبر عند تغير الواقع أن يغير كلامه تبعا للواقع، هذا على أحسن المحامل وهو اعتبار أن الله هو الذي شكل القرآن لا الواقع، أما على اعتبار أن الواقع هو الذي شكل النص بمعزل عن الله فلا يكون الله مجبرا لأنه لا علاقة له به عندئذ.
88- و الواقع -الذي ينادي المؤلف باعتباره- يؤكد أن كل سور القرآن نزلت مرة ثانية على الأقل لمصلحة اقتضت ذلك وهي جمع القرآن على نحو يصير به كتابا كما كان في اللوح المحفوظ، وهذا ما تؤكده الروايات المتواترة.[انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر لمحمد جعفر الكتاني، ح196]
89- كونهما مكيتان لا يعني أنهما لم تنزلا مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر، نعم العلماء متفقون على أنهما مكيتان، ولكنهم يقولون بأنه نزلت مرة ثانية في المدينة لأسباب اقتضت نزولها مرة ثانية.
ثم إن اليهود لم يكونوا موحدين لزعمهم بأن الله يشبه المخلوقات، و أنهم أعلى درجة منه بقولهم (إن الله فقير ونحن أغنياء)..إلخ، فهل هذا من التوحيد عند المؤلف؟
*وكذلك في تخصصها بنفي أن يكون الله مولودا (لم يلد ولم يولد) أقوى دلالة على أنها نزلت في المدينة أيضا، فأهل قريش لم يقولوا أبدا أن الله مولود أو أب، ويستحيل أن يحاججهم القرآ على معتقد لم يقولوا به، الذين قالوا هذا هم اليهود و النصارى الذين كثر اتصال المسلمين بهم في المدينة، فكان من الطبيعي أن يرد القرآن على معتقداتهم، فعلى نظرية (الإنتاج) يجب أن يذهب المؤلف إلى أنها مدنية لا مكية.