الفصل الرابع: أسباب النزول
تعتبر أسباب النزول من أهم العلوم الكاشفة عن علاقة النص بالواقع و جدله معه.
إن الحقائق «الإمبريقية» 99 المعطاة عن النص تؤكد أنه نزل منجما على بضع وعشرين سنة، وتؤكد أيضا ان كل آية أو مجموعة من الآيات نزلت عند سبب خاص «استوجب» إنزالها، و أن الآيات التي نزلت ابتداء -أي دون علة خارجية- قليلة جدا100.
"وقد أدرك العلماء أن قدرة المفسر على فهم دلالة النص لا بد أن تسبقها معرفة بالوقائع التي أنتجت هذه النصوص"101.
1- علة التنجيم
الثقافة السائدة كانت شفاهية يستحيل عليها استيعاب نصوص بهذا الطول، ألم يكن -من وجهة نظر الفكر الرجعي التبريري- أن ينزل القرآن مرة واحدة؟ 102.
"إن الواقع هنا يستجيب لواقع ثقافي له شروطه الموضوعية الخاصة"103.
2- كيفية التنجيم
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) البقرة: ١٨٥
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) القدر: ١
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) الدخان: ٣
فهم العلماء بهذه الآيات على أن القرآن كان له نزول كامل قبل نزوله إلى الواقع البشري، لأن هذه الآيات تدل على انه نزل في ليلة واحدة.
وهذا «الانحراف» في الفهم يؤدي إلى فصل النص عن الواقع، ولذلك فهو باطل.
"والحقيقة أنه لم يكن ثمة نزول مجمل للنص من مكان آخر وراء عالم الأرض" ص115
لماذا؟
لأن "هذا التصور لا تعارضه الآية محور النقاش فقط، بل يعارضه النسخ...وصيغة الماضي الواردة في الآية"104.
فإذا كان القرآن قد نزل إلى اللوح المحفوظ في تلك الليلة قبل نزوله إلى واقع البشر فإن صيغة الماضي في قوله (إنا أنزلناه في ليلة القدر)تتعارض في وجودها في النص قبل نزوله، و إذا قلنا إنها أضيفت إلى النص بعد نزوله فإن ذلك يهدم أزلية النص105.
فالحقيقة أن القرآن نزل مستجيبا للوقائع و الأسباب.
3- الدلالة بين عموم اللفظ وخصوص السبب
يعلمنا منهج هذه الدراسة أن السعي لاكتشاف دلالة النص يجب أن لا106 يفصل بين النص وبين الوقائع التي يعبر عنها، بحيث تكون دلالته منحصرة في تلك الوقائع.
فمثلا آيات التدرج في تحريم الخمر، لم تنزل إلا لعلاج حالة الإدمان الاجتماعية، وهذا يؤكد جدلية النص مع الواقع و الثقافة.
تحتوي النصوص الممتازة -دون النصوص ذات المستوى الأدنى- على دوال على الوقائع الجزئية و دوال "ذات طبيعة عامة، وهي الدوال التي تمكن العصور المختلفة من قراءة النصوص واكتشاف دلالات مغايرة فيها"107.
فمثلا نصوص شكسبير تحتوي على أساطير تدل على معتقدات العصر، تسقط هذه الدوال الجزئية عادة في القراءات المعاصرة لحساب الدلالت العامة.
ولذلك لا يجوز الاقتصار في فهم القرآن على الدلالات الجزئية، لأن ذلك يؤدي إلى خلق تعارضات داخل النص لا يمكن حلها108.
ولا يجوز أن تبقى أسباب النزول دالة على مثل مادلت عليه عند نزولها، بل "يجب اكتشاف دلالات مغايرة فيها"109.
إن دلالة النصوص ليست إلا محصلة لعملية التفاعل في عملية تشكيل النصوص وصنعها من جانبي اللغة والواقع.
إن أسباب النزول ليست سوى السياق الاجتماعي للنصوص 110، وبما أن السياق الاجتماعي متغير فلا يصح إخضاع الواقع لأحكام و تشريعات جامدة لا تتحرك ولا تطور111.
ليس ثمة إذا تعدد للنصوص حول واقعة واحدة، لأن ذلك يؤدي إلى فصل النص عن الواقع112.

الفصل الخامس: الناسخ والمنسوخ
لا يمكن التوفيق بين النسخ و بين الوجود الأزلي للنص في اللوح المحفوظ113.
تحديد الناسخ والمنسوخ يعتمد على تحديد دقيق لأسباب النزول، وقد جعل العلماء كل اختلاف بين النصوص من النسخ114.
قإذا كان النص في مفهومه الأساسي من حيث كونه وحيا انطلق من حدود مفاهيم الواقع فلا شك انه في تطوره كان لا بد أن يراعي هذا الواقع، ولا يصح أن يكون هذا الفهم محجوبا بتصوره أن الله لا يجوز عليه التغير، فالتغير صفة ثابتة في الواقع لا زمة له من حيث هو حركة مستمرة سيالة دافعة، ومادام النص متوجهاإلى الواقع فلا بد أن يراعي شروط الواقع"
"لا يصح إخضاع الواقع لأحكام و تشريعات جامدة لا تتحرك ولا تطور"115 لأن الواقع متغير، وهذا التغير يتطلب تغييرا في الأحكام.
إن بقاء النصوص المنسوخة إلى جانب النصوص الناسخة يعد أمرا ضروريا ، وذلك لأن حكم المنسوخ يمكن أن يفرضه الواقع مرة أخرى 116.
فيجب في الناسخ و المنسوخ العمل بكل واد منهما في أي وقت حسب الحاجة والظروف التي يفرضها الواقع.
و إذا كان «المنسأ» يعني العمل بآية بدلا عن الأخرى بسبب مانع شرعي فإذا زال المانع رجع لكل منهما حكمه الخاص فإن هذا "يجعل الناسخ والمنسوخ كله من باب المنسأ"117، "ويكون معنى التبديل في الآيات التي ناقشناها قبل ذلك تبديل الأحكام تبديل الأحكام لا تغيير النصوص" ص138.
إن النسخ من وجهة نظر القدما يمثل وثبا على الواقع، لأنه فرض للتشريعات خاصة بواقع الجيل الأول على واقع مختلف.
و الذي لا شك فيه أيضا أن فهم قضية النسخ عند القدماء لا يؤدي فقط إلى معارضة تصورهم الأسطوري للوجود الخطي للنص، بل يؤدي أيضا إلى القضاء على مفهوم النص ذاته118.
__________
99- أي المستفادة من التجربة الحسية.
100- لاحظ يقول «الحقائق الإمبريقة»! فهل هذا صحيح؟
إن الحقائق الإمبريقة تكذب هذه الدعوى العريضة، و تؤكد أن الآيات التي ورد فيها سبب نزول -صحيح وضعيف وموضوع دون تمييز- وعددها في أكثر الأحوال 888 آية لا تمثل أكثر من 14% من مجموع آيات القرآن البالغ عددها 6236 آية.
101- ص 109، و ليت شعري أي واحد من علماء المسلمين قال بأن: " الوقائع أنتجت هذه النصوص" ؟؟
102- الرجعي المتخلف هو الذي يرجع في سؤاله إلى حضيض الجاهلية الجهلاء ويبحث عن أسئلة بليت منذ مئات السنين ثم يطرحها في القرن الحادي والعشرين، وكأنه لم يجد في القرىن إجابة عنها، أو وكأن إجابة القرآن عنها بالنسبة كانت خاطئة بالنسبة إليه تستحق الإضراب عنها، فالمؤلف يعيد طرح نفس الأسئلة التي طرحها أسلافه الجاهليون عن القرآن، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) الفرقان: ٣٢.
يقصد «بالتبريري» الذي يبرر حدوث الأشياء بقدر الله وقضائه، وهذا الإيمان يعتبر عنده رجعيا! فتأمل..
وفي الرد على سؤاله الرجعي أقول: شاء الله أن ينزل منجما للحكم التالية:
أ- فيه إظهار للإعجاز من وجهين:الأول:مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وثانيا: تكرار التحدي مع كل مرة ينزل فيها أوقع في نفي أن يكون القرآن من «إنتاج الواقع» وأبلغ من ان يتحداهم به مرة واحدة.
ب- حتى تعرف مقاصد التشريع الكلية و الجزئية، ولو نزل مرة واحدة لما عرفت مقاصد الشريعة.
ج- فيه الناسخ والمنسوخ، فلا يتأتى نزوله مرة واحدة.
د- فيه مايحتاج إلى البيان عند نزوله، و البيان عند نزوله مرة واحدة مستحيل، فيكون بذلك قد تأخر البيان مع الحاجة إليه بما يناقض وظيفة الوحي و النبوة.
103- ص 111. يصرح هنا بأن مكونات الواقع شروط في تشكيل النص. فتأمل ما قلناه سابقا.
104- ص 115، كيف تعارضه الآية؟ وكيف يعارضه النسخ؟
105- ص 114
هذا جهل بكلام العلماء، فإن العلماء يفرقون بين الكلام الأزلي القائم في ذات الله تعالى و الكلام الحادث المكتوب في اللوح أو في المصاحف أو المنطوق بألسنتنا.
فإن الكلام الأزلي كصفة العلم و الإرادة وغيرها لا يمكن أن يحدث لأن الله تعالى ليس محلا للحوادث و إلا كان محتاجا إلى الفاعل فيكون مخلوقا، وهو محال.
إن لكلام الله الأزلي القائم به تعلق بالأشياء تعلق دلالة، فإذا وجد المخبَر عنه وجدت الدلالة عليه على شكل الألفاظ، فالكلام الأزلي لا يوصف بكونه خبرا ولا أمرا إلا عند وجود المخبر عنه أو المأمور.
وهذا معنى صيغة الماضي، فلما أنزله صار الخبر خبرا عن شيء ماض، وهذا لا يتعارض مع صيغة الماضي، فأنت إذا أردت أن تخبر عن شيء لم تفعله بعد ثم فعلته و أخبرت عنه بالخبر الذي كان في نفسك لم يكن في كلامك النفسي قبل فعله كذب مع أنك متكلم حقيقة بأنك فعلته قبل التلفظ. وكذلك نزل القرآن إلى اللوح المحفوظ و فيه الإخبار عن أنه نزل في تلك الليلة.
ثم إن وصف الله تعالى القرآن بأنه: «نزل كتابا» يقضي على دعوى إنتاج النص، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) النساء: ١٠٥، وقال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) آل عمران: ٣، و قال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) المائدة: ٤٨، وقال: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) القصص86،وغيرها الكثير، فليس لمعنى نزوله كتابا وقد نزل صوتا إلا أنه كان مكتوبا قبل أن ينزل.
106- يكثر المؤلف من قوله: "لا يجب أن"، وهذا غلط لغوي في مثل هذا السياق.
107- ص 122، القراءة تعني التفسير أو التأويل أو الفهم أو التحليل بمعنى واحد.
108- ص 120
109- ص 122-124
110- ص 126
111- ص 135
112- ص 130، الكثير من الآيات نزلت مرات كثيرة في وقائع متعددة ومختلفة، مثل قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) آل عمران: ١٩٥، انظر الدر المنثور للسيوطي في تفسيرها.
بل لقد نزلت معظم آيات القرآن (90% على الأقل) بلا سبب يقتضي نزولها.
113- ص 131، ههنا قضيتان:
الأولى: أن النص يتعارض مع أزلية القرآن
الثانية: الدعوى على علمائنا بأنهم قائلون بأزلية ما في اللوح المحفوظ
الجواب عن الأولى: لا تعارض، فإن الكلام الأزلي لا يتعلق به النسخ أصلا لأنه صفة لله كصفة العلم لا تتبدل و لا تتغير، و لكن الذي ينسخ هو العبارات و الألفاظ الدالة على المعنى القديم.
والجواب عن الثانية: يستحيل أن يخرج هذا الكلام ممن يدعي الاجتهاد المطلق وهو يجهل أضخم مسألة في تاريخ الإسلام، فإن العلماء قالوا بعكسها، وهذا السلوك من المؤلف يعتمد على تشويه العلماء ثم تحقيرهم ورد ما قالوه مع أنهم لا يقولن إلا بما قال الله به، فهو يريد أن يرد كلام الله ولكن كيف؟ بتصوير أن ذلك القول قول العلماء و ليس قول الله.
قال اللقاني في هداية المريد: "وفي شرح المقاصد..المرضي عندنا أن له اختصاص آخر بالله تعالى، وهو أنه اخترعه بأن أوجد أولا الأشكال في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) البروج، أو الأصوات في لسان الملك.."اهـ،1/515-516 ، وقد بين الفخر الرازي أن ما في اللوح من رقوم وألفاظ مخلوق في كتاب الإشارة، وكذلك عندما عدد ابن حجر العسقلاني في الفتح المخلوقات العلوية ذكر منها -كما هو مستفاد من الأحاديث- اللوح المحفوظ.
114- ولكن العلماء جمعوا من المنسوخ ما لا يتعدى 300 آية فقط، لم يترجح عندهم في النسخ على أكثر تقدير إلا ما لا يزيد على 30 آية فقط في أكثر الأحوال. انظر بحث (المنسوخ من آيات القرآن الكريم) للدكتور عبد الرحمن الشهري.
115- ص 135
116- ص 137، فالخمر على سبيل المثال كراهتها منسوخة بحرمتها، فلو فرض الواقع على المؤلف أن يشرب الخمر فهذا يجوز عنده بنص الكتاب لأنه يوجد فيه نص الإباحة.
117- ص 138، فإذا زال المانع عن حرمة الخمر جاز له ان يشربه عودا على حكم الآية المبيحة له.
118- ص 152، وقد سبق أن نبهنا على أن علماءنا لم يقولوا بأزلية النص الموجود في اللوح المحفوظ، بل يقولون بأن الله خلقه في اللوح، أما الكلام القديم فلا تغير فيه و لا حدوث.
ودقق في وصفه للوح المحفوظ بأنه أسطورة تجد حقيقة الاجتهاد المناقض لقواعد القرآن.