الجوهرة السابعة

{ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }
قال السمين الحلبي فى الدر المصون
قوله تعالى: { مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ }: في " مِنْ " قولان: أحدهُما: أنها للتبعيضِ فتكونُ هي ومجرورُها في محلِّ نصبٍ على الحال ويتعلَّقُ بمحذوف أي: ما يَوَدُّ الذين كفروا كائنين من أهلِ الكتابِ. الثاني: أنها لبيانِ الجنسِ وبه قالَ الزمخشري...

قولُه: { مِّنْ خَيْرٍ } / هذا هو القائمُ مَقَامَ الفاعلِ، و " مِنْ " زائدةٌ، أي: أَنْ يُنَزَّل خيرٌ من ربكم. وحَسُنَ زيادتُها هنا وإنْ كان " يُنَزَّل " لم يباشِرْه حرفُ النفي لانسحابِ النفي عليه من حيث المعنى لأنه إذا نُفِيَتِ الوَدادَةُ انتفى مُتَعَلَّقُها.

وهذا له نظائرُ في كلامِهم نحو: " ما أظنُّ أحداً يقولُ ذلك إلا زيدٌ " برفع " زيدٌ " بدلاً من فاعِل " يقول " وإنْ لم يباشر النفيَ، لكنه في قوةِ: " ما يقولُ أحدٌ ذلك إلا زيدٌ في ظني " وقولِه تعالى:
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ }
[الأحقاف: 33] زيدت الباءُ لأنه في معنى: أَوَلَيس اللهُ بقادرٍ، وهذا على رأي سيبويه وأتباعِه. وأمَّا الكوفيون والأخفش فلا يَحْتاجون إلى شَيءٍ من هذا. وقيل: " مِنْ " للتبعيض أي: ما يَوَدُّون أَنْ يُنَزَّلُ من الخيرِ قليلٌ ولا كثيرٌ، فعلى هذا يكونُ القائمُ مقامَ الفاعل: " عليكم " والمعنى: أَنْ يُنَزَّل عليكم بخير من الخُيور.

قوله: { مِّن رَّبِّكُمْ } في " مِنْ " أيضاً قولان، أحدُهما: أنَّها لابتداءِ الغايةِ فتتعلَّقُ بِيُنَزَّل. والثاني: أنها للتبعيضِ، ولا بُدَّ حينئذٍ مِنْ حَذْفِ مضاف تقديرُه: مِنْ خُيورِ ربِّكم، وتتعلَّقُ حينئذٍ بمحذوفٍ، لأنَّها ومجرورَها صفةً لقولِه: " مِنْ خيرٍ " أي: مِنْ خيرٍ كائن من خيورِ ربِّكم، ويكونُ في محلِّها وجهان: الجرُّ على اللفظِ، والرفعُ على الموضعِ لأنَّ " مِنْ " زائدةٌ في " خير " فهو مرفوعٌ تقديراً لقيامهِ مَقامَ الفاعل كما تقدَّم.

وتلخَّصَ ممَّا تقدم أنَّ في كلِّ واحدةٍ من لفظِ " مِنْ " قولين، الأولى: قيل إنها للتبعيض، وقيل: لبيان الجنس، وفي الثانيةِ قولان: زائدةٌ أو للتبعيضِ، وفي الثالثة أيضاً قولان ابتداءُ الغايةِ أو التبعيضُ.

وقال ابن عطية فى المحرر الوجيز فى من الثانية:
و { من } زائدة في قول بعضهم، ولما كان ود نزول الخير منتفياً، قام ذلك مقام الجحد الذي يلزم أن يتقدم { من } الزائدة على قول سيبويه والخليل، وأما الأخفش فيجيز زيادتها في الواجب، وقال قوم: { من } للتبعيض؛ لأنهم يريدون أن لا ينزل على المؤمنين من الخير قليل ولا كثير، ولو زال معنى التبعيض لساغ لقائل أن يقول: نريد أن لا ينزل خير كامل ولا نكره أن ينزل بعض، فإذا نفي ود نزول البعض فذلك أحرى في نزول خير كامل