الجوهرة الثانية عشر
{ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }
قال السمين الحلبي فى الدر المصون
قوله: { مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ }: مِنْ الأولى معناها ابتداءُ الغايةِ أي: أَنْزَلَ من جهةِ السماءِ، وأمّا الثانيةُ فتحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ،
أحدَها: أَنْ تكونَ لبيانِ الجنس فإنّ المُنَزَّلَ من السماء ماءٌ وغيرُه. والثاني: أن تكونَ للتبعيضِ فإنّ المنزَّل منه بعضٌ لا كلٌّ. والثالثُ: أن تكونَ هي وما بعدها بدلاً مِنْ قولِه: " من السماء " بدلَ اشتمال بتكريرِ العاملِ، وكلاهما أعني - مِنْ الأولى ومِنْ الثانية - متعلقان بأَنْزَلَ.
فإنْ قيل: كيف تَعَلَّق حرفان متَّحدان بعاملٍ واحد؟ فالجوابُ أنَّ الممنوعَ من ذلك أن يتَّحِدا معنىً من غير عطفٍ ولا بدلٍ، لا تقول: أخذت من الدراهم من الدنانير. وأمَّا الآيةُ فإن المحذورَ فيها مُنْتَفٍ، وذلك أنك إنْ جَعَلْتَ " مِنْ " الثانية " للبيانِ أو للتبعيض فظاهرٌ لاختلافِ معناهما فإن الأولى للابتداءِ، وإنْ جعلتها لابتداءِ الغايةِ فهي وما بعدها بدلٌ، والبدلُ يجوزُ ذلك [فيه] كما تقدَّم. ويجوز أَنْ تتعلَّقَ " مِنْ " الأولى بمحذوفٍ على أنها حال: إمّا من الموصولِ نفسِه وهو " ما " أو من ضميره المنصوبِ بأنزل أي: وما أنزله الله حالَ كونِه كائناً من السماء...
قوله: { مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } يجوز في " كل " ثلاثةُ أوجهٍ؛
أحدها: أن يكونَ في موضعِ المفعولِ به لبثَّ؛ وتكونُ " مِنْ " تبعيضيةً.
الثاني: أن تكون " مِنْ " زائدةً على مذهب الأخفش، و " كلَّ دابة " مفعول به.لـ " بَثَّ " أيضاً
والثالث: أن يكونَ في محلِّ نصب على الحالِ من مفعولِ " بَثَّ " المحذوفِ إذا قلنا إنَّ ثَمَّ موصولاً محذوفاً تقديرُه: وما بثُّ حالَ كونِه كائناً من كلِّ دابة؛ وفي " مِنْ " حينئذ وجهان؛ أحدهما: أن تكونَ للبيان. والثاني: أن تكونَ للتبعيض.
وقال أبو البقاء: " ومفعولُ " بَثَّ " محذوفٌ " تقديرُه: وبثَّ فيها دوابَّ كلَّ دابِةٍ " ، وظاهرُ هذا أنَّ { مِن كُلِّ دَآبَّةٍ } صفةٌ لذلك المحذوفِ وهو تقديرٌ لا طائلَ تحته




رد مع اقتباس