{ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ }* { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }

قال الرازى فى تفسيره
بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه كما بين من قبل ما يكون للكافرين بقوله:
{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ }
[العنكبوت: 54] فبين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما أن للكافرين النيران، وبين أن فيها غرفاً تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما بين أن تحت الكافرين النار، وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله تعالى: { نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } في مقابلة ما بين أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله:
{ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }
[العنبكوت: 55] ثم في الآيتين اختلافات فيها لطائف منها أنه تعالى ذكر في العذاب أن فوقهم عذاباً أي ناراً، ولم يذكر ههنا فوقهم شيئاً، وإنما ذكر ما فوق من غير إضافة وهو الغرف، وذلك لأن المذكور في الموضعين العقاب والثواب الجسمانيان، لكن الكافر في الدرك الأسفل من النار، فيكون فوقه طبقات من النار، فأما المؤمنون فيكونون في أعلى عليين، فلم يذكر فوقهم شيئاً إشارة إلى علو مرتبتهم وارتفاع منزلتهم.

وأما قوله تعالى:
{ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ }
[الزمر: 20] لا ينافي لأن الغرف فوق الغرف لا فوقهم والنار فوق النار وهي فوقهم، ومنها أن هناك ذكر من تحت أرجلهم النار، وههنا ذكر من تحت غرفهم الماء،

وقال البقاعى فى تفسيره

ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة، فقال معرفاً بجماع الخير كله الصبر وكونه على جهة التفويض لله، منبهاً على أن الإنسان لا ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه: { الذين صبروا } أي أوجدوا هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم، فأوقعوها على كل شاق من التكاليف من هجرة وغيرها.

ولما كان الإنسان إلى المحسن إليه أميل، قال مرغباً في الاستراحة بالتفويض إليه: { وعلى ربهم } أي وحده لا على أهل ولا وطن { يتوكلون* } أي يوجدون التوكل إيجاداً مستمر التجديد عند كل مهم يعرض لهم إرزاقهم بعد الهجرة وغيرها وجهاد أعدائهم وغير ذلك من أمورهم.

{ وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }

قال ابن عاشور فى التحرير
عطف على جملة
{ كل نفس ذائقة الموت }
[العنكبوت: 57] فإن الله لما هوَّن بها أمر الموت في مرضاة الله وكانوا ممن لا يعبأ بالموت علم أنهم يقولون في أنفسهم: إنّا لا نخاف الموت ولكنا نخاف الفقر والضيعة. واستخفاف العرب بالموت سجية فيهم كما أن خشية المعرّة من سجاياهم كما بيناه عند قوله تعالى:
{ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق }
[الإسراء: 31] فأعقب ذلك بأن ذكَّرهم بأن رزقهم على الله وأنه لا يضيعهم. وضرب لهم المثل برزق الدواب، وللمناسبة في قوله تعالى:
{ إن أرضي واسعة }
[العنكبوت: 56] من توقع الذين يهاجرون من مكة أن لا يجدوا رزقاً في البلاد التي يهاجرون إليها، وهو أيضاً مناسب لوقوعه عقب ذكر التوكل في قوله:
{ وعلى رَبِّهِم يَتَوكلون }
[العنكبوت: 59]، وفي الحديث: " لو توكلتم على الله حق توكُّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خِماصاً وتروح بِطَاناً " ولعل ما في هذه الآية وما في الحديث مقصود به المؤمنون الأولون، ضمِن الله لهم رزقهم لتوكلهم عليه في تركهم أموالهم بمكة للهجرة إلى الله ورسوله. وتوكلهم هو حق التوكل، أي أكمله وأحزمه فلا يضع نفسه في هذه المرتبة من لم يعمل عملهم.

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }

قال ابن عاشور فى التحرير
هذا الكلام عائد إلى قوله
{ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون }
[العنكبوت: 52] تعجيباً من نقائض كفرهم، أي هم كفروا بالله وإن سألهم سائل عمن خلق السماوات والأرض يعترفوا بأن الله هو خالق ذلك ولا يثبتون لأصنامهم شيئاً من الخلق فكيف يلتقي هذا مع ادعائهم الإِلهية لأصنامهم. ولذلك قال الله { فأنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن توحيد الله وعن إبطال إشراكهم به مالا يخلق شيئاً.

{ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

قال الالوسي فى تفسيره

{ ٱللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء } أن يبسطه له لا غيره { مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } أي يضيق عليه، والضمير / عائد على { مَن يَشَآء } الذي يبسط له الرزق أي عائد عليه مع ملاحظة متعلقه فيكون المعنى أنه تعالى شأنه يوسع على شخص واحد رزقه تارة ويضيقه عليه أخرى، والواو لمطلق الجمع فقد يتقدم التضييق على التوسيع أو عائد على { مَن يَشَآء } بقطع النظر عن متعلقه فالمراد من يشاء آخر غير المذكور فهو نظير عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر، وهذا قريب من الاستخدام، فالمعنى أنه تعالى شأنه يوسع على بعض الناس ويضيق على بعض آخر، وقرأ علقمة { وَيَقْدِرُ } بضم الياء وفتح القاف وشد الدال { أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } فيعلم أن كلاً من البسط والقدر في أي وقت يوافق الحكمة والمصلحة فيفعل كلاً منهما في وقته أو فيعلم من يليق ببسط الرزق فيبسطه له ومن يليق بقدره له فيقدر له، وهذه الآية أعني قوله تعالى: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ } الخ تكميل لمعنى قوله سبحانه:
{ ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ }
[العنكبوت: 60] لأن الأول كلام في المرزوق وعمومه وهذا كلام في الرزق وبسطه وقتره، وقوله سبحانه:
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ }
[العنكبوت: 61] الخ معترض لتوكيد معنى الآيتين وتعريض بأن الذين اعتمدتم عليهم في الرزق مقرون قدرتنا وبقوتنا كقوله تعالى:
{ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ }
[الذاريات: 58] قاله العلامة الطيبـي. وقال صاحب «الكشف» قدس سره: اعترض ليفيد أن الخالق هو الرزاق وأن من أفاض ابتداء وأوجد أولى أن يقدر على الإبقاء وأكد به ما ضمن في قوله عز وجل:
{ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }
[العنكبوت: 59].

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }

قال ابن عاشور فى التحرير

أعيد أسلوب السؤال والجواب ليتصل ربط الأدلة بعضها ببعض على قرب. فقد كان المشركون لا يدَّعُون أن الأصنام تُنزل المطر كما صرحت به الآية فقامت الحجة عليهم ولم ينكروها وهي تقرع أسماعهم.

{ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }

قال الرازى فى تفسيره

لما بين أنهم يعترفون بكون الله هو الخالق وكونه هو الرزاق وهم يتركون عبادته ولا يتركونها إلا لزينة الحياة الدنيا بين أن ما يميلون إليه ليس بشيء بقوله: { وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ }

قال الله تعالى في سورة الأنعام:
{ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا }
[الأنعام:32] ولم يقل وما هذه الحياة وقال ههنا: { وَمَا هَـٰذِهِ } فنقول لأن المذكور من قبل ههنا أمر الدنيا، حيث قال تعالى:
{ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا }
[البقرة: 164] فقال هذه والمذكور قبلها هناك الآخرة حيث قال:
{ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ }
[الأنعام: 31] فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في خاطرهم فقال: { وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا }.

المسألة الثالثة: قال هناك: { إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } وقال ههنا: { إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ } فنقول لما كان المذكور هناك من قبل الآخرة وإظهارهم للحسرة، ففي ذلك الوقت يبعد الاستغراق في الدنيا بل نفس الاشتغال بها فأخر الأبعد، وأما ههنا لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى الإقبال عليها والاستغراق فيها، اللهم إلا لمانع يمنعه من الاستغراق فيشتغل بها من غير استغراق فيها، ولعاصم يعصمه فلا يشتغل بها أصلاً، فكان ههنا الاستغراق أقرب من عدمه فقدم اللهو.

{ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } * {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ }

قال ابن عاشور فى التحرير

أفادت الفاء تفريع ما بعدها على ما قبلها، والمفرع عليه محذوف ليس هو واحد من الأخبار المتقدمة بخصوصه ولكنه مجموع ما تدل عليه قوة الحديث عنهم وما تقتضيه الفاء. والتقدير: هم أي المشركون على ما وُصفوا به من الغفلة عن دلائل الوحداينة وإلغائهم ما في أحوالهم من دلائل الاعتراف لله بها لا يضرعون إلا إلى الله فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله، فضمائر جمع الغائبين عَائدة إلى المشركين.

وهذا انتقال إلى إلزامهم بما يقتضيه دعاؤهم حين لا يشركون فيه إلهاً آخر مع الله بعد إلزامهم بموجبات اعترافاتهم فإنهم يدعون أصنامهم في شؤون من أحوالهم ويستنصرونهم ولكنهم إذا أصابهم هول توجهوا بتضرعهم إلى الله.

وإنما خصّ بالذكر حال خوفهم من هول البحر في هذه الآية وفي آيات كثيرة مثل ما في سورة يونس وما في سورة الإسراء لأن أسفارهم في البر كانوا لا يعتريهم فيها خوفٌ يعم جميع السفر لأنهم كانوا يسافرون قوافلَ، معهم سلاحهم، ويمرون بسبل يألفونها فلا يعترضهم خوف عام، فأما سفرهم في البحر فإنهم يَفْرَقون من هوْله ولا يدفعه عنهم وفرة عدد ولا قوة عُدد، فهم يضرعون إلى الله بطلب النجاة ولعلهم لا يدعون أصنامهم حينئذ فأما تسخير المخلوقات فما كانوا يطمعون به إلا من الله تعالى، وأيضاً كان يخامرهم الخوف عند ركوبهم في البحر لقلة إلفهم بركوبه إذ كان معظم أسفارهم في البراري.

واللام في { لِيَكْفُرُوا } لام التعليل وهي لام كي وهي متعلقة بفعل { يشْرِكُون }. والكفر هنا ليس هو الشرك ولكنه كفران النعمة بقرينة قوله { بما آتَيْنَاهُم } فإِن الإِيتاء بمعنى الإنعام وبقرينة تفريعه على { يشْرِكُون } فالعلة مغايرة للمعلول وكفران النعمة مسبب عن الإشراك لأنهم لما بادروا إلى شؤون الإشراك فقد أخذوا يكفرون النعمة، فاللام استعارة تبعية، شبه المسبَّب بالعلة الباعثة فاستعير له حرف التعليل عوضاً عن فاء التفريع.

وأما اللام في قوله { ولِيَتَمَتَّعُوا } بكسر اللام على أنها لام التعليل في قراءة ورش عن نافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ويعقوب. وقرأه قالون عن نافع وابنُ كثير، وحمزة والكسائي وخلف بسكونها فهي لام أمر،

وقال القرطبي فى تفسيره:

قوله تعالى: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ } قيل: هما لام كي أي لكي يكفروا ولكي يتمتعوا. وقيل: { إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ليكون ثمرة شركهم أن يجحدوا نعم الله ويتمتعوا بالدنيا. وقيل: هما لام أمر معناه التهديد والوعيد. أي اكفروا بما أعطيناكم من النعمة والنجاة من البحر وتمتعوا. ودليل هذا قراءة أُبيّ «وَتَمَتَّعُوا». ابن الأنباري: ويقوي هذا قراءة الأعمش ونافع وحمزة: { وَلْيَتَمَتَّعُوا } بجزم اللام. النحاس: { وَلِيَتَمَتَّعُوا } لام كي، ويجوز أن تكون لام أمر؛ لأن أصل لام الأمر الكسر، إلا أنه أمر فيه معنى التهديد. ومن قرأ: { وَلْيَتَمَتَّعُوا } بإسكان اللام لم يجعلها لام كي؛ لأن لام كي لا يجوز إسكانها. وهي قراءة ابن كثير والمسيّبي وقالون عن نافع، وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. الباقون بكسر اللام. وقرأ أبو العالية: { لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } تهديد ووعيد.

{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ }

قال الرازى فى تفسيره

التفسير ظاهر، وإنما الدقيق وجه تعلق الآية بما قبلها، فنقول الإنسان في البحر يكون على أخوف ما يكون وفي بيته يكون على آمن ما يكون لا سيما إذا كان بيته في بلد حصين فلما ذكر الله المشركين حالهم عند الخوف الشديد ورأوا أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله تعالى ذكرهم حالهم عند الأمن العظيم وهي كونهم في مكة فإنها مدينتهم وبلدهم وفيها سكناهم ومولدهم، وهي حصين بحصن الله حيث كل من حولها يمتنع من قتال من حصل فيها، والحصول فيها يدفع الشرور عن النفوس ويكفها يعني أنكم في أخوف ما كنتم دعوتم الله وفي آمن ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض لأن دعاءكم في ذلك الوقت على سبيل الإخلاص ما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير فهذه النعمة العظيمة التي حصلت وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله كيف تكفرون بها؟ والأصنام التي قطعتم في حال الخوف أن لا أمن منها كيف آمنتم بها في حال الأمن؟.

وقال ابن عاشور فى التحرير:

هذا تذكير خاص لأهل مكة وإنما خُصُّوا من بين المشركين من العرب لأن أهل مكة قدوة لجميع القبائل؛ ألا ترى أن أكثر قبائل العرب كانوا ينتظرون ماذا يكون من أهل مكة فلما أسلم أهل مكة يومَ الفتح أقبلت وفود القبائل معلنة إسلامهم.

والجملة معطوفة على جملة
{ فإِذَا رَكبوا فِي الفُلك دَعُوا الله }
[العنكبوت: 65] باعتبار ما اشتملت عليه تلك الجملة من تقريعهم على كفران نعم الله تعالى، ولذلك عقبت هذه الجملة بقولة { وبنعمة الله يكفرون }

والاستفهام إنكاري، وجعلت نعمة أمن بلدهم كالشيء المشاهد فأنكر عليهم عدم رؤيته، فقوله { أنا جعلنا حرماً آمناً } مفعول { يَرُوا }

ومعنى هذه الآية يعلم مما تقدم عند الكلام على قوله تعالى:
{ وَقَالُوا إنْ نَتَّبِعْ الهُدَى معَكَ نُتخَطَّفْ من أرْضِنَا أوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حرَماً آمِناً }
في سورة [القصص:57]، وقد كان أهل مكة في بحبوحة من الأمن وكان غيرهم من القبائل حول مكة وما بعدُ منها يغزو بعضهم بعضاً ويتغاورون ويتناهبون، وأهل مكة آمنون لا يعدو عليهم أحد مع قتلهم، فذكرهم الله هذه النعمة عليهم.

وقال البقاعى فى تفسيره:

ولما كان قد فعل بهم سبحانه من الأمن الشديد المديد في البر دون سائر العرب عكس ما ذكر من حال خوفهم الشديد في البحر، وكان قادراً على إخافتهم في البر كما قدر على إخافتهم في البحر ليدوم إخلاصهم، وكان كفرهم عند الأمن بعد الإخلاص عند الخوف - مع أنه أعظم النقائص - هزلاً لا يفعله إلا من أمن مثل تلك المصيبة في البر، توجه الإنكار في نحو أن يقال: ألم يروا أنا قادرون على إخافتهم وإهلاكهم في البر كما نحن قادرون على ذلك في البحر كما فعلنا بغيرهم، فعطف عليه قوله: { أولم يروا }

وقال القرطبي فى تفسيره:

أي جعلتُ لهم حرماً آمناً أمنوا فيه من السَّبي والغارة والقتل، وخلّصتهم في البر كما خلصتهم في البحر، فصاروا يشركون في البر ولا يشركون في البحر. فهذا تعجب من تناقض أحوالهم.

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ }

قال الرازى فى تفسيره

لما بين الله الأمور على الوجه المذكور ولم يؤمن به أحد بين أنهم أظلم من يكون، لأن الظلم على ما بين وضع الشيء في غير موضعه، فإذا وضع واحد شيئاً في موضع ليس هو موضعه يكون ظالماً فإذا وضعه في موضع لا يمكن أن يكون ذلك موضعه يكون أظلم لأن عدم الإمكان أقوى من عدم الحصول، لأن كل ما لا يمكن لا يحصل وليس كل ما لا يحصل لا يمكن، فالله تعالى لا يمكن أن يكون له شريك وجعلوا له شريكاً فلو كان ذلك في حق ملك مستقل في الملك لكان ظلماً يستحق من الملك العقاب الأليم فكيف إذا جعل الشريك لمن لا يمكن أن يكون له شريك، وأيضاً من كذب صادقاً يجوز عليه الكذب يكون ظلماً فمن يكذب صادقاً لا يجوز عليه الكذب كيف يكون حاله؟ فإذا ليس أظلم ممن يكذب على الله بالشرك ويكذب الله في تصديق نبيه والنبـي في رسالة ربه والقرآن المنزل من الله إلى الرسول، والعجب من المشركين أنهم قبلوا المتخذ من خشب منحوت بالإلهية، ولم يقبلوا ذا حسب منعوت بالرسالة، والآية تحتمل وجهاً آخر وهو أن الله تعالى لما بين التوحيد والرسالة والحشر وقرره ووعظ وزجر قال لنبيه ليقول للناس: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } أي إني جئت بالرسالة وقلت إنها من الله وهذا كلام الله، وأنتم كذبتموني فالحال دائر بين أمرين، أما أنا مفتر متنبـىء إن كان هذا من عند غير الله أو أنتم مكذبون بالحق إن كان من عنده لكني معترف بالعذاب الدائم عارف به فلا أقدم على الافتراء لأن جهنم مثوى للكافرين والمتنبـىء كافر، وأنتم كذبتموني فجهنم مثواكم إذ هي مثوى للكافرين، وهذا حيئنذٍ يكون كقوله تعالى:
{ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }
[سبأ: 24].

{ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }

قال ابن عاشور فى التحرير
خُتم توبيخ المشركين وذمُّهم بالتنويه بالمؤمنين إظهاراً لمزيد العناية بهم فلا يخلو مقام ذم أعدائهم عن الثناء عليهم، لأن ذلك يزيد الأعداء غيظاً وتحقيراً. و { الذين جاهدوا } في الله هم المؤمنون الأولون فالموصول بمنزلة المعرّف بلام العهد. وهذا الجهاد هو الصبر على الفتن والأذى ومدافعة كيد العدو وهو المتقدم في قوله في أول السورة [العنكبوت: 6]
{ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه }
إذ لم يكن يومئذ جهاد القتال كما علمت من قبل. وجيء بالموصول للإِيماء إلى أن الصلة سبب الخبر. ومعنى { جاهدوا فينا } جاهدوا في مرضاتنا، والدِّين الذي اخترناه لهم. والظرفية مجازية، يقال: هي ظرفية تعليل تفيد مبالغة في التعليل.

وقال الالوسي فى تفسيره:

لما فرغ من التقرير والتقريع ولم يؤمن الكفار سلى قلوب المؤمنين بقوله: { وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }