مبادئ في تدريس الفقه
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه خواطر متعلقة بتدريس الفقه، حاولت من خلالها أن أستنتج أسباب تهاون الناس بعلوم الشريعة، دراسة وتطبيقا، وأنا لا أريد أن أتكلم عن الأسباب الخارجية التي تكلم عنها الكثيرون، من وسائل الاستعمار التي استطاعت أن تغزو فكر العامة، وربما تسللت أيضا إلى عقول الخاصة، ولكني أريد أن أنظر إلى الأسباب التي نتجت من تقصير كل من تبوء مكانا في التدريس، وسأحاول أن أكتب شيئا منها على السجية دون تكلف كلما وسع وقتي لذلك، آملة أن يكون فيها فائدة لي ولكل من يدرس الفقه الإسلامي، وأن يشاركني الكتابة من لديه زيادة.. والله المعين والميسر:
العلمانية الإسلامية
يتعجب الكثيرون من انتشار الفكر العلماني في بلادنا الإسلامية، والذي بدأ بفصل الدين عن الدولة، ثم أثمر رد الدين من أصله، وأنا أرى أن من عوامل هذا الانتشار مدرسي الفقه الإسلامي، إذ أن أكثرهم لا يزالون ينتهجون المنهج القديم من الابتداء بتدريس كتاب أو كتابين في فقه العبادات، ما يكادون ينتهون منهما إلا وقد بلغ الطالب من الكبر عتيا، وقد خاض في المعاملات حتى جمع منها الأمال، ونكح وبنى أسرة على غير هدى، وأكل ونمى لحمه، وخالط الناس وعاملهم، وكل ذلك على غير ما شرع الله تعالى، وما ذاك إلا لأنه لم يبلغ مرحلة دراسة فقه ما بعد العبادات..
وأنا لا أطعن بهذا المنهج من أصله، بل هو عظيم إن بُدئ به والطالب لا يزال دون سن البلوغ، فيُبدأ بتثبيته في فقه العبادات، ويُحفَّظ من خلاله القواعد الفقهية المهمة، والاصطلاحات العلمية، فإذا ما أتقنها، وسرت في كيانه نقلناه منها لدراسة كتاب أعلى، وفيه يُدَّرس الفقه كاملا، وأما أن نبدأ بهذه الطريقة مع من قصدنا وقد بلغ وبدأ يخوض في الحياة بالباطل، فهذا ينبغي أن نبدأ معه مباشرة كتابا كاملا من المستوى الأول، مع مراعات ترتيب أئمتنا رضوان الله عليهم من ذكر الأهم فالأهم، العبادات، ثم المعاملات، ثم الأنكحة، وأنا أرجح طريقة من يقدم الأطعمة على المعاملات لكونها لا يستغنى عنها؛ فعندها يفهم الطالب الحياة على وجهها الصحيح، ويعرف عظمة الدين وشموليته لكل جزئية من جزئيات حياتنا، ويعلم أن مبادئ ديننا وإن كان بعضها لا يتحقق إلا بمجتمع متكامل، إلا أنها تستحق أن نسعى لتحقيقها، ونبذل حياتنا لأجلها، فنور المؤمن لا يتكامل في هذا الزمان المظلم إلا بعد أن تتكامل نظرته لدينه..
وأما لو أنه نظر إلى باب واحد من أبواب الفقه، فسيكون حاله كمن أتى على لوحة من أجمل ما عرف الفن، فغطاها بغطاء قبيح مرقع من كل لون، وأحكم تغطيتها حتى ليخيل للناظر إليها أن الغطاء جزء منها، ثم أتى على طرف منها فخرم جزء من الغطاء، فأظهر جزء من اللوحة، ثم نظر من خلال هذا الخرم إليها، فإنه ولا شك لن يرى جمالها، بل سيطعن بكل من يدعي ذلك، ولا يعلم أن العيب إنما نشأ من شيئين اثنين: الغطاء القبيح الذي غطى أكثرها، واقتصار نظره على جزء منها.. فهو ولا شك لو قارنها وهذا حالها باللوحات الأخرى من حولها، والتي لا تبلغ درجة من درجات الفن والذوق، سيراها مع ذلك أجمل منها، وأكثر تكاملا، وهذا حال من يفهم الدين من زاوية واحدة فقط..
فهو وإن اقتنع به وحاول أن يطبق هذا الجزء سيكون تطبيقه له وبالا عليه وهو لم يحقق الأبواب الأخرى..
وقد كنت قبل أيام في درس الفقه، وكنا نتحدث عن حد الزنا، فسألتني إحدى الطالبات: كيف سنطبق الحدود في هذا الزمان، والناس قد بلغوا من الجهل ما بلغوا، كيف سنقول لهم: (لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) هذا يدعوا الناس للاشمئزاز من الدين، كما يحصل في بعض البلاد؟!
فقلت لها: كلامك صحيح عندما نأتي إلى الناس بتطبيق الحدود مباشرة قبل أن نعلمهم كيف تجتنب هذه الحدود، وأما إن علمناهم أولا باب النكاح وأبواب المعاملات والتي فيها ما إذا طبقناه لن نقع بحد من الحدود، فلن يكون الحال كذلك، فالبلد التي ستبلغ من الدين أن تطبق حدود الله على الوجه الذي يرتضيه، هذه ولا شك ستعتني بشعبها ليفهم كيف يجتنب هذه الحدود..
ولذا فنحن ننكر على حزب التحرير ما يدعو إليه من إقامة الحدود في أماكن لا تعرف شيئا من دين الله..
وكان مما ذكرته أن أحد أقاربي كان ممن شارك في بدايات تأسيس الحزب، جالسته مرة قبل سنوات، فسألته على ماذا بنيتم دعوتكم، قال كنا نسعى لتطبيق الحدود، سألته وهل كانت زوجتك في هذه الأثناء متحجبة؟! (ولم تكن كذلك) فسكت وقال: كنا شبابا متحمسين..!
سبحان الله يسعون لإقامة الحدود في البلاد وهم عاجزون عن إقامة شرائع دينهم في بيوتهم، هم متمسكون جدا بهذه الفكرة، ويدعون لها، وكأن ليس في الفقه إلا باب الحدود والقضاء، مع أنه من المعلوم أن هذه الأبوب من آخر الأبواب التي تدرس في الفقه، وأنها ليست من مهمات العامة، وأنه على العامي أن يصلح حاله قبل أن يسعى لإصلاح القاضي وغيره..
وهنا نرجع ونقول فهمنا لأبواب الفقه متكاملة هو الذي سيجعلنا نعي بتوفيق من الله أن ديننا شامل لكل جزئية من جزئيات الحياة، فنسعى لتحقيقه على بينة، وهو الذي سيجعلنا واثقين بديننا وتكامله، ويثبتنا بالوقوف في وجه كل دعوة أرادت أن تبرز جزء من أجزاء الدين على حساب تغطية باقي الأجزاء..
ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!