النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مبادئ في تدريس الفقه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    463

    مبادئ في تدريس الفقه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
    فهذه خواطر متعلقة بتدريس الفقه، حاولت من خلالها أن أستنتج أسباب تهاون الناس بعلوم الشريعة، دراسة وتطبيقا، وأنا لا أريد أن أتكلم عن الأسباب الخارجية التي تكلم عنها الكثيرون، من وسائل الاستعمار التي استطاعت أن تغزو فكر العامة، وربما تسللت أيضا إلى عقول الخاصة، ولكني أريد أن أنظر إلى الأسباب التي نتجت من تقصير كل من تبوء مكانا في التدريس، وسأحاول أن أكتب شيئا منها على السجية دون تكلف كلما وسع وقتي لذلك، آملة أن يكون فيها فائدة لي ولكل من يدرس الفقه الإسلامي، وأن يشاركني الكتابة من لديه زيادة.. والله المعين والميسر:

    العلمانية الإسلامية
    يتعجب الكثيرون من انتشار الفكر العلماني في بلادنا الإسلامية، والذي بدأ بفصل الدين عن الدولة، ثم أثمر رد الدين من أصله، وأنا أرى أن من عوامل هذا الانتشار مدرسي الفقه الإسلامي، إذ أن أكثرهم لا يزالون ينتهجون المنهج القديم من الابتداء بتدريس كتاب أو كتابين في فقه العبادات، ما يكادون ينتهون منهما إلا وقد بلغ الطالب من الكبر عتيا، وقد خاض في المعاملات حتى جمع منها الأمال، ونكح وبنى أسرة على غير هدى، وأكل ونمى لحمه، وخالط الناس وعاملهم، وكل ذلك على غير ما شرع الله تعالى، وما ذاك إلا لأنه لم يبلغ مرحلة دراسة فقه ما بعد العبادات..
    وأنا لا أطعن بهذا المنهج من أصله، بل هو عظيم إن بُدئ به والطالب لا يزال دون سن البلوغ، فيُبدأ بتثبيته في فقه العبادات، ويُحفَّظ من خلاله القواعد الفقهية المهمة، والاصطلاحات العلمية، فإذا ما أتقنها، وسرت في كيانه نقلناه منها لدراسة كتاب أعلى، وفيه يُدَّرس الفقه كاملا، وأما أن نبدأ بهذه الطريقة مع من قصدنا وقد بلغ وبدأ يخوض في الحياة بالباطل، فهذا ينبغي أن نبدأ معه مباشرة كتابا كاملا من المستوى الأول، مع مراعات ترتيب أئمتنا رضوان الله عليهم من ذكر الأهم فالأهم، العبادات، ثم المعاملات، ثم الأنكحة، وأنا أرجح طريقة من يقدم الأطعمة على المعاملات لكونها لا يستغنى عنها؛ فعندها يفهم الطالب الحياة على وجهها الصحيح، ويعرف عظمة الدين وشموليته لكل جزئية من جزئيات حياتنا، ويعلم أن مبادئ ديننا وإن كان بعضها لا يتحقق إلا بمجتمع متكامل، إلا أنها تستحق أن نسعى لتحقيقها، ونبذل حياتنا لأجلها، فنور المؤمن لا يتكامل في هذا الزمان المظلم إلا بعد أن تتكامل نظرته لدينه..
    وأما لو أنه نظر إلى باب واحد من أبواب الفقه، فسيكون حاله كمن أتى على لوحة من أجمل ما عرف الفن، فغطاها بغطاء قبيح مرقع من كل لون، وأحكم تغطيتها حتى ليخيل للناظر إليها أن الغطاء جزء منها، ثم أتى على طرف منها فخرم جزء من الغطاء، فأظهر جزء من اللوحة، ثم نظر من خلال هذا الخرم إليها، فإنه ولا شك لن يرى جمالها، بل سيطعن بكل من يدعي ذلك، ولا يعلم أن العيب إنما نشأ من شيئين اثنين: الغطاء القبيح الذي غطى أكثرها، واقتصار نظره على جزء منها.. فهو ولا شك لو قارنها وهذا حالها باللوحات الأخرى من حولها، والتي لا تبلغ درجة من درجات الفن والذوق، سيراها مع ذلك أجمل منها، وأكثر تكاملا، وهذا حال من يفهم الدين من زاوية واحدة فقط..
    فهو وإن اقتنع به وحاول أن يطبق هذا الجزء سيكون تطبيقه له وبالا عليه وهو لم يحقق الأبواب الأخرى..
    وقد كنت قبل أيام في درس الفقه، وكنا نتحدث عن حد الزنا، فسألتني إحدى الطالبات: كيف سنطبق الحدود في هذا الزمان، والناس قد بلغوا من الجهل ما بلغوا، كيف سنقول لهم: (لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) هذا يدعوا الناس للاشمئزاز من الدين، كما يحصل في بعض البلاد؟!
    فقلت لها: كلامك صحيح عندما نأتي إلى الناس بتطبيق الحدود مباشرة قبل أن نعلمهم كيف تجتنب هذه الحدود، وأما إن علمناهم أولا باب النكاح وأبواب المعاملات والتي فيها ما إذا طبقناه لن نقع بحد من الحدود، فلن يكون الحال كذلك، فالبلد التي ستبلغ من الدين أن تطبق حدود الله على الوجه الذي يرتضيه، هذه ولا شك ستعتني بشعبها ليفهم كيف يجتنب هذه الحدود..
    ولذا فنحن ننكر على حزب التحرير ما يدعو إليه من إقامة الحدود في أماكن لا تعرف شيئا من دين الله..
    وكان مما ذكرته أن أحد أقاربي كان ممن شارك في بدايات تأسيس الحزب، جالسته مرة قبل سنوات، فسألته على ماذا بنيتم دعوتكم، قال كنا نسعى لتطبيق الحدود، سألته وهل كانت زوجتك في هذه الأثناء متحجبة؟! (ولم تكن كذلك) فسكت وقال: كنا شبابا متحمسين..!
    سبحان الله يسعون لإقامة الحدود في البلاد وهم عاجزون عن إقامة شرائع دينهم في بيوتهم، هم متمسكون جدا بهذه الفكرة، ويدعون لها، وكأن ليس في الفقه إلا باب الحدود والقضاء، مع أنه من المعلوم أن هذه الأبوب من آخر الأبواب التي تدرس في الفقه، وأنها ليست من مهمات العامة، وأنه على العامي أن يصلح حاله قبل أن يسعى لإصلاح القاضي وغيره..
    وهنا نرجع ونقول فهمنا لأبواب الفقه متكاملة هو الذي سيجعلنا نعي بتوفيق من الله أن ديننا شامل لكل جزئية من جزئيات الحياة، فنسعى لتحقيقه على بينة، وهو الذي سيجعلنا واثقين بديننا وتكامله، ويثبتنا بالوقوف في وجه كل دعوة أرادت أن تبرز جزء من أجزاء الدين على حساب تغطية باقي الأجزاء..
    ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
    فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
    فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    463
    بسم الله الرحمن الرحيم
    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
    وبعد:
    فيقولون: انظر إلى نصف الكأس الممتلئ، ولا تنظر إلى النصف الفارغ..!
    ولكن من أراد الإصلاح فعليه أن ينظر إلى النصف الفارغ لا من أجل أن يقول: هو فارغ! بل من أجل أن يسعى لملئه..
    وأول ما نبغي له أن يعرفه هو الأسباب التي جعلته فارغا، فبمعرفة المرض يسهل العلاج، وهذا واجب من يريد أن يعلم الناس الدين في أي مكان وزمان..
    كنت أجري مقابلات مع البنات في إندونيسيا لقبولهن في الجامعة، فكان أكثر البنات يأتين بلا جوارب ويبدو جزء من سوقهن عند سيرهن، وهن متخرجات من المعاهد الإسلامية، فأسألها ماذا درست في الفقه، فتجيب درست الكتاب الفلاني، فأسألها وهل عرفت عورة المرأة التي لا يحل لها أن تكشفها، وهل الرِجل منها؟
    فتقول: نعم..
    فأسألها ولم إذا تكشفين رجلك؟
    فتقول معلمتي في المعهد تفعل ذلك..!
    فأقول لها وهل هذا عذر سيقبله الله منك يوم القيامة؟!
    هل أنت تدينين بدين ربك، أم بدين معلمتك؟!
    ولماذا تريدين أن تدرسي الشريعة إن كنت ما قد درسته من قبل لم تعملي به؟!
    أم أنك ستكونين كمعلمتك تعلمين طالباتك بأفعالك أن ما نتعلمه من أمور الدين هو للعلم لا للعمل؟!
    فتكونين بأعمالك قاتلة لمبادئ دينك في نفوس طالباتك، وأنت تظنين أنك تحيين الدين بتعليمه؟!
    هنا أشعر وكأن الطالبة كانت تمشي في طريق مظلم مع الناس، تسير حيث ساروا، لا تعلم لم تسير وإلى أين، وقد بزغ لها نور مفاجئ فعرفت حقيقة هذا الطريق، وعرفت أن أكثر من حولها ينحرف في سيره عنه وهو يدعي السير فيه، وشعرت أنها لو أكملت السير فيه فإنها ستحمل على كاهلها مسؤولية الأخذ بأيديهم لتعيدهم إلى الطريق القويم، بعد أن رأت ما لم يروه..
    وهنا تختلف ردات الفعل، فمن قاطعة وعودا وعهودا بأنها ستكون وتكون، ومن باكية متألمة من حال كانت عليه، ومن خائفة لا تريد أن تكون هي الدليل في الحياة، بل تريد أن تبقى تابعة تحمِّل غيرها مسؤولية ضياعها..
    بعد أن تكرر هذا الموقف وما شابهه مرارا، علمت أن فراغ الكأس سببه المعلمون والمعلمات، الذين غرسوا في نفوس طلابهم من خلال أفعالهم أن ما دونه أئمتنا وأفنوا حياتهم ليبلغونا إياه، إنما هو علم محض لا علاقة له بواقع أو عمل، وإنما نأخذه لننال به الشهادات، أما أعمالنا فتبقى تسير مع العرف العام، والفتاوى المتماشية مع الشهوات والأهواء..
    هذه صورة من صور كثيرة كانت تظهر لي في كل مرة أن سبب موت الدين هم حاملوه لا غيرهم، ومبلغوه لا غيرهم؛ فالدواء أن يكون التعليم بالعمل مقدما على التعليم بالعلم..
    فمهما حاولنا أن نقنع الناس بقاعدة الرجال يقاسون على الدين ولا يقاس الدين على الرجال، سيبقى المعلم له الأثر الكبير في التأثير بأفعاله، وسيبقى كل فعل يخالف فيه علمه يقتل فيه شيئا من هيبة هذا العلم وأهميته في نفوس طلابه..
    فنسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا أفضل من أقوالنا ويجعل أقوالنا صالحة، وأن يجعل نوايانا أفضل من أعمالنا ويجعل أعمالنا صالحة، وأن يجعلنا ممن أحيا الدين بأعماله قبل أقواله..
    ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
    فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
    فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •