الدرس الخامس عشر187ــــ البراهمية، طائفة من الهنود، احتجوا على استحالة بعث الرسل بما يلي:
قالوا: الرسول إما أن يأتينا بما تعرفه عقولنا، أو بما لا تعرفه، فإن أتانا بما تعرفه العقول فلا حاجة لنا به، وإن أتانا بما لا تعرفه عقولنا فقوله مردود، فلا مصلحة ولا فائدة إذاً في بعث الرسل.
والرد عليهم: الأمور لا تدور بين ما تعرفه عقولنا، وما لا تعرفه بمعنى أنها تأباه وتحيله، لأنه من الممكن أن يأتينا إنسان بأمور لا نعرفها الآن، لكن إذا سمعناها قبلناها، إذ ليس بالضرورة أنا إذا سمعنا أمراً لم نسمع به من قبل أن نرده. فالقسمة التي قسموها باطلة، تحتوي على مغالطات.
ويقال لهم أيضاً: لا يمكن أن نحصر كل شيء فيما يمكن أن يكون له فائدة في معرفة العقول، لأن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الجنة وخلق النار، لم يخلقهما بناء على علل عقلية، بل خلقهما بناء على إرادته، أي هو جل شأنه أراد أن يخلق الجنة والنار، وجعل الجنة غاية لأفعال معينة، والنار كذلك، فالعلاقة بين الأفعال وبين الثواب والعقاب ليست علاقة عقلية بحيث نقول: إننا إن لم نعرفها بالعقل فهي باطلة. بل هناك علاقات وضعية، بوضع الفاعل المختار سبحانه وتعالى.
188ــــ أفعال الله تعالى لو كان مبناها على علل عقلية، أي علل ثابتة في نفس الأمر، للزم من ذلك نفي كون الله تعالى مختاراً. وقد عزا الله سبحانه وتعالى الفعل في القرآن الكريم إلى إرادته، «يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ»، لا إلى الحسن والقبح الذاتيين.
189ــــ دلالة المعجزة على صدق الرسول عقلية، وبالتالي إثبات وجوب صدق الرسل عقلي، وليس إثباتاً شرعياً.
190ــــ المعجزة في نفسها ليست شرعاً، والقرآن في نفسه، أي من حيث إنه موجود بإرادة الله تعالى واختياره، هو أمر، أي فعل، خارق للعادة، وإن كان في مضمونه ودلالته اللغوية دالاً على الشرائع.
191ــــ الله تعالى يصطفي من يشاء، والسؤال: يا رب لم اصطفيت فلاناً ولم تصطفني؟ مناقض لمعنى الاصطفاء، لأن الاصطفاء اختيار، والسؤال بـ «لم» سؤال عن العلة، وهي تناقض الاختيار.
192ــــ تعريف الإمام السنوسي للرسول، تعريف لا اعتراض عليه، واكتفى بالتنبيه إلى وجود خلافات فيه، وفائدة التنبيه أن لا يظن طالب العلم أن هذه المسألة لم يقع فيها خلاف، بل هناك خلاف، لكنه لا يضر.
193ــــ مذهب أهل السنة جواز المعاصي على الأنبياء عقلاً، واستحالتها عادة، خلافاً للشيعة والمعتزلة.
194ــــ من قال: «الخطأ في تبليغ الرسالة سهواً ممكن في حق الأنبياء»، قال: لكن ينبهون عليه.
الدرس السادس عشر
195ــــ أهل السنة تميزوا بأنهم وضعوا الرسل عليهم الصلاة والسلام في مكانتهم المناسبة، فلم يرفعوهم إلى مرتبة الألوهية كما فعل النصارى وبعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام كالإسماعيلية، ولم يقصروا في حق الأنبياء كما فعل بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام بحيث منعوا عن الأنبياء بعض خصائصهم.
196ــــ المذهب الراسخ عند النصارى اليوم أن عيسى عليه السلام هو عين الرب.
197ــــ يقول كثير من الناس اليوم: أهل الجاهلية لم يكونوا يعرفون شيئاً من الفلسفات والأديان الأخرى.
وقد ثبت علمياً وتاريخياً أن الجزيرة العربية كان فيها معظم الأديان والفلسفات القديمة، وشعراء الجاهلية منهم من كان يهودياً ومنهم من كان نصرانياً ومنهم من كان على دين الدهريين، لذلك كان عند الجاهليين رؤى ونظرات خاصة، وهم خالفوا الرسول عليه الصلاة والسلام بناء على ما استقر في نفوسهم من نظرات.
198ــــ قال الإمام أبو إسحق الإسفراييني: احتوت سورة الأنعام على قواعد علم التوحيد. واعترض عليه بعض المفسرين بأنها لم تشتمل على دليل التمانع، والجواب أنها اشتملت في أولها على إشارات إلى أدلة التوحيد، وإن لم تكن عينها دليل التمانع.
199ــــ بعض الناس يبالغون فيقولون: الإسرائيليات انتشرت بشكل كبير حتى افتتن بها بعض كبار العلماء. وهذا نوع من المبالغة، لأن مقام علماء الشريعة أكبر من أن ينخدعوا بها، وإذا حصل ذلك لواحد فلا يجوز التعميم.
200ــــ كثير من الناس يقولون: تفسير الجلالين اعتمد على الإسرائيليات.
وتفسير الجلالين تفسير دقيق جداً، كتب للعلماء ولخواصهم، ولذلك فلا يغترون بمثل هذه الأمور.
201ــــ قوله: «ولهذا قيل إن التمسك في معرفة الله ... أصول الكفر»، الظواهر: المقصود بها ما يظهر للناس بحسب العاديات، لذلك المجسمة لا يتمسكون في الحقيقة بالظاهر، بل بما يظهر لهم أنه الظاهر.
202ــــ العلماء قالوا: الظهور نسبة اعتبارية، أما الظاهر من الكتاب: نحن نمنع أن يكون ظاهر الكتاب كفراً.
ومسلك الوهابية قريب جداً من مسلك العلمانية حيث قيدوا دلالات الكتاب والسنة بالزمان والمكان، وبالعوائد والتاريخ، والمجسمة حددوا دلالات الكتاب والسنة بما اعتادوه، أو بما أرادوا أن يقيدوها به.




رد مع اقتباس