[قال الامام البخاري في صحيحه
باب قول الله تعالى كل يوم هو في شأن و ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وقوله تعالى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وقال ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة
قلت مراد الامام رحمه الله بقوله وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين اثبات الافعال الاختيارية لله كالنزول والاستواء والمجئ واحاد كلام الله ... كما يفهم ذلك كذلك من كتاب خلق أفعال العباد]


إذا كنت تقصد أن الله يحدثُ آحاد الكلام في المخلوق كسمع الملائكة أو سمع موسى أو روع الأنبياء فهذا صواب أتفقك معك فيه، وهو ظاهر عبارات البخاي.
أما إذا كنت تقول بأنه يقصد أنه يحدث آحاد الكلام في ذاته فهذا باطل، ولم يقصده البخاري، لأن المحدثات عنده صادرة عن الفعل، وكل ما كان صادرا عن الفعل عنده فهو مفعولٌ مخلوق، كما بينا من قبل.

[فهذه أدلتي من السلف أن الله يتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء]

وعلى مذهب أحمد بن حنبل هذا يعني أن الله يعلم متى شاء وكيف شاء، وهو عنده كفر، فلا فرق عنده بين ما يقال في الكلام والعلم.

[الظاهر أن الحافظ نفسه اعترف بمذهب البخاري في مكان آخر فقال: ((والذي أقول إن غرضه في هذا الباب إثبات ما ذهب إليه أن الله يتكلم متى شاء))13/496]
[قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ : وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ كَيْفَ شَاءَ، وَأَنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ مُؤَلَّفَةً حَرْفًا]


نعم، كلام البخاري على مذهبه صحيح، ولكنه لا يمشي على سكة مذهبك، لأنه بعد أن سرد أحاديث منها (يامحمد، إنه لا يبدّلُ القولُ لديّ)، قال: (أنطق به عباده) ولم يقل فعله في ذاته.
وأنت تزعمُ أن الله يبدّلُ قوله ويغيره، والبخاري احتج بالآية على أن فعل الله الذي هو صفته لا يتبدّل ولا يتغير، وإنما الذي يتغير ويتبدّلُ هو كلامه الحالُّ في ألسنة عباده.

وللتوضيح، جمعت عباراته السابقة ليتبين المقصود:
الفقرة1:
(فَفِعْلُهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِه)
(فَالْفِعْلُ صِفَته, وَالْمَفْعولُ غَيْرُهُ)
(فَفِعْلُ اللهِ صِفَةُ اللهِ، وَالْمَفْعولُ غَيْرُهُ مِنَ الْخَلْقِ)
(فَالْفِعْلُ إِنَّمَا هُوَ إِحْدَاثُ الشَّيْءِ، وَالْمَفْعولُ هُوَ الْحَدَثُ)
(فَالسَّموَاتُ وَالأَرْضُ مَفْعولُهُ)
(وقد ميز فعل السماوات من السماوات)
*(وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللهِ بصفاته، فَهُوَ مَفْعولٌ)*


الشرح:
فعل الله من ربوبيته، والفعل صفة من صفات الله، والفعل هو إحداث المفعولات، والمفعولات الصادرة عن الفعل هي غير الله، والمفعولات هي المخلوقات.

الفقرة 2:
(ولا توجه القرآن إلا أنه صفة الله)
(فَفِعْلُهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، حَيْثُ يَقُولُ : {كُنْ فَيَكُونُ} ، والـ "كُنْ" مِنْه صِفَتِهِ)
( لأَنَّهُ إنما يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ ، فَيَكُونُ ، فَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِمَّا يَكُونُ بِهِ الْخَلْقُ، وَالْقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ)
( فَأَخْبَرَ أَنَّ أَوَّلَ خَلْقٍ خَلَقَهُ بِقَوْلِهِ، وَأَوَّلَ خَلْقٍ هُوَ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي قَالَ : {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}، فَأَخْبَرَ أَنَّ كَلاَمَهُ قَبْلَ الْخَلْقِ)
(وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ لاَ إِنَّهُ الْكَلِمَةُ )
(وَكَذَلِكَ تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ الْقُرْآنَ كَلاَمُ اللهِ، وَأَنَّ أَمْرَهُ قَبْلَ خَلْقِهِ)
(وَقَدْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلُ , وَكَلاَمُهُ قَبْلَ خَلْقِهِ)
*(قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ [المخلوق] مِنَ الأَمْرِ بِقَوْلِهِ : {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}، فَالْخَلْقُ بِأَمْرِهِ)*


الشرح:
فالقرآن كلام الله، وكلام الله وقوله وأمره صفة له، وقد خلق الله خلقه بكلامه، والكلامُ موجودٌ قبل وجود المخلوقات التي خلقها بقوله وكلامه وأمره.
فكلامُ الله صفة فعل، يفعلُ بها المخلوقات.
وكل ما صدر عن الفعل فهو مفعول بمعنى مخلوق.

الفقرة 3:
(ولم يرد بخلق السماوات السماوات نفسها، وقد ميز فعل السماوات من السماوات، وكذلك فعل جملة الخلق، وقد ميز الفعل والنفس (ولا خلق أنفسهم)، ولم يصير فعله خلقًا)
(قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ [المخلوق] مِنَ الأَمْرِ بِقَوْلِهِ : {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} ، فَالْخَلْقُ بِأَمْرِهِ كَقَوْلِهِ : {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} ، وَكَقَوْلِهِ : {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، وَكَقَوْلِهِ : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} ، وَلَمْ يَقُلْ بِخَلْقِهِ [أي بمخلوقه])


الشرح:
فالفعل صفة الله القائمة به تعالى، و الخلْق أي المفعولات المحدثات الصادرة عن هذا الفعل هي غيرُ الله، والله لم يصيِّر فعله مخلوقًا ولا محدَثًا لأنه متصفٌ به قبل وجود المحدثات المفعولات، فكلام الله -وهو فعل- ليس مخلوقًا ولا محدثًا.
فكل مفعول صدر عن الفعل مخلوقٌ، وهو غيرُ الله، وليس من الله شيءٌ مفعول ولا محدث عن الإحداث ولا عن غيره من الأفعال.

الفقرة 4:
(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَتْلَى أُحُدٍ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا للقُرآنِ؟)
(وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ، فَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ)
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ, وَلَكِنَّ اللَّهَ إِذَا قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا, سَمِعَهُ أَهْلُ السماء)
(قَضَى اللَّهُ فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا، الأَمْرَ الَّذِي كَانَ, فَيَهْبِطُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ)
(إِذَا قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ)
(إِذَا قَضَى اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْرًا تَكَلَّمَ, رَجَفَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ وَالْجِبَالُ)
(ابْنُ مَسْعُودٍ سأَلْنَاهُ: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَلْصَلَةً مِثْلَ صَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ فَيُخْرَجُونَ، {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} سَكَنَ الصَّوْتُ)
(حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا, فَيَتَحَدَّثُونَ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ, فتَسْرِقُهُ الشيَاطِينُ بِالسَّمْعِ عَلَى تَوَهُمٍ مِنْهُمْ وَاخْتِلاَفٍ)
*( فَلَيْسَ لِصِفَةِ اللهِ نِدٌّ، وَلاَ مِثْلٌ، وَلاَ يوجدُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ فِي الْمَخْلُوقِينَ....وَلَكِنّ َ اللَّهَ إِذَا قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا, سَمِعَهُ أَهْلُ السماء)*


الشرح:
فنداء الله كلامه، وهو فعلٌ من أفعاله يقوم به، قيام الصفة بالموصوف، والأمر كلام الله، والمفعولات التي يفعلها بندائه لا تقوم به بل تقوم في الملائكة أو في غيرها من المخلوقات، واستدل بالأحاديث:
(قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا)
(قَضَى اللَّهُ فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا، الأَمْرَ الَّذِي كَانَ)
(قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ)
والصوت الذي يفعله الله بكلامه مفعول، لأنه حلّ في المخلوقات، فالصوت ليس من صفات الله لأنه مفعول، (وَلاَ يوجدُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ فِي الْمَخْلُوقِينَ)
والأمر الذي يفعله الله في خلقه إنما هو الأمر الذي يدخل في أسماع السامعين، ويحلُّ في ألسنة التالين، ويحمله الناس بأيديهم، وتحفظه صدورهم.
ولذلك احتج بالحديث وقال: (وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ..." فَبَيَّنَ أَنَّ قيَامَهُ بِالْكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ)
وفي نفس الباب احتج بالحديث: (وَأُعْطِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ) إشارة إلى أنّ الكلام -وهو القرآن- الذي آتاهُ الله لخلقه، وتعملُ به المخلوقات هو مما فعله الله فيهم، فكما أنه صوتُ الله الذي قضاهُ في خلقه فهو كذلك صوت الله الذي يؤتيه خلقه ويعملون به.

الفقرة 5:
(مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ مَخْلُوقٌ)

الشرح:
فمن زعم أن الكلام الذي هو صفةُ الله حدث في الله بعد أن لم يكن، فقد زعم أن الله حادثٌ ومفعول ومخلوق، لأنّ (كَلاَمُهُ قَبْلَ خَلْقِهِ)
فلو كان الله يفعل كلاما ثم لايفعله لكان ذلك إحداثا للفعل الذي هو صفة، ولو كان أصواتا تحدث فيه وتنقضي ثم تحدث غيرها لكان غير الله داخل الله، كما قالت النصارى!

---
وبناءً على ما مرّ، فقد تبين لنا أن الظاهر من عبارات البخاري أنه كان يقول بأن صفة الكلام ثابتة لله أزلا وأبدًا، وأن الله مكلّمٌ للعباد قبل خلقهم، وأن أمره من كلامه وأنه خلق السماوات والأرض بأمره الذي هو متصفٌ به قبل خلقه لها، وأن كل ما صدر عن فعل الكلام فهو مفعول بمعنى مخلوق، وأن كل ما صدر عن فعل الله فليس من الله، وأن الله يفعل المحدثات خارج ذاته، ولا يقوم بالله شيء حدث بفعله، ولا يحدث في الله فعل أبدا.
وأنّ هذا المذهب مخالفٌ لمذهب أحمد الذي كان يقول بأن الكلام صفة كالعلم.
وأنّ الذي يقول بأن الله يخلق لنفسه فعلا ثم يعدمه ثم يخلقه ثم يعدمه مخالفٌ لمذهب البخاري وأحمد كليهما، وليس مصيبا في زعمه بأن للسلف مذهبا كاملا فيه، بل السلف مختلفون، إلا أنهم متفقون على أنه كلام الله غيرُ مخلوق، وليس من الله شيءٌ مخلوق، وأن كل ما أحدثه الله بقدرته محدثٌ مخلوق.
يتبع>>