أما كلامُ السلف في منع اتصاف الله تعالى بالصفات الحادثة أيًّا كانت، ‏فأذكر منه تمثيلا لا حصرًا:
‏
‏1- إجماعُ الصحّابة
رواهُ ابن الجوزيّ في تفسيره بسنده فقال:
‏" أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: أخبرنا عاصم قال : أخبرنا ابن بشران ‏قال: أخبرنا ابن صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني هارون ‏قال: حدثني عفان عن مبارك بن فضاله قال: سمعت الحسن يقول : كانوا ‏يقولون -يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-:
الحمد لله الرفيق، الذي لو جعل هذا الخلق خلقاً دائماً لا يتصرف، لقال ‏الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق ربٌ لحادثه، وإن الله تعالى قد حادث ‏بما ترون من الآيات، إنه جاء بضوء طبَّق ما بين الخافقين، وجعل فيها ‏معاشاً، وسراجاً وهاجاً، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق، وجاء بظلمة طبَّقت ‏ما بين الخافقين، وجعل فيه سكناً ونجوماً، وقمراً منيراً، و إذا شاء، بنى ‏بناء، جعل فيه المطر، والبرق، والرعد، والصواعق، ما شاء، وإذا شاء ‏صرف ذلك، و إذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس، وإذا شاء ذهب بذلك، ‏وجاء بحرّ يأخذ أنفاس الناس، ليعلم الناس أن لهذا الخلق رباً يحادثه بما ‏ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة"اهــ.
طبعا المجسمة لن يفهموا هذا الكلام، لأنهم ألغوا عقولهم.
ومعنى كلامهم رضوان الله عليهم: أنّ الله تعالى جعَلَ المخلوقات متغيّرة ‏بالحدوث والإمكان لكي تكون أدلةً على أنها مخلوقة، وأن لها خالقًا، والحدوث والتغيّر (التصرُّف) في ‏الشيء دليلٌ على أنه مخلوق، ولمّا كان الخَلْقُ حادثا مُتغيرًا عُلم من ذلك ‏أن له ربًّا حادَثَه وغيَّره، ولولا أنه متغيّرٌ حادثٌ (لقال الشاك في الله: لو ‏كان لهذا الخلق ربٌ لحادثه).
وهذه هي طريقة متكلمي أهل السنة في إثبات وجوب وجود الله تعالى وقدم ‏صفاته بلا حدوث ولا تغيُّر، وأن الدليل على وجود الله هو وجود هذه ‏المخلوقات، والدليلُ على أنها مخلوقات التغيرُ والحدوثُ فيها.‏

‏2-إجماعُ السلف من التابعين وتابعيهم على أنّ صفة الكلام غيرُ مخلوقة.
أجمَعَ السلَفُ على تكفير القائل بخلق كلام الله لأنه قولٌ بحدوث صفاته ‏تعالى، فالقولُ بحدوث صفاته تعالى عندهم مُحال.
فعن وَكِيعٌ: (مَنْ قَالَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ، وَمَنْ ‏زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُحْدَثٌ فَقَدْ كَفَرَ) رواه البيهقي في الأسماء والصفات ‏واللالكائي والخلال وغيرهم بأسانيد صحيحة.
فهم لا يرون معنى المُحدَث ‏‏(الحادث) إلا بمعنى المخلوق، ويرون أن من قال إن صفة الكلام التي لله حادثة فقد كفر.
وتقسيم ابن تيمية الحوادث إلى متصلة بالله ليست مخلوقة، ووغير متصلة وهي المخلوقة، تقسيمٌ باطلٌ يناقضُ نفسه، لأن الحوادث المتصلة -على تسليم ثبوتها- كانت منفصلة قبل وجودها، وستكون منفصلة عند فنائها، فهي مخلوقة من جهتين لا من جهة واحدة كالمنفصلة، فتأمّل.

‏3-(أبو حنيفة النعمان 150هـ)
في الفقه الأكبر: (فصِفَاته فِي الْأَزَل غير محدثة وَلَا مخلوقة وَمن قَالَ ‏إِنَّهَا مخلوقة أَو محدثة اَوْ وقف اَوْ شكّ فيهمَا فَهُوَ كَافِر بِاللَّه تَعَالَى... ‏وَلَكِن التَّغَيُّر وَالِاخْتِلَاف يحدث عِنْد المخلوقين) اهـ.

- (أبو حنيفة النعمان150هــ)
‏4-(أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري 182هـ)
5-‏(أبو عبدالله محمد بن الحسن الشيباني 189هـ)
6-(أبو جعفر الطحاوي 321هـ)
قال الطحاويُّ في بيان عقيدة السلف: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء... ما زال ‏بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، ‏وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس بعد خلق الخلق ‏استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم البارئ، له معنى ‏الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي ‏الموتى بعدما أحياهم استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم ‏الخالق قبل إنشائهم)اهــ.
والذين يقولون بأنه تزدادُ فيه الأصوات وتنقص يناقضون هذه العقيدة.
والذين يقولون كلامه إذا شاء فعله وإذا شاء أعدمه يناقض قول السلف بأنه مازال بصفاته قديما، فالذي يعدم شيئًا في ذاته ثم يحدثه فليست صفته دائمة الوجود، بل هي دائمة الحدوث والعدم. والسلف من أتباع أبي حنيفة قالوا: فعلُ الله دائمُ الوجود، خلافا للتيميين.

7-(عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون 164هــ)
رواى عنه أبو الشيخ في العظمة: ( اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوَّلٌ، لَمْ يَزَلْ ‏أَوَّلًا، وَلَيْسَ بِالْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَا كَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ كَانَ هُوَ الْآخِرَ ‏الَّذِي لَمْ يَزَلْ لَيْسَ بِالْآخِرِ الَّذِي يَكُونُ آخِرًا، ثُمَّ لَا يَكُونُ، وَهُوَ الْآخِرُ ‏الَّذِي لَا يَفْنَى، وَالْأَوَّلُ الَّذِي لَا يَبِيدُ، الْقَدِيمُ الَّذِي لَا بِدَايَةَ لَهُ لَمْ يَحْدُثْ كَمَا ‏حَدَثَتِ الْأَشْيَاءُ لَمْ يَكُنْ صَغِيرًا فَكَبِرَ، وَلَا ضَعِيفًا فَقَوِيَ، وَلَا نَاقِصًا فَتَمَّ، وَلَا ‏جَاهِلًا فَعَلِمَ، لَمْ يَزَلْ قَوِيًّا عَالِيًا كَبِيرًا مُتَعَالِيًا لَمْ تَأْتِ طَرْفَةُ عَيْنٍ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ ‏اللَّهُ، لَمْ يَزَلْ رَبًّا، وَلَا يَزَالُ أَبَدًا كَذَلِكَ فِيمَا كَانَ، وَكَذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ يَكُونُ، ‏وَكَذَلِكَ هُوَ الْآنَ لَمْ يَسْتَحْدِثْ عِلْمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَلَا قُوَّةً بَعْدَ قُوَّةٍ ‏لَمْ تَكُنْ فِيهِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ بِزِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ ‏مِنَ الْمُلْكِ وَالْعَظَمَةِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ فِيهِ، وَلَنْ يَزِيدَ أَبَدًا عَنْ شَيْءٍ كَانَ ‏عَلَيْهِ، إِنَّمَا يَزِيدُ مَنْ سَيَنْقُصُ بَعْدَ زِيَادَةٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ زِيَادَتِهِ نَاقِصًا، ‏وَإِنَّمَا يَزْدَادُ قُوَّةً مَنْ سَيَضْعُفُ بَعْدَ قُوَّتِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ زِيَادَتِهِ نَاقِصًا، ‏وَإِنَّمَا يَزْدَادُ عِلْمًا مَنْ سَيَجْهَلُ بَعْدَ عِلْمِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ جَاهِلًا، فَأَمَّا ‏الدَّائِمُ الَّذِي لَا نَفَادَ لَهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ خَالِقُ مَا يُرَى، وَمَا لَا يُرَى عَالِمُ ‏كُلِّ شَيْءٍ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاحِدُ فِي كُلِّ شَيْءٍ الْمُتَوَحِّدُ بِكُلِّ شَيْءٍ ‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهَ، وَرَاجِعٌ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَدْءُ ‏أَمْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ شَيْءٍ، فَيَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ ‏فَيَقْضِيَ عَلَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَرَّةً ثُمَّ كَانَ، إِنَّمَا ‏تِلْكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَيْسَت بِصِفَةِ الْخَالِقِ لِأَنَّهُ خَلَقَ وَلَمْ يَكُنْ *يُخْلَقُ، ‏وَبَدَأَ وَلَمْ *يُبْدَأْ، فَكَمَا لَمْ *يُبْدَأْ فَكَذَلِكَ لَا يَفْنَى، وَكَمَا لَا يَفْنَى وَلَا يَبْلَى، ‏فَكَذَلِكَ -وَعِزَّةِ وَجْهِهِ- لَمْ يَزَلْ رَبًّا، وَإِنَّمَا يَبْلَى وَيَمُوتُ مَنْ كَانَ قَبْلَ حَيَاتِهِ ‏مَيِّتًا... )اهـ. *بصيغة المبنيّ للمجهول.
وابن تيمية يقول: كلام الله أصواتٌ يستحدثها الله في ذاته ثم يبليها، وهذه عملية الولادة والإبلاء للأصوات في الله هي التي يقصدها ابن تيمية من قوله إن كلام الله فعل.
ومعنى كلام الماجشون: أن كلّ حادث مخلوق، وكل متغير ناقص مفتقر، والله لا يتصفُ بالحوادث، وكل ما قامت ‏به الصفات الحادثة فهو حادثٌ مثلها، وطريقته هي طريقة الأشاعرة وأهل السنة في الاحتجاج ‏على المجسمة في استحالة حدوث صفات الله تعالى.

‏8-وفيه عن محمد بن يحيى الذهليّ (258هـ)
أنه قال: (ومن زعم أنّ ‏القرآن محدثٌ فهو عندنا جهميّ لا يُشَكُّ فيه ولا يُمترى) اهـــ.
لأنه ليس في الله شيءٌ محدث.
والقول بالحدوث قولٌ بخلق الصفات، لا فرق بينهما، ولذلك عبر السلفعن غيرُ مخلوق بقولهم: (غيرُ محدَث)، فلا فرق بين من قال إن صفات الله خلق أو إحداث.

‏9-وفيه عن هشام بن عبيد الله الرازي (221هـ)
أنه قال: (القرآن كلام الله ‏غير مخلوق، فقال له رجل أليس الله يقول: "ما يأتيهم من ذكر من ربهم ‏محدث" فقال: محدث إلينا وليس عند الله بمحدث)اهــ
أما عند ابن تيمية وأتباعه فهو محدث، والمصيبة أنّه يلبس السلف مذهبه ويقول: السلف هم الذين قالوا بأنه محدث!
‏
‏10-(الحسين بن منصور السلمي233هـ)
روى عنه ابن عساكر في مجالسه أنه قال: (ألزم الكُلَّ الحدَثَ لأنّ القِدَمَ ‏وصفُه)اهــ. من "مجلس في تنزيه الله" ص80.
وقال: (كيف يحلُّ به ما منه بدأه، أو يعود إليه ما هو أنشأه؟)اهـ.
أي أنّ الله لا تحلُّ به الحوادث التي لوجودها بداية، وأنّ الأشياء التي ‏أوجدها وأنشأها لا تعود عليه أحكامُها... فتأمل دقة تعبيره رضي الله عنه.
‏
‏11-(عبد العزيز الكناني 240هـ)
قال في كتاب الحيدة: (لأن الله تبارك وتعالى لا يكون مكانا للحوادث ولا ‏يكون فيه شيء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد في شيء إذا خلقه) اهــ.
الكلام واضح، وهو مناقض تمام المناقضة لمعتقد ابن تيمية في حدوث ‏صفات الله، بل إن الجرأة في ابن تيمية تصلُ إلى أن ينقل هذا الكلام في ‏فتاويه ودرء تعارضه ثم يزعمُ بأن السلف يقولون بأن الله محل للحوادث!
‏
‏12-(أحمدُ بن حنبل 241هــ)
‏-وفي تذكرة الحفّاظ: (قلت: منع الإمامُ أحمدُ أن يدخل إليه داوود وبدّعه ‏لكونه قال: القرآن مُحدَث)اهـ.
‏-وفي السِّيَر: (وقال أبو إسماعيل الترمذيّ، سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: ‏من قال القرآن محدثٌ فهو كافر) اهــ.
لأن القرآن عند أحمد صفة معنى كالعلم، فالقول بحدوث صفة الكلام كالقول بحدوث العلم، وعدم العلم ثم حدوثه مثل مثل عدم الكلام ثم حدوثه، اتهامٌ لله بالنقص.
وقال: (من قال إنّ الله عز وجل لم يكن موصوفا حتى وصفه الواصفون ‏فهو بذلك خارجٌ عن الدين)اهــ. ط.ح.
يعني أنّ صفاته تعالى قديمة لم تحدث بعد أن لم تكن، فالله متصفٌ بها قبل ‏وجود المخلوقات، وذلك لأنّ: (الله تعالى لم يلحقه تغيرٌ ولا تبدُّل، ولا ‏تلحقه الحدودُ قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش)اهـ. من طبقات ‏الحنابلة.
وبما أنّ الصفات لا تنفكّ عن الذات، وأنّ الخلق والحدوث عنده بمعنى ‏واحد، فقد روي عنه أنه سُئل: (ما تقول فيمن قال إن أسماء الله عز وجل ‏محدثه؟ فقال: كافر. ثم قال لي (الله) من أسمائه فمن قال أنها محدثة فقد ‏زعم أن الله تبارك تعالى مخلوق)اهـ، من السنة المنسوب لعبد الله بن ‏أحمد.
فعلى مذهب أحمد، الذي يقول بأن صفات الله حادثة يلزمه أنّ الله مخلوق، ‏وأنّ الذي يتصف بصفات حادثة فهو متصفٌ بصفات مخلوقة.
وفي كلامه عن الصفات قال: (ليست أعراضا ولا أجساما، لأنه قد ثبت أن ‏الموصوف ليس بعرض ولا جسم)اهــ.
أي إنّ الذي يتصفُ بالصفة يأخذ حكمها، فإن كانت حادثة فهو حادثٌ بها، ‏وكل حادث مخلوق.
والدليلُ على أنّ الذات حكمها حكم صفاتها ما رواه البيهقي في الاعتقاد ‏عن النبي (ص) أنه قال: (" وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ ‏عَلَى خَلْقِهِ "
قَالَ الْأُسْتَاذُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَمَّا كَانَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنَّهُ ‏قَدِيمٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، كَانَ مِنْ فَضْلِ كَلَامِهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ غَيْرُ ‏مَخْلُوقٍ)اهــ.
وعندما احتجّ المعتزلة على أحمد بن حنبل بهذه الآية {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ‏مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يقصدون بالمحدث المخلوق، قال: (قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ‏تَنْزِيلُهُ إِلَيْنَا هُوَ الْمُحْدَثُ لَا الذِّكْرُ نَفْسُهُ هُوَ الْمُحْدَثُ) رواه البيهقي في ‏الأسماء والصفات وفي الاعتقاد تحت عنوان: (بَابُ الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ ‏الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ ‏يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ مَخْلُوقًا وَلَا مُحْدَثًا وَلَا حَادِثًا)اهــ
فإذا كان المعتزلة يقولون له: (القرآنُ محدَثٌ مخلوق) وهو يقول لهم ‏‏(المُحدث المخلوق هو النزول وليس هو)، فكلامُ الله عنده ليس بمُحدَثٍ، ‏فلذلك قال ليس القرآن مخلوقا وإنما المخلوق هو النزول.
وفي مناظرة المعتزلة لأحمد التزمَ فيها أحمدُ بن حنبل بأنّ المحدَثَ هو ‏المخلوق، فقد جاء في ذكر محنته لحنبل بن إسحاق، أنّ عبد الرحمن بن ‏إسحاق سأله: ( "ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدثٍ" أفيكونُ مُحدَثٌ إلا ‏مخلوقا؟ فقلتُ له: قال الله عز وجلّ: "ص والقرآن ذي الذكر" فالذكرُ هو ‏القرآن، وتلك ليس فيها ألفٌ ولام)اهــ ص46، وكذلك رواها بنحوها عن ‏حنبل عن عمه هكذا.
فإلزامُ المعتزلة هكذا: النقل يقول القرآن محدث، وكلّ محدَثٍ مخلوق.
أما أحمدُ: فلمّا سألوه (أفيكونُ مُحدَثٌ إلا مخلوقا؟)، لو كان مذهبه كما ‏يزعمُ ابن تيمية أن المحدَثَ ليس مخلوقا لقالَ: لا ليس كلّ مُحدَثٍ ‏مخلوق، ولكنه لم يقل ذلك لأنه ليس من مذهبه أن المحدَث ليسَ مخلوقا بل ‏المُحدَثُ مخلوقٌ عنده، وإنما كان اعتراضه على: (النقل يقول القرآن ‏محدث)، فالنقلُ لم يقل القرآن هوَ المُحدَث بل الإتيانُ به (عمليَّةُ تنزيله) هو ‏المُحدث، قَالَ البيهقيُّ: (وَهَذَا الَّذِي أَجَابَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ‏ظَاهِرٌ فِي الْآيَةِ، وَإِتْيَانُهُ: (تَنْزِيلُهُ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ الَّذِي أَتَى بِهِ)، وَالتَّنْزيلُ ‏مُحْدَثٌ، وَقَدْ أَجَابَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ)اهــ.
إذن، فمذهبُ أحمد هو أنّ كلّ مُحدَث مخلوق.
‏
‏13-(الحارث بن أسد المحاسبي 243هــ)
قال في كتابه فهم القرآن ومعانيه: (والله جلّ ذكره لا تحدُثُ فيه الحوادث) ‏اهـ ص340، دار الفكر.
وقال: (جلّ الله عن الحوادث في نفسه) اهــ
وقال: (فكيف بالإله الواحد القهّار الذي يعلم عواقب الأمور كلها ولا تبدو ‏له البداوات ولا تحلُّ به الحوادث ولا يعقبه الزيادة والنقصان)اهـ ص ‏‏363.
فالمحاسبي يمنع قيام الحوادث بالله، وكذلك يقول بأن الحوادث متعلقة ‏بإرادة الله، وهذا مذهب أهل السنة الأشاعرة.
ولو كان كلامه متعلقا بإرادته لكان مخلوقًا.
‏
‏14-(البخاري256هـ)
وقد أكّد أبو عبد الله البخاري هذا المعنى فقال في خلق الأفعال: "وَأَمَّا ‏الْفِعْلُ مِنَ الْمَفْعولِ، فَالْفِعْلُ إِنَّمَا هُوَ إِحْدَاثُ الشَّيْءِ، وَالْمَفْعولُ هُوَ ‏الْحَدَثُ"اهـ
والمفعول عنده هو المخلوق، ولذلك قال بعدها مباشرة: (فَالسَّموَاتُ ‏وَالْأَرْضُ مَفْعولُهُ) اهـ. لأنها مُحدَثة وحادثة.
والتيميون يزعمون أن آحاد الكلام قائمة بالله، ومفعولة بفعله! ثم يزعمون أن هذا مذهب البخاري.
وقد رأيتُ الكثيرَ من الوهّابية ككاملة الكواري وسَفَر الحوالي- يتخبّطون ‏في كلام البخاريّ هذا ويفهمونه على غير ما أراد، حيثُ وقعوا في ‏تناقضات عند تفسيرهم لكلامه وناقضوه ببعضه كي يلووه إلى ما يؤيّد ‏مذهبهم في حدوث صفات الله، فأتوا بالعجائب.
‏
‏15-(محمد بن جرير الطبري 310هــ)
قال في مقدمة تاريخه: (وكان ما لم يخل من الحدث لا شك أنه ‏محدث)اهـ.
وقال فيه: (فلم يزده خلقه إياهم- إذ خلقهم- في سلطانه على ما لم يزل قبل ‏خلقه إياهم مثقال ذرة، ولا هو إن أفناهم واعدمهم ينقصه افناؤه إياهم ‏ميزان شعره، لأنه لا تغيره الأحوال، ولا يدخله الملال، ولا ينقص ‏سلطانه الأيام والليال)اهـــ.
وفي تفسيره: (وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ بِوَصْفِهَا بِذَلِكَ التَّغَيُّرِ ‏وَالتَّنَقُّلِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَحُدُوثِ التَّبَدُّلِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْآدَمِيِّينَ ‏وَسَائِرِ خَلْقِهِ غَيْرَهُمْ) اهـ.
فالتبدل والتغير لا يكون إلا للمخلوقات.
‏
‏16-(أبو إسحاق الزّجّاج 311هـ)
قال في معاني القرآن: ((قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)
أي لا أحب من كانت حالته أن يطلع وَيسِير على هيئةٍ يُتبين معها أنه ‏محدَث منتقل من مكان إلى مكان، كما يَفْعَلُ سائرُ الأشياءِ التي أجمعتم ‏معي على أنها ليست بآلهة )اهـ.
فهذا اللغويّ يفهم من الآية أنها تدلّ على امتناع الألوهية ‏لمن هو متغير متصف بالحوادث.