بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله وَ الصلاة و السـلام على سَـيِّدِنا وَ مَولانا مُحَمَّدٍ رَسُـولِ الله وَ على آلِهِ وَ صَحْبِهِ وَ مَنْ والاه .

أمّا بَعْدُ فقَد رأيْتُ أنْ نستفيدَ مِنْ رِسـالَةٍ أجَبْنا بِها بَعْضَ الإِخوة الفُضَلاء مِنْ رُوّادِ منتدانا الكريم حَفِظَهُ اللهُ وَ أهلَهُ .. قُلْنا لهُ : "
أخانا العزيز ريثما يتيسّـرُ تفصيل الجواب على وجهه من سادتنا العلماء الفضلاء ، ترجُو منكم أختُكم الأمةُ الضعيفة هذه أنْ تَتَأَمَّلُوا في هذه العُجالة المُختصَرة التالية ، فأنّها تُشـيرُ إلى خُلاصة القول و يتبيّن منها عدم التضارب في قول أهل السـُنّة ... بل يَحرُم عند جميع أهل السُنّة إطلاق عبارة :" القرآن مخلوق " سـواءً بطريقة مباشرة أوْ غير مباشرة ... لا خلاف في ذلك بين السـادة الأشـاعرة و الماتريديّة وَ فضلاء الحنابلة وَ مُهتَدي الصوفيّة ، وَ هؤلاء هم جمهور أهل السُـنّة قاطبةً :
" كَلام الله عزَّ وَ جَلّ يُطلَقُ وَ يُرادُ بِه :
1- أوَّلاً : الكَلامُ الأزليّ الأَبَديّ الذاتِيُّ الذي هُو صِفَةُ الباري عزَّ وَ جل حقيقةً لا مَجازاً ، الذي لا يُشبِهُ كَلامَ أَحَدٍ من المَخلُوقينَ ، لِقَولِهِ تعالى { وَ كَلَّمَ اللهُ مُوسى تكليماً } ( هُنا المقصود بِإجماع : إزالَة الحِجابِ المانع مِنْ سَماع كلامِهِ الذاتِيّ عن سـمع سيّدنا موسى الكليم عليه السلام فسَـمِعَهُ مُنَزَّهاً عن كيفيّات جميع المخلُوقين ) ،
وَ 2 ثانياً : نَصُّ القُرآن الكريم المُنزَل الذي سَـمعَهُ سـيّدُنا جبريل عليه السلام من الله تعالى بلا واسطة وَ مُنَزّهاً عن الكيفيّة ، ثُمَّ ذهب بأمر الله تعالى إلى أُمّ الكتاب وَ وَجَدَهُ مَكتُوباً بِقُدرَةِ الله تعالى في اللوح المحفُوظ وَ نَزَلَ بِهِ (سـيّدنا جبريل عليه السلام) بِأَمرِ الله تعالى في ليلَةِ القَدرِ من اللوح المحفوظ إلى بيتِ العِزَّةِ من السماءِ الدُنيا (في أعلاها) ثُمَّ قَرَأَهُ (سـيّدنا جبريل عليه السلام) على سـيّدنا محمد (صلّى الله عليه وَ سَلَّم) وَحياً من الله عزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ سـيّدنا رسول الله بَلَّغنا إيّاهُ بتمامِهِ ، وَ هُو هذا الموجُودُ معنا اليوم في المصاحف و القلوب بلا زيادةٍ و لا نُقصان ، لِأَنَّهُ أيضاً ليس من تَأْليف سـيّدنا جبريل عليه السلام و لا من تأليف حضرة النبيّ المصطفى سيّدنا محمّد عليه الصلاة و السلام بل هُوَ أيضاً خِطابُ تَكلِيفٍ منه تعالى لِلمُكَلَّفينَ من الجِنّ وَ الإنس ، (وَ تشـريف للمَلائِكَة الكرام على ما قال به جمعٌ من فُضَلاء المُحَقّقين) ، لقولِهِ عزَّ وَ جلّ { نزل به الروحُ الأمين على قَلبِكَ لتكونَ من المُنذِرينَ بِلسانٍ عربيٍّ مبين} وَ قولِهِ تعالى { وَ إِنْ أَحَدٌ من المُشرِكين استجارَكَ فَأَجِرْهُ حتّى يَسمَعَ كَلامَ اللهِ ...}الآيَة.(و المقصود هُنا بإجماعٍ أيضاً: سَـماعُهُ تِلاوَتَنا نحنُ لِلنَصّ المُنزَل) وَ إلاّ لما كان لسـيّدنا موسى مِيْزَةٌ في هذا (حاشاهُ) لو سـاواهُ واحِدٌ من المُشرِكين في تخصيصِهِ بسـماع الكلام الذاتيّ الأزليّ [الذي هو صفة الباريء عزّ وَ جلّ] كما يزعُمُ الحُلُولِيّة وَ أتباعُهُم الوهّابيّة في هذه المسألة ، إذ تخبّطهم في تفسـيرهم قول السلَف :" القرآنُ في قُلُوبِنا وَمصاحفنا و ألسـنتنا ... " بِأَ نَّ عيْنَ الصفة الذاتيّة حلّت في هذه الأشـياء المخلوقة يَلزَمُ مِنهُ القول بِــ : تَجَزُّؤ الواحد الأَحَد الفرد الصمد وَ حُلُوله في خلقِه ، تعالى عن ذلك ، أو إذا احترق مُصحَفٍ أن يَقُولوا فني كلام الله أو نقص أو زالَ وَصفُ الله أو احترق الإله - تعالى الله عن ذلك علُوّاً كبيراً ـ وَ هي عقيدةٌ قريبَةُ من عقيدة عُبّاد العجل الذي حَرَّقَهُ سـيّدُنا مُوسى عليه السلام وَ نَسَـفَهُ في البَحرِ نَسْـفاً) ...
وَ ليس من الأَدَب الخَوضُ في مباحث العِبارَة و اللفظ و التلاوة وَ المَتلُوّ وَ لا يتعيّن ذلك إلاّ بِقَدرِ ضرورة التعليم ، فَأَحياناً لا بُدّ من هذا التفصيل لإِزاحَةِ شُـبَهِ المَشَبّهةِ وَ المُجَسّمَةِ الحُلُولِيّةِ وَ تلبيساتِ نُفاة صفة الكلام الذاتِيّ من المُعتَزِلَة وَ الجَهْمِيّة وَ أشْـباهِهِم من المُبْتَدِعِين أهلِ الأَهواءِ الضالّة ... فَإِنَّ الوهّابيّة اليوم بِجُمودِهم وَ عِنادِهم يُمَوّهُونَ بِضَربِ النُصُوص بعضها بِبَعضِ وَ يُخَرّبون عُقُولَ العَوامّ بِتهوين وَصف الخالق تعالى بمعاني البشريّة وَ التغيّر المنافي للأزلِيّة وَ يُهَوّلُونَ عليهم كثيراً و لا يسـتحيون مِنْ افترائهم بزعم أَنّ القول بِحُلُولَ عَيْنِ الكلامِ الذاتِيّ الأزَلِيّ فينا نحن المخلوقين هو اعتقادُ السـلف الصالح وَ سائر أهل السُنّة حاشاهُم ثُمَّ يُشْـلُونَ هؤلاء الطغام من العوامّ على فُضَلاء المُسـلِمين وَ السادة العلماء الأَعلام المُكَرَّمِين .
وَ كذلك المعتزلة لمّا لم يَفهَمُوا هذا التفصيل أنكَرُوا أن يكُونَ للهِ تعالى كلامٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ هو صفَةٌ لِذاتِهِ العظيم الأَزَليّ الأقدَس ، وَ قالوا لا كلامَ لله إِلاّ ما يخلُقُهُ في غيرِهِ من مَلَك أو شجرة أو نارٍ أو غمامَة (سـحابة) أو هَواء أو نبيّ أو تالٍ إِنسِيّ أو جنّيّ أو غير ذلك ... تعالى اللهُ عمّا يَقُولُ الظالِمُونَ عُلُوَّاً كبيراً ...
و اللهُ تعالى أعلَمُ وَ أَحكَمُ وَ هُو المُوَفّقُ وَ المُعين ... " إهـ . ما نقلناه مِنْ جوابنا قبل نحو خَمْسِ سَـنوات . و الحمد لله على توفيقِهِ وَ تثبِيتِهِ لنا على الحقّ .

.