حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـظ°نِهِمْ ثُمَّ ظ±زْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ظ±لضَّالُّونَ } أما ازدادوا كفراً: فماتوا وهم كفـار، وأما لن تقبل توبتهم: فعند موته إذا تاب لـم تقبل توبته.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الآية قول من قال: عنى بها الـيهودَ، وأن يكون تأويـله: إن الذين كفروا من الـيهود بـمـحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيـمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفراً بـما أصابوا من الذنوب فـي كفرهم ومقامهم علـى ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التـي أصابوها فـي كفرهم، حتـى يتوبوا من كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي هذه الآية بـالصواب، لأن الآيات قبلها وبعدها فـيهم نزلت، فأولـى أن تكون هي فـي معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت فـي سياق واحد. وإنـما قلنا: معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا فـي كفرهم من الـمعاصي، لأنه جلّ ثناؤه قال: { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } فكان معلوماً أن معنى قوله: { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } إنـما هو معنـيّ به: لن تقبل توبتهم مـما ازدادوا من الكفر علـى كفرهم بعد إيـمانهم، لا من كفرهم، لأن الله تعالـى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عبـاده، فقال:

{ وَهُوَ ظ±لَّذِى يَقْبَلُ ظ±لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ }
[الشورى: 25] فمـحال أن يقول عزّ وجلّ أقبل، ولا أقبل فـي شيء واحد. وإذ كان ذلك كذلك، وكان من حكم الله فـي عبـاده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب، وكان الكفر بعد الإيـمان أحد تلك الذنوب التـي وعد قبول التوبة منها بقوله: { إِلاَّ ظ±لَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ظ±للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } علـم أن الـمعنى الذي لا تقبل التوبة منه، غير الـمعنى الذي تقبل التوبة منه. وإذ كان ذلك كذلك، فـالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد علـى الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام علـى كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملاً ما أقام علـى شركه وضلاله، فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلـح، فإن الله كما وصف به نفسه، غفور رحيـم.

فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون معنى ذلك، كما قال من قال: فلن تقبل توبتهم من كفرهم عند حضور أجله، أو توبته الأولـى؟ قـيـل: أنكرنا ذلك لأن التوبة من العبد غير كائنة إلا فـي حال حياته، فأما بعد مـماته فلا توبة، وقد وعد الله عزّ وجلّ عبـاده قبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم فـي أجسادهم، ولا خلاف بـين جميع الـحجة فـي أن كافراً لو أسلـم قبل خروج نفسه بطرفة عين أن حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه والـموارثة، وسائر الأحكام غيرها، فكان معلوماً بذلك أن توبته فـي تلك الـحال لو كانت غير مقبولة، لـم ينتقل حكمه من حكم الكفـار إلـى حكم أهل الإسلام، ولا منزلة بـين الـموت والـحياة يجوز أن يقال لا يقبل الله فـيها توبة الكافر، فإذا صحّ أنها فـي حال حياته مقبولة، ولا سبـيـل بعد الـمـمات إلـيها، بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الأجل.

وأما قول من زعم أن معنى ذلك التوبة التـي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له، لأن الله عزّ وجلّ لـم يوصف القوم بإيـمان كان منهم بعد كفر، ثم كفر بعد إيـمان، بل إنـما وصفهم بكفر بعد إيـمان، فلـم يتقدم ذلك الإيـمان كفر كان للإيـمان لهم توبة منه، فـيكون تأويـل ذلك علـى ما تأوله قائل ذلك، وتأويـل القرآن علـى ما كان موجوداً فـي ظاهر التلاوة إذا لـم تكن حجة تدلّ علـى بـاطن خاصّ أولـى من غيره وإن أمكن توجيهه إلـى غيره.