{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمة عن الأعمش، قال: هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبـي؟. وقال سعيد بن جبـير: هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة.

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلـين رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمسائل، كمسئلة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسئلة سائله إذ قال: " إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَـيْكُمْ الـحَجَّ " أفـي كلّ عام؟ وما أشبه ذلك من الـمسائل، لتظاهر الأخبـار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويـل، وأما القول الذي رواه مـجاهد عن ابن عبـاس، فقول غير بعيد من الصواب، ولكن الأخبـار الـمتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك. علـى أنه غير مستنكر أن تكون الـمسألة عن البحيرة والسائبة والوصيـلة والـحام كانت فـيـما سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم عنه من الـمسائل التـي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم الـمسألة عن الـحجّ، أكلّ عام هو أم عاماً واحداً؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبـيه، فنزلت الآية بـالنهي عن الـمسائل كلّها، فأخبر كلّ مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجل غيره. وهذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصحة، لأن مخارج الأخبـار بجميع الـمعانـي التـي ذُكرت صحاح، فتوجيهها إلـى الصواب من وجودها أوْلـى.
...

وأما قوله: { عَفـا اللَّهُ عَنْها } فإنه يعنـي به: عفـا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التـي سألتـم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها، أن يؤاخذكم بها، أو يعاقبكم علـيها، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم. { وَاللَّهُ غَفُورٌ } يقول: والله ساتر ذنوب من تاب منها، فتارك أن يفضحه فـي الآخرة { حَلِـيـمٌ } أن يعاقبه بها لتغمده التائب منها برحمته وعفوه، عن عقوبته علـيها.