وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين { يا بشرى } بارسال الياء وترك الاضافة وإذا قرىء ذلك كذلك احتمل وجهين من التأويل أحدهما ما قاله السدى وهو أن يكون اسم رجل دعاه المستقى باسمه كما يقال يا زيد ويا عمرو فيكون بشرى في موضع رفع بالنداء والآخر أن يكون أراد اضافة البشرى إلى نفسه فحذف الياء وهو يريدها فيكون مفراداً وفيه نية الاضافة كما تفعل العرب في النداء فتقول يا نفس اصبري ويا نفسي اصبري ويا بني لا تفعل ويا بني لا تفعل فتفرد وترفع وفيه نية الاضافة وتضيف أحيانا فتكسر كما تقول يا غلام أقبل ويا غلامي أقبل وأعجب القراءة في ذلك الى قراءة من قرأه بارسال الياء وتسكينها لأنه ان كان اسم رجل بعينه كان معروفا فيهم كما قال السدى فذلك هي القراية الصحيحة لا شك فيها وان كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرىء كذلك على ما بينت وأما التشديد والاضافة في الياء فقراءة شاذة لا أرى القراءة بها وإن كانت لغة معروفة لاجماع الحجة من القراء على خلافها...

وأولى هذه الاقوال بالصواب قول من قال وأسر وارد القوم المدلى دلوه ومن معه من أصحابه من رفقته السيارة أمر يوسف أنهم اشتروه خيفة منهم أن يستشركوهم وقالوا لهم هو بضاعة أبضعها معنا أهل الماء وذلك أنه عقيب الخبر عنه فلأن يكون ما وليه من الخبر خبراً عنه أشبه من أن يكون خبراً عمن هو بالخب عنه غير متصل وقوله { والله عليم بما يعملون } يقول تعالى ذكره والله ذو عليم بما يعمله باعة يوسف ومشتروه في أمره لا يخفى عليه من ذلك شيء ولكنه ترك تغيير ذلك ليمضى فيه وفيهم حكمة السابق في علمه وليرى اخوة يوسف ويوسف وأباه قدرته فيه وهذا وإن كان خبرا من الله تعالى ذكره عن يوسف نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه تذكير من الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وتسلية منه له عما كان يلقى من أقر بائه وأنسبائه المشركين من الاذى فيه يقول له فاصبر يا محمد على ما نالك في الله فأنى قادر على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون كما كنت قادراً على تغيير ما لقي يوسف من إخوته في حال ما كانوا يفعلون به ما فعلوا ولم يكن تركي ذلك لهو ان يوسف على ولكن ماضي علمي فيه وفي إخوته فكذلك تركي تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك على ولكن لسابق علمي فيك وفيهم ثم يصير أمرك وأمرهم إلى علوك عليهم وإذعانهم لك كما صار أمر إخوة يوسف إلى الاذعان ليوسف بالسؤدد عيهم وعلو يوسف عليهم....

وقال آخرون: بل عنـي بقوله: { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } السيارة أنهم بـاعوا يوسف بثمن بخس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } وهم السيارة الذين بـاعوه.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك: وشرى إخوة يوسف يوسف بثمن بخس، وذلك أن الله عزّ وجلّ قد أخبر عن الذين اشتروه أنهم أسرّوا شراء يوسف من أصحابهم خيفة أن يستشركوهم بـادعائهم أنه بضاعة، ولـم يقولوا ذلك إلا رغبة فـيه أن يخـلص لهم دونهم واستر خاصاً لثمنه الذي ابتاعه به، لأنهم ابتاعوه كما قال جلّ ثناؤه { بِثَمَنٍ بَخْسٍ }.

ولو كان مبتاعوه من إخوته فـيه من الزاهدين لـم يكن لقـيـلهم لرفقائهم هو بضاعة معنى، ولا كان لشرائهم إياه وهم فـيه من الزاهدين وجه، إلا أن يكونوا كانوا مغلوبـاً علـى عقولهم لأنه مـحال أن يشترى صحيح العقل ما هو فـيه زاهد من غير إكراه مكره له علـيه، ثم يكذب فـي أمره الناس بأن يقول: هو بضاعة لـم أشتره مع زهده فـيه، بل هذا القول من قول من هو بسلعته ضنـين لنفـاستها عنده، ولـما يرجو من نفـيس الثمن لها وفضل الربح....