صفحة 35 من 75 الأولىالأولى ... 2531323334353637383945 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 511 إلى 525 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #511
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَإذَا قَرأتَ القُرآنَ جَعَلْنا بَـيْنَكَ وبـينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخرة حِجابـاً مَسْتُوراً } الـحجاب الـمستور أكنة علـى قلوبهم أن يفقهوه وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطان فـاستـحوذ علـيهم.

    حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { حِجابـاً مَسْتُوراً } قال: هي الأكنة.

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَإذَا قَرأتَ القُرآنَ جَعَلْنا بَـيْنَكَ وبـينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ حِجابـاً مَسْتُوراً } قال: قال أُبـيّ: لا يفقهونه، وقرأ
    { قُلُوبُهُمْ فِـي أكِنَّةٍ وفِـي آذَانِهِمْ وَقْرٌ }
    فهم لا يخـلص ذلك إلـيهم.

    وكان بعض نـحويـيِّ أهل البصرة يقول: معنى قوله { حِجابـاً مَسْتُوراً } حِجابـاً ساتراً، ولكنه أخرج وهو فـاعل فـي لفظ الـمفعول، كما يقال: إنك مشئوم علـينا وميـمون، وإنـما هو شائم ويامن، لأنه من شأمهم ويـمنهم. قال: والـحجاب ههنا: هو الساتر. وقال: مستوراً. وكان غيره من أهل العربـية يقول: معنى ذلك: حجابـاً مستوراً عن العبـاد فلا يرونه.

    وهذا القول الثانـي أظهر بـمعنى الكلام أن يكون الـمستور هو الـحجاب، فـيكون معناه: أن لله ستراً عن أبصار الناس فلا تدركه أبصارهم، وإن كان للقول الأوّل وجه مفهوم.

  2. #512
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    يقول تعالى ذكره: وجعلنا علـى قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بـالآخرة عند قراءتك علـيهم القرآن أكنة وهي جمع كِنان، وذلك ما يتغشَّاها من خِذلان الله إياهم عن فهم ما يُتلـى علـيهم { وفِـي آذانِهمْ وَقْرا } يقول: وجعلنا فـي آذانهم وقراً عن سماعه، وصمـماً. والوَقر بـالفتـح فـي الأذن: الثقل. والوِقر بـالكسر: الـحِمْل. وقوله: { وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فـي القُرْآنِ وَحْدَهُ } يقول: وإذا قلت: لا إله إلا الله فـي القرآن وأنت تتلوه { وَلَّوْا علـى أدْبـارِهِمْ نُفُوراً } يقول: انفضوا، فذهبوا عنك نفوراً من قولك استكبـاراً له واستعظاماً من أن يوحِّد الله تعالـى. وبـما قلنا فـي ذلك، قال بعض أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِـي القُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا } وإن الـمسلـمين لـما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك الـمشركون وكبرت علـيهم، فصافها إبلـيس وجنوده، فأبى الله إلا أن يـمضيها وينصرها ويفلـجها ويظهرها علـى من ناوأها، إنها كلـمة من خاصم بها فلـج، ومن قاتل بها نُصِر، إنـما يعرفها أهل هذه الـجزيرة من الـمسلـمين، التـي يقطعها الراكب فـي لـيال قلائل ويسير الدهر فـي فِئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرّون بها.

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِـي القُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا علـى أدْبـارِهِمْ نُفُوراً } قال: بغضا لـما تكلـم به لئلا يسمعوه، كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم فـي آذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به من الاستغفـار والتوبة، ويستغشُون ثـيابهم، قال: يـلتفون بثـيابهم، ويجعلون أصابعهم فـي آذانهم لئلا يسمعوا ولا يُنظر إلـيهم.

    وقال آخرون: إنـما عُنِـي بقوله { وَلَّوْا علـى أدْبـارِهِمْ نُفُوراً } الشياطين، وإنها تهرب من قراءة القرآن، وذكر الله. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي الـحسين بن مـحمد الذارع، قال: ثنا روح بن الـمسيب أبو رجاء الكلبـي، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { وَإذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِـي القُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلـى أدْبـارِهِمْ نُفُوراً } هم الشياطين.

    والقول الذي قلنا فـي ذلك أشبه بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله تعالـى أتبع ذلك قوله
    { وَإذَا قَرأتَ القُرآنَ جَعَلْنا بَـيْنَكَ وبـينَ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بـالآخِرِةِ حِجابـاً مَسْتُوراً }
    فأن يكون ذلك خبراً عنهم أولـى إذ كان بخبرهم متصلاً من أن يكون خبراً عمن لـم يجز له ذكر. وأما النفور، فإنها جمع نافر، كما القعود جمع قاعد، والـجلوس جمع جالس وجائز أن يكون مصدراً أخرج من غير لفظه، إذ كان قوله { وَلَّوْا } بـمعنى: نفروا، فـيكون معنى الكلام: نفروا نفورا، كما قال امرؤ القـيس:
    وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ أيَّ إذْلالِ
    إذا كان رُضْت بـمعنى: أذللت، فأخرج الإذلال من معناه، لا من لفظه.

  3. #513
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره قال: { أوْ خَـلْقاً مـمَّا يَكْبُرُ فِـي صُدُورِكُمْ } ، وجائز أن يكون عنى به الـموت، لأنه عظيـم فـي صدور بنـي آدم وجائز أن يكون أراد به السماء والأرض وجائز أن يكون أراد به غير ذلك، ولا بـيان فـي ذلك أبـين مـما بـين جلَّ ثناؤه، وهو كلّ ما كبر فـي صدور بنـي آدم من خـلقه، لأنه لـم يخصص منه شيئاً دون شيء...

  4. #514
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقال آخرون: معنى ذلك: فتستـجيبون بـمعرفته وطاعته. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَـجِيبُونَ بِحَمْدِهِ }: أي بـمعرفته وطاعته.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: معناه: فتستـجيبون لله من قبوركم بقدرته، ودعائه إياكم. ولله الـحمد فـي كلّ حال، كما يقول القائل: فعلت ذلك الفعل بحمد الله، يعنـي: لله الـحمد عن كلّ ما فعلته، وكما قال الشاعر:
    فإنّـي بِحَمْد الله لا ثَوْبَ فـاجِرٍ لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
    بـمعنى: فإنـي والـحمد لله لا ثوب فـاجر لبست.

  5. #515
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمشركين من قريش الذين قالوا
    { أئِذَا كُنَّا عِظاماً وَرُفـاتاً أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ خَـلْقاً جَدِيداً }
    { رَبُّكُمْ } أيها القوم { أعْلَـمُ بِكُمْ إنْ يَشأْ يَرْحَمُكُمْ } فـيتوب علـيكم برحمته، حتـى تنـيبوا عما أنتـم علـيه من الكفر به وبـالـيوم الآخر { وَإنْ يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ } بأن يخذلكم عن الإيـمان، فتـموتوا علـى شرككم، فـيعذّبكم يوم القـيامة بكفركم به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن عبد الـملك بن جريج قوله: { رَبُّكُمْ أعْلَـمُ بِكُمْ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ } قال: فتؤمنوا { أوْ إنْ يَشأْ يُعَذّبْكُمْ } فتـموتوا علـى الشرك كما أنتـم.

  6. #516
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: كان ابن عبـاس يقول فـي قوله: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلـى رَبِّهِمُ الوَسِيـلَةَ } قال: هو عُزير والـمسيح والشمس والقمر.

    وأولـى الأقوال بتأويـل هذه الآية قول عبد الله بن مسعود الذي رويناه، عن أبـي معمر عنه، وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر عن الذين يدعوهم الـمشركون آلهة أنهم يبتغون إلـى ربهم الوسيـلة فـي عهد النبـيّ صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن عُزيراً لـم يكن موجوداً علـى عهد نبـينا علـيه الصلاة والسلام، فـيبتغي إلـى ربه الوسيـلة وأن عيسى قد كان رُفع، وإنـما يبتغي إلـى ربه الوسيـلة من كان موجوداً حياً يعمل بطاعة الله، ويتقرّب إلـيه بـالصالـح من الأعمال.

    فأما من كان لا سبـيـل له إلـى العمل، فبـم يبتغي إلـى ربه الوسيـلة. فإذ كان لا معنى لهذا القول، فلا قول فـي ذلك إلا قول من قال ما اخترنا فـيه من التأويـل، أو قول من قال: هم الـملائكة، وهما قولان يحتـملهما ظاهر التنزيـل. وأما الوسيـلة، فقد بـيَّنا أنها القربة والزلفة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: الوسيـلة: القربة.

    حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: الوسيـلة، قال: القربة والزلفـى.

  7. #517
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقال آخرون مـمن قال: هي رؤيا منام: إنـما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى فـي منامه قوما يعلون منبره. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن مـحمد بن الـحسن بن زبـالة، قال: ثنا عبد الـمهيـمن بن عبـاس بن سهل بن سعد، قال: ثنـي أبـي، عن جدّي، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـي فلان ينزون علـى منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استـجمع ضاحكا حتـى مات. قال: وأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك { وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التـي أرَيْناكَ إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ }... الآية.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من الآيات والعبر فـي طريقه إلـى بـيت الـمقدس، وبـيت الـمقدس لـيـلة أُسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك فـي أوّل هذه السورة.

    وإنـما قُلنا ذلك أولـى بـالصواب، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن هذه الآية إنـما نزلت فـي ذلك، وإياه عنى الله عزّ وجلّ بها، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: وما جعلنا رؤياك التـي أريناك لـيـلة أسرينا بك من مكة إلـى بـيت الـمقدس، إلاَّ فتنة للناس: يقول: إلا بَلاء للناس الذين ارتدّوا عن الإسلام، لـمَّا أُخبروا بـالرؤيا التـي رآها علـيه الصلاة والسلام، وللـمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تـمادياً فـي غيهم، وكفراً إلـى كفرهم، كما:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إلاَّ فِتْنَةً للنَّاسِ }.
    ..

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله { والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ فِـي القُرآنِ } الزقوم التـي سألوا الله أن يـملأ بـيوتهم منها. وقال: هي الصَّرَفـان بـالزبد تتزقمه، والصرفـان: صنف من التـمر. قال: وقال أبو جهل: هي الصرفـان بـالزبد، وافتتنوا بها.

    وقال آخرون: هي الكَشُوث. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مـحمد بن إسماعيـل بن أبـي فديك، عن ابن أبـي ذئب، عن مولـى بنـي هاشم حدثه، أن عبد الله بن الـحارث بن نوفل، أرسله إلـى ابن عبـاس، يسأله عن الشجرة الـملعونة فـي القرآن؟ قال: هي هذه الشجرة التـي تلوي علـى الشجرة، وتـجعل فـي الـماء، يعنـي الكشوثـي.

    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب عندنا قول من قال: عنى بها شجرة الزقوم، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى ذلك. ونصبت الشجرة الـملعونة عطفـاً بها علـى الرؤيا. فتأويـل الكلام إذن: وما جعلنا الرؤيا التـي أريناك، والشجرة الـملعونة فـي القرآن إلاَّ فتنة للناس، فكانت فتنتهم فـي الرؤيا ما ذكرت من ارتداد من ارتدّ، وتـمادِي أهل الشرك فـي شركهم، حين أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما أراه الله فـي مسيره إلـى بـيت الـمقدس لـيـلة أُسريَ به. وكانت فتنتهم فـي الشجرة الـملعونة ما ذكرنا من قول أبـي جهل والـمشركين معه: يخبرنا مـحمد أن فـي النار شجرة نابتة، والنار تأكل الشجر فكيف تنبت فـيها؟

  8. #518
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله { وَاسْتَفْزِز مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } قال: بـاللهو والغناء.

    حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثا يذكر، عن مـجاهد، فـي قوله: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } قال: اللعب واللهو.

    وقال آخرون: عنى به { واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ } بدعائك إياه إلـى طاعتك ومعصية الله. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي علـيَّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } قال: صوته كلّ داع دعا إلـى معصية الله.

    حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } قال: بدعائك.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة أن يقال: إن الله تبـارك وتعالـى قال لإبلـيس: واستفزز من ذرّية آدم من استطعت أن تستفزّه بصوتك، ولـم يخصص من ذلك صوتاً دون صوت، فكل صوت كان دعاء إلـيه وإلـى عمله وطاعته، وخلافـا للدعاء إلـى طاعة الله، فهو داخـل فـي معنى صوته الذي قال الله تبـارك وتعالـى اسمه له { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ }....

    وقال آخرون: بل عُنِـي به ما كان الـمشركون يذبحونه لآلهتهم. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: { وَشارِكْهُمْ فِـي الأمْوَالِ والأوْلادِ } يعنـي ما كانوا يذبحون لآلهتهم.

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عُنِـي بذلك كلّ مال عصى الله فـيه بإنفـاق فـي حرام أو اكتساب من حرام، أو ذبح للآلهة، أو تسيـيب، أو بحر للشيطان، وغير ذلك مـما كان معصياً به أو فـيه، وذلك أن الله قال { وَشارِكْهُمْ فـي الأمْوَالِ } فكلّ ما أطيع الشيطان فـيه من مال وعصى الله فـيه، فقد شارك فـاعل ذلك فـيه إبلـيس، فلا وجه لـخصوص بعض ذلك دون بعض....

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: كلّ ولد ولدته أنثى عصى الله بتسميته ما يكرهه الله، أو بإدخاله فـي غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بـالزنا بأمه، أو قتله ووأده، أو غير ذلك من الأمور التـي يعصى الله بها بفعله به أو فـيه، فقد دخـل فـي مشاركة إبلـيس فـيه من ولد ذلك الـمولود له أو منه، لأن الله لـم يخصص بقوله { وَشارِكْهُم فـي الأمْوَالِ والأولادِ } معنى الشركة فـيه بـمعنى دون معنى، فكلّ ما عصى الله فـيه أو به، وأطيع به الشيطان أو فـيه، فهو مشاركة من عصى الله فـيه أو به إبلـيس فـيه.

  9. #519
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بإمامِهِمْ } بكتابهم.

    وأولـى هذه الأقوال عندنا بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به، ويأتـمُّون به فـي الدنـيا، لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فـيـما ائتـمّ واقتدي به، وتوجيه معانـي كلام الله إلـى الأَشهر أَوْلـى ما لـم تثبت حجة بخلافه يجب التسلـيـم لها.

  10. #520
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وأولى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ومن كان فـي هذه الدنـيا أعمى عن حجج الله علـى أنه الـمنفرد بخـلقها وتدبـيرها، وتصريف ما فـيها، فهو فـي أمر الآخرة التـي لـم يرها ولـم يعاينها، وفـيـما هو كائن فـيها أعمى وأضلّ سبـيلاً: يقول: وأضلّ طريقاً منه فـي أمر الدنـيا التـي قد عاينها ورآها.

    وإنـما قلنا: ذلك أولـى تأويلاته بـالصواب، لأن الله تعالـى ذكره لـم يخصص فـي قوله { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ } الدنـيا { أعْمَى } عمى الكافر به عن بعض حججه علـيه فـيها دون بعض، فـيوجه ذلك إلـى عماه عن نعمه بـما أنعم به علـيه من تكريـمه بنـي آدم، وحمله إياهم فـي البرّ والبحر، وما عدّد فـي الآية التـي ذكر فـيها نعمه علـيهم، بل عمّ بـالـخبر عن عماه فـي الدنـيا، فهم كما عمّ تعالـى ذكره.

    واختلفت القراء فـي قراءة قوله { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } فكسرت القَراء جميعا الحرف الأوّل أعني قوله { وَمَنْ كانَ فِـي هَذِهِ أعْمَى }. وأما قوله { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } فإن عامة قرّاء الكوفـيـين أمالت أيضاً قوله: { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى }. وأما بعض قرّاء البصرة فإنه فتـحه، وتأوّله بـمعنى: فهو فـي الآخرة أشدّ عمى. واستشهد لصحة قراءته بقوله: { وأضَلُّ سَبِـيلاً }.

    وهذه القراءة هي أَوْلـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب للشاهد الذي ذكرنا عن قارئه كذلك، وإنـما كره من كره قراءته كذلك ظناً منه أن ذلك مقصود به قصد عمى العينـين الذي لا يوصف أحد بأنه أعمى من آخر أعمى، إذ كان عمى البصر لا يتفـاوت، فـيكون أحدهما أزيد عمى من الآخر، إلا بإدخال أشدّ أو أبـين، فلـيس الأمر فـي ذلك كذلك.

    وإنـما قلنا: ذلك من عمى القلب الذي يقع فـيه التفـاوت، فإنـما عُنِـي به عمى قلوب الكفـار، عن حجج الله التـي قد عاينتها أبصارهم، فلذلك جاز ذلك وحسُن. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { فَهُوَ فِـي الآخِرَةِ أعْمَى } قال: أعمى عن حجته فـي الآخرة.

  11. #521
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول قتادة ومـجاهد، وذلك أن قوله: { وَإنْ كادُوا لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ } فـي سياق خبر الله عزّ وجلّ عن قريش وذكره إياهم، ولـم يجر للـيهود قبل ذلك ذكر، فـيوجه قوله { وَإنْ كادُوا } إلـى أنه خبر عنهم، فهو بأن يكون خبراً عمن جرى له ذكر أولـى من غيره. وأما القلـيـل الذي استثناه الله جلّ ذكره فـي قوله { وإذاً لا يَـلْبَثُونَ خَـلْفَكَ إلاَّ قَلِـيلاً } فإنه فـيـما قـيـل، ما بـين خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلـى أن قتل الله من قتل من مشركيهم ببدر.

  12. #522
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عنى بقوله { أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ }: صلاة الظهر، وذلك أن الدلوك فـي كلام العرب: الـميـل، يقال منه: دلك فلان إلـى كذا: إذا مال إلـيه. ومنه الـخبر الذي روي عن الـحسن أن رجلاً قال له: أيُدالك الرجل امرأته؟ يعنـي بذلك: أيـميـل بها إلـى الـمـماطلة بحقها. ومنه قول الراجز:
    هَذَا مَقامُ قَدَميْ رَبـاحِ غُدْوَةَ حتـى دَلَكَتْ بِرَاحِ
    ويروى: براح بفتـح البـاء، فمن روى ذلك: بِراح، بكسر البـاء، فإنه يعنـي: أنه يضع الناظر كفه علـى حاجبه من شعاعها، لـينظر ما لقـي من غيارها. وهذا تفسير أهل الغريب أبـي عبـيدة والأصمعي وأبـي عمرو الشيبـانـيّ وغيرهم. وقد ذكرت فـي الـخبر الذي رويت عن عبد الله بن مسعود، أنه قال حين غربت الشمس: دلكت براح، يعنـي: براح مكانا، ولست أدري هذا التفسير، أعنـي قوله: براح مكاناً مِنْ كلام من هو مـمن فـي الإسناد، أو من كلام عبد الله، فإن يكن من كلام عبد الله، فلا شكّ أنه كان أعلـم بذلك من أهل الغريب الذين ذكرت قولهم، وأن الصواب فـي ذلك قوله، دون قولهم، وإن لـم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربـية كانوا أعلـم بذلك منه، ولـما قال أهل الغريب فـي ذلك شاهد من قول العجاج، وهو قوله:
    والشَّمْسُ كادَتْ تَكُونُ دَنَفـا أدْفَعُها بـالرَّاحِ كَيْ تَزَ حْلَفـا
    فأخبر أنه يدفع شعاعها لـينظر إلـى مغيبها براحه. ومن روى ذلك بفتـح البـاء، فإنه جعله اسماً للشمس وكسر الـحاء لإخراجه إياه علـى تقدير قَطامِ وحَذامِ ورَقاشِ، فإذا كان معنى الدلوك فـي كلام العرب هو الـميـل، فلا شكَ أن الشمس إذا زالت عن كبد السماء، فقد مالت للغروب، وذلك وقت صلاة الظهر، وبذلك ورد الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فـي إسناد بعضه بعض النظر.

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخـلد، قال: ثنـي مـحمد بن جعفر، قال: ثنـي يحيى بن سعيد، قال: ثنـي أبو بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن أبـي مسعود عقبة بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتانِـي جَبْرَائِيـلُ عَلَـيْهِ السَّلامُ لِدُولُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زَالَتْ فَصَلَّـى بِـيَ الظُّهْرَ " ...

    فإذا كان صحيحاً ما قلنا بـالذي به استشهدنا، فبـين إذن أن معنى قوله جلّ ثناؤه: { أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ } أن صلاة الظهر والعصر بحدودهما مـما أوجب الله علـيك فـيهما لأنهما الصلاتان اللتان فرضهما الله علـى نبـيه من وقت دلوك الشمس إلـى غسق اللـيـل وغسق اللـيـل: هو إقبـاله ودنوّه بظلامه، كما قال الشاعر:
    آبَ هَذَا اللَّـيْـلُ إذْ غَسَقَا
    وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل علـى اختلاف منهم فـي الصلاة التـي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها عنده، فقال بعضهم: الصلاة التـي أمر بإقامتها عنده صلاة الـمغرب. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله { أقِمِ الصَّلاةَ لِدِلُوكِ الشَّمْسِ إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ } قال: غسق اللـيـل: بدوّ اللـيـل...

    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن أبـي جعفر { إلـى غَسَقِ اللَّـيْـلِ } قال: صلاة العصر.

    وأولـى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: الصلاة التـي أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند غسق الليل، هي صلاة الـمغرب دون غيرها، لأن غسق الليل هو ما وصفنا من إقبال الليل وظلامه، وذلك لا يكون إلا بعد مغيب الشمس. فأما صلاة العصر، فإنها مـما تقام بـين ابتداء دلوك الشمس إلـى غسق الليل، لا عند غسق اللـيـل. وأما قوله: { وقُرآنَ الفَجْرِ } فإن معناه وأقم قرآن الفجر: أي ما تقرأ به صلاة الفجر من القرآن، والقرآن معطوف علـى الصلاة فـي قوله: { أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ }.
    ...

  13. #523
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { وَمِنَ اللَّـيْـلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ } يعنـي بـالنافلة أنها للنبـيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، أُمر بقـيام اللـيـل وكُتب علـيه.

    وقال آخرون: بل قـيـل ذلك له علـيه الصلاة والسلام لأنه لـم يكن فعله ذلك يكفِّر عنه شيئا من الذنوب، لأن الله تعالـى كان قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر، فكان له نافلة فضل، فأما غيره فهو له كفـارة، ولـيس هو له نافلة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قال: النافلة للنبـيّ صلى الله عليه وسلم خاصة من أجل أنه قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخَّر، فما عمل من عمل سوى الـمكتوبة، فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل ذلك فـي كفـارة الذنوب، فهي نوافل وزيادة، والناس يعملون ما سوى الـمكتوبة لذنوبهم فـي كفـارتها، فلـيست للناس نوافل.

    وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك، القول الذي ذكرنا عن ابن عبـاس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله تعالـى قد خصه بـما فرض علـيه من قـيام اللـيـل، دون سائر أمته. فأما ما ذكر عن مـجاهد فـي ذلك، فقول لا معنى له، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما ذُكِر عنه أكثر ما كان استغفـارا لذنوبه بعد نزول قول الله عزّ وجلّ علـيه
    { لِـيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ }
    وذلك أن هذه السورة أنزلت علـيه بعد مُنْصَرِفَه من الـحديبـية، وأنزل علـيه
    { إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالفَتْـحُ }
    عام قبض. وقـيـل له فـيها
    { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوَّابـا }
    فكان يُعدُّ له صلى الله عليه وسلم فـي الـمـجلس الواحد استغفـار مئة مرّة، ومعلوم أن الله لـم يأمره أن يستغفر إلا لـما يغفر له بـاستغفـاره ذلك، فبـين إذن وجه فساد ما قاله مـجاهد.....

    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب ما صحّ به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ما:

    حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن داود بن يزيد، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمودا } سُئل عنها، قال: «هِيَ الشَّفـاعَةُ».

    حدثنا علـيّ بن حرب، قال: ثنا مَكِّيّ بن إبراهيـم، قال: ثنا داود بن يزيد الأَوْدِيّ، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله: { عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا } قال: " هو الـمقام الذي أشفع فـيه لأمتـي " ..

    وهذا وإن كان هو الصحيح من

    القول فـي تأويـل قوله { عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاما مَـحْمُودا } لـما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مـجاهد من أن الله يُقعد مـحمدا صلى الله عليه وسلم علـى عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك.

    فأما من جهة النظر، فإن جميع من ينتـحل الإسلام إنـما اختلفوا فـي معنى ذلك علـى أوجه ثلاثة: فقالت فرقة منهم: الله عزّ وجلّ بـائن من خـلقه كان قبل خـلقه الأشياء، ثم خـلق الأشياء فلـم يـماسَّها، وهو كما لـم يزل، غير أن الأشياء التـي خـلقها، إذ لـم يكن هو لها مـماسا، وجب أن يكون لها مبـاينا، إذ لا فعال للأشياء إلا وهو مـماسّ للأجسام أو مبـاين لها. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله عزّ وجلّ فـاعل الأشياء، ولـم يجز فـي قولهم: إنه يوصف بأنه مـماسّ للأشياء، وجب بزعمهم أنه لها مبـاين، فعلـى مذهب هؤلاء سواء أقعد مـحمدا صلى الله عليه وسلم علـى عرشه، أو علـى الأرض إذ كان من قولهم إن بـينونته من عرشه، وبـينونته من أرضه بـمعنى واحد فـي أنه بـائن منهما كلـيهما، غير مـماسّ لواحد منهما.

    وقالت فرقة أخرى: كان الله تعالـى ذكره قبل خـلقه الأشياء، لا شيء يـماسه، ولا شيء يبـاينه، ثم خـلق الأشياء فأقامها بقدرته، وهو كما لـم يزل قبل الأشياء خـلقه لا شيء يـماسه ولا شيء يبـاينه، فعلـى قول هؤلاء أيضا سواء أقعد مـحمدا صلى الله عليه وسلم علـى عرشه، أو علـى أرضه، إذ كان سواء علـى قولهم عرشه وأرضه فـي أنه لا مـماس ولا مبـاين لهذا، كما أنه لا مـماس ولا مبـاين لهذه.

    وقالت فرقة أخرى: كان الله عزّ ذكره قبل خـلقه الأشياء لا شيء يـماسه، ولا شيء يبـاينه، ثم أحدث الأشياء وخـلقها، فخـلق لنفسه عرشا استوى علـيه جالسا، وصار له مـماسا، كما أنه قد كان قبل خـلقه الأشياء لا شيء يرزقه رزقا، ولا شيء يحرمه ذلك، ثم خـلق الأشياء فرزق هذا وحرم هذا، وأعطى هذا، ومنع هذا، قالوا: فكذلك كان قبل خـلقه الأشياء يـماسه ولا يبـاينه، وخـلق الأشياء فماس العرش بجلوسه علـيه دون سائر خـلقه، فهو مـماس ما شاء من خـلقه، ومبـاين ما شاء منه، فعلـى مذهب هؤلاء أيضا سواء أقعد مـحمدا علـى عرشه، أو أقعده علـى منبر من نور، إذ كان من قولهم: إن جلوس الربّ علـى عرشه، لـيس بجلوس يشغل جميع العرش، ولا فـي إقعاد مـحمد صلى الله عليه وسلم موجبـا له صفة الربوبـية، ولا مخرجه من صفة العبودية لربه، كما أن مبـاينة مـحمد صلى الله عليه وسلم ما كان مبـاينا له من الأشياء غير موجبة له صفة الربوبـية، ولا مخرجته من صفة العبودية لربه من أجل أنه موصوف بأنه له مبـاين، كما أن الله عزّ وجلّ موصوف علـى قول قائل هذه الـمقالة بأنه مبـاين لها، هو مبـاين له.

    قالوا: فإذا كان معنى مبـاين ومبـاين لا يوجب لـمـحمد صلى الله عليه وسلم الـخروج من صفة العبودة والدخول فـي معنى الربوبـية، فكذلك لا يوجب له ذلك قعوده علـى عرش الرحمن، فقد تبـين إذا بـما قُلنا أنه غير مـحال فـي قول أحد مـمن ينتـحل الإسلام ما قاله مـجاهد من أن الله تبـارك وتعالـى يُقْعِد مـحمدا علـى عرشه.

    فإن قال قائل: فإنا لا ننكر إقعادا الله مـحمدا علـى عرشه، وإنـما ننكر إقعاده.

    حدثنـي عبـاس بن عبد العظيـم، قال: ثنا يحيى بن كثـير، عن الـجَريريّ، عن سيف السَّدُوسيّ، عن عبد الله بن سلام، قال: إن مـحمدا صلى الله عليه وسلم يوم القـيامة علـى كرسيّ الربّ بـين يدي الربّ تبـارك وتعالـى، وإنـما ينكر إقعاده إياه معه. قـيـل: أفجائز عندك أن يقعده علـيه لا معه. فإن أجاز ذلك صار إلـى الإقرار بأنه إما معه، أو إلـى أنه يقعده، والله للعرش مبـاين، أو لا مـماسّ ولا مبـاين، وبأيّ ذلك قال كان منه دخولاً فـي بعض ما كان ينكره وإن قال ذلك غير جائز كان منه خروجا من قول جميع الفرق التـي حكينا قولهم، وذلك فراق لقول جميع من ينتـحل الإسلام، إذ كان لا قول فـي ذلك إلا الأقوال الثلاثة التـي حكيناها، وغير مـحال فـي قول منها ما قال مـجاهد فـي ذلك

  14. #524
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقال آخرون: بل معنى ذلك: أدخـلنـي مكة آمنا، وأخرجنـي منها آمنا. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك قال فـي قوله: { رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ } يعنـي مكة، دخـل فـيها آمنا، وخرج منها آمنا.

    وأشبه هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك، قول من قال: معنى ذلك: وأدخـلنـي الـمدينة مُدْخـل صدق، وأخرجنـي من مكة مُخْرج صدق.

    وإنـما قلنا ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن ذلك عقـيب قوله:
    { وَإنْ كادُوا لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِن الأرْضِ لِـيُخْرِجُوكَ مِنْها وإذاً لا يَـلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إلاَّ قَلِـيلاً }
    وقد دللنا فـيـما مضى، علـى أنه عنى بذلك أهل مكة فإذ كان ذلك عقـيب خبر الله عما كان الـمشركون أرادوا من استفزازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لـيخرجوه عن مكة، كان بـيِّنا، إذ كان الله قد أخرجه منها، أن قوله: { وَقُلْ رَبّ أدْخِـلْنِـي مُدْخَـلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِـي مُخْرَجَ صِدْقٍ } أمر منه له بـالرغبة إلـيه فـي أن يخرجه من البلدة التـي هم الـمشركون بإخراجه منها مخرج صدق، وأن يدخـله البلدة التـي نقله الله إلـيها مدخـل صدق....

    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: ذلك أمر من الله تعالـى نبـيه بـالرغبة إلـيه فـي أن يؤتـيه سلطاناً نصيراً له علـى من بغاه وكاده، وحاول منعه من إقامته فرائض الله فـي نفسه وعبـاده.

    وإنـما قلت ذلك أولـى بـالصواب، لأن ذلك عقـيب خبر الله عما كان الـمشركون هموا به من إخراجه من مكة، فأعلـمه عزّ وجلّ أنهم لو فعلوا ذلك عوجلوا بـالعذاب عن قريب، ثم أمره بـالرغبة إلـيه فـي إخراجه من بـين أظهرهم إخراج صدق يحاوله علـيهم، ويدخـله بلدة غيرها، بـمدخـل صدق يحاوله علـيهم ولأهلها فـي دخولها إلـيها، وأن يجعل له سلطاناً نصيراً علـى أهل البلدة التـي أخرجه أهلها منها، وعلـى كلّ من كان لهم شبـيها، وإذا أوتـي ذلك، فقد أوتـي لا شكّ حجة بـينة.

  15. #525
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: أمر الله تبـارك وتعالـى نبـيه علـيه الصلاة والسلام أن يخبر الـمشركين أن الـحقّ قد جاء، وهو كلّ ما كان لله فـيه رضا وطاعة، وأن البـاطل قد زهق: يقول: وذهب كلّ ما كان لا رضا لله فـيه ولا طاعة مـما هو له معصية وللشيطان طاعة، وذلك أن الـحقّ هو كلّ ما خالف طاعة إبلـيس، وأن البـاطل: هو كلّ ما وافق طاعته، ولـم يخصص الله عزّ ذكره بـالـخبر عن بعض طاعاته، ولا ذهاب بعض معاصيه، بل عمّ الـخبر عن مـجيء جميع الـحقّ، وذهاب جميع البـاطل، وبذلك جاء القرآن والتنزيـل، وعلـى ذلك قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك بـالله، أعنـي علـى إقامة جميع الـحقّ، وإبطال جميع البـاطل.

    وأما قوله عزّ وجلّ: { وَزَهَقَ البـاطِلُ } فإن معناه: ذهب البـاطل، من قولهم: زَهَقت نفسه: إذا خرجت وأزهقتها أنا ومن قولهم: أزهق السهم: إذا جاوز الغرض فـاستـمرّ علـى جهته، يقال منه: زهق البـاطل، يزهَق زُهوقاً، وأزهقه الله: أي أذهبه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس { إنَّ البـاطِلَ كانَ زَهُوقاً } يقول: ذاهبـاً.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •