سورة العنكبوت

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَتَـخْـلُقُونَ إفْكاً } الأوثان التـي ينـحِتونها بأيديهم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: وتصنعون كذبـاً. وقد بـيَّنا معنى الـخـلق فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. فتأويـل الكلام إذن: إنـما تعبدون من دون الله أوثاناً، وتصنعون كذبـاً وبـاطلاً. وإنـما فـي قوله: { إفْكاً } مردود علـى إنـما، كقول القائل: إنـما تفعلون كذا، وإنـما تفعلون كذا.

وقرأ جميع قرّاء الأمصار: { وتَـخْـلُقُونَ إفْكاً } بتـخفـيف الـخاء من قوله: { وتَـخْـلُقُونَ } وضمّ اللام: من الـخَـلْق. وذُكر عن أبـي عبد الرحمن السُلـميّ أنه قرأ: { وتُـخَـلِّقونَ إفْكاً } بفتـح الـخاء وتشديد اللام من التـخـلـيق.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه....

وأما قوله: { وَما أنْتُـمْ بِـمُعْجِزِينَ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ } فإن ابن زيد قال فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرن ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله { وَما أنْتُـمْ بِـمُعْجِزِينَ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ } قال: لا يُعجزه أهل الأرضين فـي الأرضين ولا أهل السموات فـي السموات إن عصوه، وقرأ:
{ مثقالُ ذَرّةٍ فـي السَّموات ولا فِـي الأرض، وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ ولا أكْبَرُ إلاَّ فِـي كِتابٍ مُبِـينٍ }


وقال فـي ذلك بعض أهل العربـية من أهل البصرة: وما أنتـم بـمعجزين من فـي الأرض ولا من فـي السماء مُعْجِزِينَ قال: وهو من غامض العربـية للضمير الذي لـم يظهر فـي الثانـي. قال: ومثله قول حسان بن ثابت:
أمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللّهِ مِنْكُمْ ويَـمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟
أراد: ومن ينصره ويـمدحه، فأضمر «مَنْ». قال: وقد يقع فـي وهم السامع أن النصر والـمدح لـمَنْ هذه الظاهرة ومثله فـي الكلام: أكرمْ من أتاك وأتـى أبـاك، وأكرم من أتاك ولـم يأت زيدا. تريد: ومن لـم يأت زيدا، فـيكتفـي بـاختلاف الأفعال من إعادة مَنْ، كأنه قال: أمَن يهجو، ومن يـمدحه، ومن ينصره. ومنه قول الله عزّ وجلّ:
{ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـل وَسارِبٌ بـالنَّهارِ }
وهذا القول أصحّ عندي فـي الـمعنى من القول الآخر، ولو قال قائل: معناه: ولا أنتـم بـمعجزين فـي الأرض، ولا أنتـم لو كنتـم فـي السماء بـمعجزين كان مذهبـاً.