صفحة 55 من 75 الأولىالأولى ... 54551525354555657585965 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 811 إلى 825 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #811
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    { وَلا يَرْضَى لِعِبـادِهِ الكُفْرَ } وهم عبـاده الـمخـلصون الذين قال فـيهم:
    { إنَّ عِبـادِي لَـيْسَ لَكَ عَلَـيْهمْ سُلْطانٌ }
    فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحَبَّبها إلـيهم.

    حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي { وَلا يَرْضَى لِعِبـادِهِ الكُفْرَ } قال: لا يرضى لعبـاده الـمؤمنـين أن يكفروا.

    وقال آخرون: بل ذلك عام لـجميع الناس، ومعناه: أيها الناس إن تكفروا، فإن الله غنـي عنكم، ولا يرضى لكم أن تكفروا به.

    والصواب من القول فـي ذلك ما قال الله جلّ وعزّ: إن تكفروا بـالله أيها الكفـار به، فإن غنـيّ عن إيـمانكم وعبـادتكم إياه، ولا يرضى لعبـاده الكفر، بـمعنى: ولا يرضى لعبـاده أن يكفروا به، كما يقال: لست أحب الظلـم، وإن أحببت أن يظلـم فلان فلاناً فـيعاقب....

  2. #812
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { وَجَعَلَ لِلّهِ أنْدَاداً } قال: الأنداد من الرجال: يطيعونهم فـي معاصي الله.

    وقال آخرون: عنى بذلك أنه عبد الأوثان، فجعلها لله أنداداً فـي عبـادتهم إياها.

    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عَنَى به أنه أطاع الشيطان فـي عبـادة الأوثان، فجعل له الأوثان أنداداً، لأن ذلك فـي سياق عتاب الله إياهم له علـى عبـادتها.

  3. #813
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { وَرَجُلاً سَلَـماً } فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة والبصرة: «وَرَجُلاً سالِـمَاً» وتأوّلوه بـمعنى: رجلاً خالصاً لرجل. وقد رُوي ذلك أيضاً عن ابن عبـاس.

    حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس أنه قرأها: «سالِـمَاً لِرَجُلٍ» يعنـي بـالألف، وقال: لـيس فـيه لأحد شيء.

    وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة: { وَرَجُلاً سَلَـماً لِرَجُلٍ } بـمعنى: صلـحاً.

    والصواب من القول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب وذلك أن السَّلَـم مصدر من قول القائل: سَلِـيـم فلان لله سَلَـماً بـمعنى: خَـلَص له خُـلوصاً، تقول العرب: ربح فلان فـي تـجارته رِبْحاً ورَبَحاً، وسَلِـم سِلْـماً وسَلَـماً وسلامة، وأن السالـم من صفة الرجل، وسلـم مصدر من ذلك. وأما الذي توهمه من رغب من قراءة ذلك سَلَـماً من أن معناه صلـحاً، فلا وجه للصلـح فـي هذا الـموضع، لأن الذي تقدم من صفة الآخر، إنـما تقدّم بـالـخبر عن اشتراك جماعة فـيه دون الـخبر عن حربه بشيء من الأشياء، فـالواجب أن يكون الـخبر عن مخالفه بخـلوصه لواحد لا شريك له، ولا موضع للـخبر عن الـحرب والصلـح فـي هذا الـموضع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: «رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سالِـماً لِرَجُلٍ» قال: هذا مثل إله البـاطل وإله الـحقّ.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ } قال: هذا الـمشرك تتنازعه الشياطين، لا يقرّبه بعضهم لبعض «وَرَجُلاً سالِـماً لِرَجُلٍ» قال: هو الـمؤمن أخـلص الدعوة والعبـادة.

  4. #814
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: عُني بذلك: إنك يا محمد ستموت، وإنكم أيها الناس ستموتون، ثم إن جميعكم أيها الناس تختصمون عند ربكم، مؤمنكم وكافركم، ومحقوكم ومبطلوكم، وظالموكم ومظلوموكم، حتى يؤخذ لكلِّ منكم ممن لصاحبه قبله حق حقُّه.

    وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب لأن الله عمّ بقوله: { ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } خطاب جميع عباده، فلم يخصص بذلك منهم بعضاً دون بعض، فذلك على عمومه على ما عمه الله به وقد تنزل الآية في معنى، ثم يكون داخلاً في حكمها كلّ ما كان في معنى ما نزلت به.

  5. #815
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: { وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } كلّ من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسوله، والعمل بما ابتعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدّق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنا من كان من نبيّ الله وأتباعه.

    وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن قوله تعالى ذكره: { وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } عُقيب قوله:
    { فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ على اللَّهِ، وَكَذَّبَ بالصّدْقِ إذْ جاءَهُ }
    وذلك ذمّ من الله للمفترين عليه، المكذّبين بتنزيله ووحيه، الجاحدين وحدانيته، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدح من كان بخلاف صفة هؤلاء المذمومين، وهم الذين دعوهم إلى توحيد الله، ووصفه بالصفة التي هو بها، وتصديقهم بتنزيل الله ووحيه، والذين هم كانوا كذلك يوم نزلت هذه الآية، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله، وحكم كتابه، لأن الله تعالى ذكره لم يخصّ وصفه بهذه الصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم، ولا على أهل زمان دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهي المجيء بالصدق والتصديق به، فكل من كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم.

    ومن الدليل على صحة ما قلنا أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود: «والَّذِينَ جاءُوا بالصدْقِ وصدَّقُوا بِهِ» فقد بين ذلك من قراءته أن الذي من قوله { وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ } لم يعن بها واحد بعينه، وأنه مراد بها جِمَاعٌ ذلك صفتهم، ولكنها أخرجت بلفظ الواحد، إذ لم تكن مؤقتة. وقد زعم بعض أهل العربية من البصريين، أن «الذي» في هذا الموضع جُعل في معنى جماعة بمنزلة «مَن». ومما يؤيد ما قلنا أيضاً قوله: { أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ } فجُعل الخبر عن «الذي» جماعا، لأنها في معنى جماع. وأما الذين قالوا: عني بقوله: { وَصَدَّقَ بِهِ }: غير الذي جاء بالصدق، فقول بعيد من المفهوم، لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان التنزيل: والذي جاء بالصدق، والذي صدق به أولئك هم المتقون فكانت تكون «الذي» مكرّرة مع التصديق، ليكون المصدق غير المصدق فأما إذا لم يكرّر، فإن المفهوم من الكلام، أن التصديق من صفة الذي جاء بالصدق، لا وجه للكلام غير ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، وكانت «الذي» في معنى الجماع بما قد بيَّنا، كان الصواب من القول فـي تأويـله ما بَيَّنا.

  6. #816
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك، لأن الله عمّ بقوله { يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ } جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفاً دون مسرف.

    فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك. وإنما عني بقوله { إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً } لمن يشاء، كما قد ذكرنا قبل، أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله:
    { إلاَّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً }
    فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه، إن شاء تفضل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به.

  7. #817
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقوله: { وَاتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا.

    فإن قال قائل: ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن، وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر، والمثل، والقصص، والجدل، والوعد، والوعيد أحسنه وأحسنه أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلك وجهه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { واتَّبِعُوا أحْسَن ما أنْزِل إلَيْكمْ مِنْ رَبِّكُمْ } يقول: ما أمرتم به في الكتاب { مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ }.

  8. #818
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يُنْفَخُ في الصُّور ثَلاث نَفَخاتٍ: الأُولى: نَفْخَة الفَزَعِ، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ الْقِيامِ لِرَبّ العالَمِينَ تَبارَكَ وَتَعالى يأْمُرُ اللَّهُ إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأُولى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَتَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ " قال أبو هريرة: يا رسولَ الله، فمن استثنىٰ حين يقول: { ففَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ } قال: " أُولَئِكَ الشُّهَداءُ، وإنَّما يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ، أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذلكَ اليَوْمِ وأمَّنَهُمُ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ إسْرافِيلَ بنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَصْعَقُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ فإذا هُمْ خامِدُونَ، ثُمَّ يأتي مَلَكُ المَوْتِ إلى الجَبَّارِ تَبارَكَ وَتَعالى فَيَقُولُ: يا رَبّ قَدْ ماتَ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ إلاَّ مَنْ شِئْتَ، فَيَقُولُ لَهُ وَهُوَ أعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أنْتَ الحَيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَبَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيَ جِبْرِيلَ وَمِيكائِيلُ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: اسْكتْ إنّي كتَبْتُ المَوْتَ على مَنْ كانَ تَحْتَ عَرْشِي ثُمَّ يأتي مَلَكُ المَوْتِ فَيَقُولُ: يا رَب قَدْ ماتَ جِبْرِيلُ وَمِيكائِيلُ فَيَقولُ اللَّهُ وَهُوَ أعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقولُ: بَقِيتَ أنتَ الحيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَبَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيتُ أنا، فَيَقُولُ اللَّهُ: فَلْيَمُتْ حَمَلَةُ العَرْشِ، فَيَمُوتُونَ وَيأْمُرُ اللَّهُ تعالى العَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ. فَيَقُولُ: أيْ رَبّ قَدْ ماتَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ فَيَقُولُ: مَنْ بَقِي؟ وَهُوَ أعْلَمُ، فَيَقُولُ: بَقِيت أنْتَ الحَيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَبَقِيتُ أنا، قال: فَيَقُولُ اللَّهُ: أنْتَ مِنْ خَلقِي خَلَقْتُكَ لِمَا رأيْتُ، فَمُتْ لا تَحْيَ، فَيَمُوتُ ". وهذا القول الذي رُوي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصحة، لأن الصعقة في هذا الموضع: الموت. والشهداء وإن كانوا عند الله أحياء كما أخبر الله تعالى ذكره فإنهم قد ذاقوا الموت قبل ذلك.

    وإنما عنى جلّ ثناؤه بالاستثناء في هذا الموضع، الاستثناء من الذين صعقوا عند نفخة الصعق، لا من الذين قد ماتوا قبل ذلك بزمان ودهر طويل وذلك أنه لو جاز أن يكون المراد بذلك من قد هلك، وذاق الموت قبل وقت نفخة الصعق، وجب أن يكون المراد بذلك من قد هلك، فذاق الموت من قبل ذلك، لأنه ممن لا يصعق في ذلك الوقت إذا كان الميت لا يجدّد له موت آخر في تلك الحال.

  9. #819
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقوله: { وَجِيءَ بالنَّبِيِّينَ والشُّهدَاءِ } يقول: وجيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم، وردّت عليهم في الدنيا، حين أتتهم رسالة الله والشهداء، يعني بالشهداء: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يستشهدهم ربهم على الرسل، فيما ذكرت من تبليغها رسالة الله التي أرسلهم بها ربهم إلى أممها، إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة الله، والشهداء: جمع شهيد، وهذا نظير قول الله: { وكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } وقيل: عُني بقوله: الشُّهدَاء: الذين قتلوا في سبيل الله وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى، لأن عقيب قوله: { وَجِيءَ بالنَّبِيِّينَ والشهدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحَقّ } ، وفي ذلك دليل واضح على صحة ما قلنا من أنه إنما دعى بالنبيين والشهداء للقضاء بين الأنبياء وأممها، وأن الشهداء إنما هي جمع شهيد، الذين يشهدون للأنبياء على أممهم كما ذكرنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { وَجِيءَ بالنَّبِيِّينِ وَالشُّهدَاءِ } فإنهم ليشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وبتكذيب الأمم إياهم.

  10. #820
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: الجواب متروك، وإن كان القول الآخر غير مدفوع، وذلك أن قوله: { وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ } يدلّ على أن في الكلام متروكاً، إذ كان عقيبه { وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدّقَنا وَعْدَهُ } وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، دخلوها وقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده....

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وأوْرَثَنا الأرْضَ } قال: أرض الجنة، وقرأ:
    { أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ }
    وقوله: { نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ نَشاءُ } يقول: نتخذ من الجنة بيتاً، ونسكن منها حيث نحبّ ونشتهي، كما:

    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ } ننزل منها حيث نشاء.

  11. #821
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    سورة غافر

    واختلف أهل العربية في وجه دخول هذه اللام في قوله: { لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ } فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: هي لام الابتداء، كأن ينادون يقال لهم، لأن في النداء قول قال: ومثله في الإعراب يقال: لزيد أفضل من عمرو. وقال بعض نحوييِّ الكوفة: المعنى فيه: ينادون إن مقت الله إياكم، ولكن اللام تكفي من أن تقول في الكلام: ناديت أنّ زيداً قائم، قال: ومثله قوله:
    { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينِ }
    اللام بمنزلة «إن» في كلّ كلام ضارع القول مثل ينادون ويخبرون، وأشباه ذلك.

    وقال آخر غيره منهم: هذه لام اليمين، تدخل مع الحكاية، وما ضارع الحكاية لتدلّ على أن ما بعدها ائتناف. قال: ولا يجوز في جوابات الأيمان أن تقوم مقام اليمين، لأن اللام كانت معها النون أو لم تكن، فاكتفى بها من اليمين، لأنها لا تقع إلا معها.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت لتؤذن أن ما بعدها ائتناف وأنها لام اليمين

  12. #822
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقوله: { وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ } اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن، فقال بعضهم: كان من قوم فرعون، غير أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِرّ إيمانه من فرعون وقومه خوفاً على نفسه. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { وَقَالَ رَجُلٌ مُوءْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } قال: هو ابن عمّ فرعون.

    ويقال: هو الذي نجا مع موسى، فمن قال هذا القول، وتأوّل هذا التأويل، كان صواباً الوقف إذا أراد القارىء الوقف على قوله: { مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } ، لأن ذلك خبر متناه قد تمّ.

    وقال آخرون: بل كان الرجل إسرائيلياً، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون.

    والصواب على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: { يَكْتُمُ إيمَانَهُ } لأن قوله: { مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ } صلة لقوله: { يَكْتمُ إيمَانَهُ } فتمامه قوله: يكتم إيمانه، وقد ذكر أن اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون: جبريل، كذلك.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق.

    وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السدي من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقَّف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله، وقيله ما قال، وقال له: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، ولو كان إسرائيلياً لكان حرياً أن يعاجل هذا القائل له، ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل، لاعتداده إياهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلاً؟ ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع قوله، وكفّ عما كان همّ به في موسى....

    والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عمّ بقوله: { إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هو مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } والشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حقّ من الإسراف، وقد كان مجتمعاً في فرعون الأمران كلاهما، فالحقّ أن يعمّ ذلك كما أخبر جلّ ثناؤه عن قائله، أنه عمّ القول بذلك.

  13. #823
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    قال فرعون { أُرِيكُمْ إلاَّ ما أرَى } يقول: قال فرعون مجيباً لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما رأيكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحاً وصواباً، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحقّ والصواب في أمر موسى وقتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدّل دينكم، وأظهر في أرضكم الفساد.

  14. #824
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقرأ ذلك آخرون: «يَوْمَ التَّنادِّ» بتشديد الدال، بمعنى: التفاعل من النَّدّ، وذلك إذا هربوا فنَدّوا في الأرض، كما تَنِدّ الإبل: إذا شَرَدَت على أربابها. ذكر من قال ذلك كذلك، وذكر المعنى الذي قَصَد بقراءته ذلك كذلك:

    حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفاً دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدّوا فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا السبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: { إنّي أخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ توَلَّونَ مُدْبِرِين } وذلك قوله:
    { وَجاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفَّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ }
    وقوله:
    { يا مَعْشَرَ الجِنّ والإنْس إن اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقْطارِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطانٍ }
    وذلك قوله:
    { وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِي يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالمَلَكُ على أرْجائِها }
    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله { يَوْمَ التَّنادِ } قال: تَنِدُّون.

    ورُوِي عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: «يَوْمَ التَّنادِي» بإثبات الياء وتخفيف الدال.

    والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو تخفيف الدال وبغير إثبات الياء، وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة مجمعة من قرّاء الأمصار، وغير جائز خلافها فيما جاءت به نقلاً. فإذا كان ذلك هو الصواب، فمعنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضُهم بعضاً، إما من هول ما قد عاينوا من عظيم سلطان الله، وفظاعة ما غشيهم من كرب ذلك اليوم، وإما لتذكير بعضهم بعضاً إنجاز الله إياهم الوعد الذي وعدهم في الدنيا، واستغاثة من بعضهم ببعض، مما لقي من عظيم البلاء فيه....

    وقوله: { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } فتأويله على التأويل الذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَوْمَ يُوَلّونَ هارِبِينَ فِي الأرْضِ حِذَارَ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ جَهَنَّمَ "

    وتأويله على التأويل الذي قاله قتادة في معنى { يَوْمَ التَّنادِ }: يوم تولُّون مُنْصَرِفِينَ عن موقف الحساب إلى جهنم. وبنحو ذلك رُوي الخبر عنه، وعمن قال نحو مقالته في معنى { يَوْمَ التَّنادِ }. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ }: أي منطلقاً بكم إلى النار.

    وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحقّ، وبه قال جماعة من أهل التأويل....

  15. #825
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار، خلا أبي عمرو بن العلاء، على: { كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ } بإضافة القلب إلى المتكبر، بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها ومن كان ذلك قراءته، كان قوله «جبار». من نعت «متكبر». وقد رُوي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك «كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ على قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ».

    حدثني بذلك ابن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن هارون أنه كذلك في حرف ابن مسعود.

    وهذا الذي ذُكر عن ابن مسعود من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب إلى المتكبر، لأن تقديم «كل» قبل القلب وتأخيرها بعده لا يغير المعنى، بل معنى ذلك في الحالتين واحد. وقد حُكي عن بعض العرب سماعاً: هو يرجِّل شعره يوم كلّ جمعة، يعني: كلّ يوم جمعة. وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين القلب وترك إضافته إلى متكبر، وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب.

    وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر، لأن التكبر فعل الفاعل بقلبه، كما أن القاتل إذا قتل قتيلاً وإن كان قتله بيده، فإن الفعل مضاف إليه، وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر. وإن كان بها التكبر، فإن الفعل إلى فاعله مضاف، نظير الذي قلنا في القتل، وذلك وإن كان كما قلنا، فإن الأخرى غير مدفوعة، لأن العرب لا تمنع أن تقول: بطشت يد فلان، ورأت عيناه كذا، وفهم قلبه، فتضيف الأفعال إلى الجوارح، وإن كانت في الحقيقة لأصحابها.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •