صفحة 57 من 75 الأولىالأولى ... 74753545556575859606167 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 841 إلى 855 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

  1. #841
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    واختلف أهل العربية في وجه دخول «إن» في قوله: { إنَّ ذَلكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } مع دخول اللام في قوله: { وَلَمِنْ صَبَر وَغَفَرَ } فكان نحويّ أهل البصرة يقول في ذلك: أما اللام التي في قوله: { وَلَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ } فلام الابتداء، وأما إن ذلك فمعناه والله أعلم: إن ذلك منه من عزم الأمور، وقال: قد تقول: مررت بالدار الذراع بدرهم: أي الذراع منها بدرهم، ومررت ببرّ قفيز بدرهم، أي قفيز منه بدرهم. قال: وأما ابتداء «إن» في هذا الموضع، فمثل
    { قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاَقِيكُمْ }
    يجوز ابتداء الكلام، وهذا إذا طال الكلام في هذا الموضع.

    وكان بعضهم يستخطيء هذا القول ويقول: إن العرب إذا أدخلت اللام في أوائل الجزاء أجابته بجوابات الأيمان بما، ولا، وإنّ واللام: قال: وهذا من ذاك، كما قال:
    { لئن أُخْرِجُوا لا يَخْرَجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ }
    فجاء بلا وباللام جواباً للام الأولى. قال: ولو قال: لئن قمت إني لقائم لجاز ولا حاجة به إلى العائد، لأن الجواب في اليمين قد يكون فيه العائد، وقد لا يكون ألا ترى أنك تقول: لئن قمت لأقومنَّ، ولا أقوم، وإني لقائم فلا تأتي بعائد. قال: وأما قولهم: مررت بدار الذراع بدرهم وببرّ قفيز بدرهم، فلا بدّ من أن يتصل بالأوّل بالعائد، وإنما يحذف العائد فيه، لأن الثاني تبعيض للأوّل مررت ببرّ بعضه بدرهم، وبعضه بدرهم فلما كان المعنى التبعيض حذف العائد. قال: وأما ابتداء «إن» في كل موضع إذا طال الكلام، فلا يجوز أن تبتديء إلا بمعنى: قل إن الموت الذي تفرّون منه، فإنه جواب للجزاء، كأنه قال: ما فررتم منه من الموت، فهو ملاقيكم. وهذا القول الثاني عندي أولى في ذلك بالصواب للعلل التي ذكرناها.

  2. #842
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    واختلف أهل التأويل في معنى قوله: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } فقال بعضهم: معناه: من طرف ذليل. وكأن معنى الكلام: من طرف قد خَفِي من ذلَّةٍ. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلّ... } إلى قوله: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } يعني بالخفيّ: الذليل.

    حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله عزّ وجلّ: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } قال: ذليل.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يسارقون النظر. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } قال: يسارقون النظر.

    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } قال: يسارقون النظر.

    واختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: جعل الطرف العين، كأنه قال: ونظرهم من عين ضعيفة، والله أعلم. قال: وقال يونس: إن { مِنْ طَرْفٍ } مثل بطرفٍ، كما تقول العرب: ضربته في السيف، وضربته بالسيف.

    وقال آخر منهم: إنما قيل: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } لأنه لا يفتح عينيه، إنما ينظر ببعضها.

    وقال آخرون منهم: إنما قيل: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم، لأنهم يُحشرُون عُمياً.

    والصواب من القول في ذلك، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومجاهد، وهو أن معناه: أنهم ينظرون إلى النار من طرف ذليل، وصفه الله جلّ ثناؤه بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم، حتى كادت أعينهم أن تغور، فتذهب....

    وقال ابن زيد: في معنى قوله: { أوْ يُزَوّجُهُمْ } ما:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: في قوله: { أوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإناثاً } قال: أو يجعل في الواحد ذكراً وأنثى توأماً، هذا قوله: { أوْ يُزَوّجَهُمْ ذُكْرَاناً وَإناثاً }.

  3. #843
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    استدراك علي سورة الفاتحة😊

    قبل استكمال الرحلة مع الامام الطبري

    اذكر ماقاله فى تفسير سورة الفاتحة فى معنى الرحمن الرحيم😊

    فهذا ما فـي قول القائل «الرحمٰن» من زيادة الـمعنى علـى قوله: «الرحيـم» فـي اللغة.

    وأما من جهة الأثر والـخبر، ففـيه بـين أهل التأويـل اختلاف.

    فحدثنـي السريّ بن يحيى التـميـمي، قال: حدثنا عثمان بن زفر، قال: سمعت العرزمي يقول: «الرحمن الرحيـم» قال: الرحمن بجميع الـخـلق. «الرحيـم» قال: بـالـمؤمنـين.

    وحدثنا إسماعيـل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش، عن إسماعيـل بن يحيى، عن ابن أبـي ملـيكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية العوفـي، عن أبـي سعيد يعنـي الـخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ قالَ: الرَّحْمَنُ: رَحْمَنُ الآخِرَةِ والدُّنْـيَا، والرَّحِيـمُ: رَحِيـمُ الآخِرَةِ "

    فهذان الـخبران قد أنبآ عن فرق ما بـين تسمية الله جل ثناؤه بـاسمه الذي هو «رحمن»، وتسميته بـاسمه الذي هو «رحيـم». واختلاف معنى الكلـمتـين، وإن اختلفـا فـي معنى ذلك الفرق، فدل أحدهما علـى أن ذلك فـي الدنـيا، ودل الآخر علـى أنه فـي الآخرة.

    فإن قال: فأيّ هذين التأويـلـين أولـى عندك بـالصحة؟ قـيـل: لـجميعهما عندنا فـي الصحة مخرج، فلا وجه لقول قائل: أيهما أولـى بـالصحة. وذلك أن الـمعنى الذي فـي تسمية الله بـالرحمن، دون الذي فـي تسميته بـالرحيـم هو أنه بـالتسمية بـالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خـلقه، وأنه بـالتسمية بـالرحيـم موصوف بخصوص الرحمة بعض خـلقه، إما فـي كل الأحوال، وإما فـي بعض الأحوال. فلا شكّ إذا كان ذلك كذلك، أن ذلك الـخصوص الذي فـي وصفه بـالرحيـم لا يستـحيـل عن معناه، فـي الدنـيا كان ذلك أو فـي الآخرة، أو فـيهما جميعاً. فإذا كان صحيحاً ما قلنا من ذلك وكان الله جل ثناؤه قد خص عبـاده الـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا بـما لطف بهم فـي توفـيقه إياهم لطاعته، والإيـمان به وبرسله، واتبـاع أمره واجتناب معاصيه مـما خذل عنه من أشرك به فكفر، وخالف ما أمره به وركب معاصيه، وكان مع ذلك قد جعل جل ثناؤه ما أعد فـي آجل الآخرة فـي جناته من النعيـم الـمقـيـم والفوز الـمبـين لـمن آمن به وصدق رسله وعمل بطاعته خالصاً دون من أشرك وكفر به كان بـيِّناً أن الله قد خص الـمؤمنـين من رحمته فـي الدنـيا والآخرة، مع ما قد عمهم به والكفـار فـي الدنـيا، من الإفضال والإحسان إلـى جميعهم، فـي البسط فـي الرزق، وتسخير السحاب بـالغيث، وإخراج النبـات من الأرض، وصحة الأجسام والعقول، وسائر النعم التـي لا تـحصى، التـي يشترك فـيها الـمؤمنون والكافرون. فربنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خـلقه فـي الدنـيا والآخرة، ورحيـم الـمؤمنـين خاصة فـي الدنـيا والآخرة.....

  4. #844
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    سورة الزخرف

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { أفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ صَفْحاً } قال: لو أن هذه الأمة لم يؤمنوا لضرب عنهم الذكر صفحاً، قال: الذكر ما أنزل عليهم مما أمرهم الله به ونهاهم صفحاً، لا يذكر لكم منه شيئاً.

    وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوّله: أفنضرب عنكم العذاب فنترككم ونعرض عنكم، لأن كنتم قوماً مسرفين لا تؤمنون بربكم.

    وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تبارك وتعالى أتبع ذلك خبره عن الأمم السالفة قبل الأمم التي توعدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها، وما أحلّ بها من نقمته، ففي ذلك دليل على أن قوله: { أفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ صَفْحاً } وعيد منه للمخاطبين به من أهل الشرك، إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم....

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الكسر والفتح في الألف في هذا الموضع قراءتان مشهورتان في قَرَأة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن العرب إذا تقدم «أن» وهي بمعنى الجزاء فعل مستقبل كسروا ألفها أحياناً، فمحضوا لها الجزاء، فقالوا: أقوم إن قمت، وفتحوها أحياناً، وهم ينوون ذلك المعنى، فقالوا: أقوم أن قمت بتأويل، لأن قمت، فإذا كان الذي تقدمها من الفعل ماضياً لم يتكلَّموا إلا بفتح الألف من «أن» فقالوا: قمتُ أن قمتَ، وبذلك جاء التنزيل، وتتابع شعر الشعراء.

  5. #845
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقوله: { وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } وما كنا له مُطِيقين ولا ضابطين، من قولهم: قد أقرنت لهذا: إذا صرت له قرناً وأطقته، وفلان مقرن لفلان: أي ضابط له مُطِيق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس { وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } يقول: مُطِيقين.

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: { مُقْرِنِينَ } قال: الإبل والخيل والبغال والحمير....

    يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون لله من خلقه نصيباً، وذلك قولهم للملائكة: هم بنات الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ: { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً } قال: ولداً وبنات من الملائكة.

    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً } قال: البنات.

    وقال آخرون: عنى بالجزء هاهنا: العدل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً }: أي عِدلاً.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً }: أي عِدلاً.

    وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه أتبع ذلك قوله: { أمِ اتَّخَذَ مِما يخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكُمْ بالبَنِينَ } توبيخاً لهم على قولهم ذلك، فكان معلوماً أن توبيخه إياهم بذلك إنما هو عما أخبر عنهم من قيلهم ما قالوا في إضافة البنات إلى الله جلّ ثناؤه.

  6. #846
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقال آخرون: عُنِي بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { أوْ مَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيةِ... } الآية، قال: هذه تماثيلهم التي يضربونها من فضة وذهب يعبدونها هم الذين أنشأُوها، ضربوها من تلك الحلية، ثم عبدوها { وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ } قال: لا يتكلم، وقرأ فإذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبينٌ.

    وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك الجواري والنساء، لأن ذلك عقيب خبر الله عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وقلة معرفتهم بحقه، وتحليتهم إياه من الصفات والبخل، وهو خالقهم ومالكهم ورازقهم، والمنعم عليهم النعم التي عددها في أوّل هذه السورة ما لا يرضونه لأنفسهم، فاتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرا له أشبه وأولى من اتباعه ما لم يجر له ذكر...

    واختلف القرّاء في قراءة قوله: { أوَ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ } فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين «أوْ مَنْ يَنْشَأُ» بفتح الياء والتخفيف من نشأ ينشأ. وقرأته عامة قرّاء الكوفة { يُنَشَّأُ } بضم الياء وتشديد الشين من نُشَّأته فهو ينَشَّأ.

    والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، لأن المنشَّأ من الإنشاء ناشىء، والناشىء منشأ، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله «أوْ مَنْ لا يُنَشَّأُ إلاَّ فِي الْحِلْيَةِ»، وفي «من» وجوه من الإعراب الرفع على الاستئناف والنصب على إضمار يجعلون كأنه قيل: أو من ينشأ في الحلية يجعلون بنات الله. وقد يجوز النصب فيه أيضاً على الردّ على قوله: أم اتخذ مما يخلق بنات أو من ينشأ في الحلية، فيردّ «من» على البنات، والخفض على الردّ على «ما» التي في قوله: { وَإذَا بُشِّرَ أحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ للرَّحْمَن مَثَلاً }.

  7. #847
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة «الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ» بالنون، فكأنهم تأوّلوا في ذلك قول الله جلّ ثناؤه:
    { إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ }
    فتأويل الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه ويقدّسونه إناثاً، فقالوا: هم بنات الله جهلاً منهم بحقّ الله، وجرأة منهم على قيل الكذب والباطل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة { وَجَعَلوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثاً } بمعنى: جمع عبد. فمعنى الكلام على قراءة هؤلاء: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خلقه وعباده بنات الله، فأنثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناث.

    والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.

    واختلفوا أيضاً في قراءة قوله: { أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ } فقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة «أُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ» بضم الألف، على وجه ما لم يسمّ فاعله، بمعنى: أأشهد الله هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكة الله إناثاً، خلق ملائكته الذين هم عنده، فعلموا ما هم، وأنهم إناث، فوصفوهم بذلك، لعلمهم بهم، وبرؤيتهم إياهم، ثم رُدّ ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله. وقُرىء بفتح الألف، بمعنى: أَشهدوا هم ذلك فعلموه؟

    والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

  8. #848
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { على أُمَّةٍ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار على أُمَّةٍ بضم الألف بالمعنى الذي وصفت من الدين والملة والسنة. وذُكر عن مجاهد وعمر بن عبد العزيز أنهما قرآه «على إمَّةٍ» بكسر الألف. وقد اختُلف في معناها إذا كُسرت ألفها، فكان بعضهم يوجه تأويلها إذا كُسرت على أنها الطريقة وأنها مصدر من قول القائل: أممت القوم فأنا أؤمهم إمَّة. وذُكر عن العرب سماعاً: ما أحسن عمته وإمته وجلسته إذا كان مصدراً. ووجهه بعضهم إذا كُسرت ألفها إلى أنها الإمة التي بمعنى النعيم والمُلك، كما قال عديّ ابن زيد:
    ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ وَالمُلْكِ والإمْـ ـةِ وَارَتّهُمْ هُناكَ القُبورُ
    وقال: أراد إمامة الملك ونعيمه. وقال بعضهم: (الأُمَّة بالضم، والإمَّة بالكسر بمعنى واحد).

    والصواب من القراءة في ذلك الذي لا أستجيز غيره: الضمّ في الألف لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه. وأما الذين كسروها فإني لا أراهم قصدوا بكسرها إلاَّ معنى الطريقة والمنهاج، على ما ذكرناه قبلُ، لا النعمة والملك، لأنه لا وجه لأن يقال: إنا وجدنا آباءنا على نعمة ونحن لهم متبعون في ذلك، لأن الاتباع إنما يكون في الملل والأديان وما أشبه ذلك لا في الملك والنعمة، لأن الاتباع في الملك ليس بالأمر الذي يصل إليه كلّ من أراده.

  9. #849
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقوله: { وإنَّهُمْ لَيَصُدُّوَنهُمْ عَنِ السَّبِيل } يقول تعالى ذكره: وإن الشياطين ليصدّون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحقّ، فيزينون لهم الضلالة، ويكرّهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته { وَيحْسَبُونَ أنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } يقول: ويظنّ المشركون بالله بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم على الحقّ والصواب، يخبر تعالى ذكره عنهم أنهم من الذي هم عليه من الشرك على شكّ وعلى غير بصيرة. وقال جلّ ثناؤه: { وإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } فأخرج ذكرهم مخرج ذكر الجميع، وإنما ذُكر قبل واحدا، فقال: { نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً } لأن الشيطان وإن كان لفظه واحداً، ففي معنى جمع.

  10. #850
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقوله: { وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ } أيها العاشون عن ذكر الله في الدنيا { إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكُمْ فِي العَذَابِ مُشْترِكُونَ } يقول: لن يخفف عنكم اليوم من عذاب الله اشتراككم فيه، لأن لكل واحد منكم نصيبه منه، و«أنَّ» من قوله { أنَّكُمْ } في موضع رفع لما ذكرت أن معناه: لن ينفعكم اشتراككم.

  11. #851
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وقوله: { فإمَّا نَذْهَبَّنَ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } اختلف أهل التأويل في المعنيين بهذا الوعيد، فقال بعضهم: عُنِي به أهل الإسلام من أمة نبينا عليه الصلاة والسلام. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: ثني أبي، عن أبي الأشهب، عن الحسن، في قوله: { فإمَّا نَذْهَبنَّ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } قال: لقد كانت بعد نبيّ الله نقمة شديدة، فأكرم الله جلّ ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فإمَّا نَذْهَبنَّ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } فذهب الله بنبيه صلى الله عليه وسلم، ولم ير في أمته إلا الذي تقرّ به عينه، وأبقى الله النقمة بعده، وليس من نبيّ إلا وقد رأى في أمته العقوبة، أو قال ما لا يشتهي. ذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُري الذي لقيت أمته بعده، فما زال منقبضاً ما انبسط ضاحكاً حتى لقي الله تبارك وتعالى.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة { فإمَّا نَذْهَبنَّ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } فقال: ذهب النبيّ صلى الله عليه وسلم وبقيت النقمة، ولم يُرِ الله نبيه صلى الله عليه وسلم في أمته شيئاً يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبيّ قطُّ إلا رأى العقوبة في أمته، إلا نبيكم صلى الله عليه وسلم. قال: وذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُري ما يصيب أمته بعده، فما رُئي ضاحكاً منبسطاً حتى قبضه الله.

    وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك من قريش، وقالوا: قد رأى الله نبيه عليه الصلاة والسلام فيهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { فإمَّا نَذْهَبنَّ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } كما انتقمنا من الأمم الماضية { أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعْدْناهُمْ } فقد أراه الله ذلك وأظهره عليه وهذا القول الثاني أولى التأويلين في ذلك بالصواب وذلك أن ذلك في سياق خبر الله عن المشركين فلأن يكون ذلك تهديداً لهم أولى من أن يكون وعيداً لمن لم يجر له ذكر. فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فنخرجَك من بينهم { فَإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } ، كما فعلنا ذلك بغيرهم من الأمم المكذّبة رسلها، { أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ } يا محمد من الظفر بهم، وإعلائك عليهم { فَإنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } أن نظهرك عليهم، ونخزيهم بيدك وأيدي المؤمنين بك.

  12. #852
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ }

    اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { واسئلْ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا } ومن الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسألتهم ذلك، فقال بعضهم الذين أُمر بمسألتهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤمنو أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله ابن مسعود «وَاسأَلِ الَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنا».

    حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { وَاسْألِ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا } إنها قراءة عبد الله: «سل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا».

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { واسأَلْ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا } يقول: سل أهل التوراة والإنجيل: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد أن يوحدوا الله وحده؟ قال: وفي بعض القراءة: «واسأل الذين أرسلنا إليهم رسلنا قبلك». { أجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَة يُعْبَدُونَ }.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في بعض الحروف «واسألِ الَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا» سل أهل الكتاب: أما كانت الرسل تأتيهم بالتوحيد؟ أما كانت تأتي بالإخلاص؟.

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: { واسأَلْ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا } في قراءة ابن مسعود «سَلِ الَّذينَ يَقْرَءُونَ الكِتاب مِنْ قَبْلِكَ» يعني: مؤمني أهل الكتاب.

    وقال آخرون: بل الذي أمر بمسألتهم ذلك الأنبياء الذين جُمعوا له ليلة أُسري به ببيت المقدس. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { واسْئَلِ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ... } الآية، قال: جمعوا له ليلة أُسري به ببيت المقدس، وصلى بهم، فقال الله له: سلهم، قال: فكان أشدّ إيمانا ويقينا بالله وبما جاءه من الله أن يسألهم، وقرأ { فإنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسأَل الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ } قال: فلم يكن في شكّ، ولم يسأل الأنبياء، ولا الذين يقرأون الكتاب. قال: ونادى جبرائيل صلى الله عليه وسلم، فقلت في نفسي: " الآن يؤمنا أبونا إبراهيم " قال: " فدفع جبرائيل في ظهري " قال: تقدم يا محمد فصلّ، وقرأ
    { سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ... }
    حتى بلغ
    { لِنُرِيهُ مِنْ آياتِنا }


    وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: عنى به: سل مؤمني أهل الكتابين.

    فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سل الرسل، فيكون معناه: سل المؤمنين بهم وبكتابهم؟ قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أتوهم به عن ربهم، فالخبر عنهم وعما جاؤوا به من ربهم إذا صحّ بمعنى خبرهم، والمسألة عما جاؤوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسؤول من أهل العلم بهم والصدق عليهم، وذلك نظير أمر الله جلّ ثناؤه إيانا بردّ ما تنازعنا فيه إلى الله وإلى الرسول..

  13. #853
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ { بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } قال لئن آمنا ليُكْشَفنّ عنا العذاب.

    إن قال لنا قائل: وما وجه قيلهم يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك، وكيف سموه ساحراً وهم يسألونه أن يدعو لهم ربه ليكشف عنهم العذاب؟ قيل: إن الساحر كان عندهم معناه: العالم، ولم يكن السحر عندهم ذماً، وإنما دعوه بهذا الاسم، لأن معناه عندهم كان: يا أيها العالم.

  14. #854
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار. وأولى التأويلات بالكلام إذ كان ذلك كذلك، تأويل من جعل: أمْ أنا { خَيْرٌ }؟ من الاستفهام الذي جعل بأم، لاتصاله بما قبله من الكلام، ووجهه إلى أنه بمعنى: أأنا خير من هذا الذي هو مهين؟ أم هو؟ ثم ترك ذكر أم هو، لما في الكلام من الدليل عليه. وعنى بقوله: { مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ }: من هذا الذي هو ضعيف لقلَّة ماله، وأنه ليس له من الملك والسلطان ماله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { أمْ أنا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِين } قال: ضعيف....

  15. #855
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة غير عاصم «فَجَعَلْناهُمْ سُلُفاً» بضم السين واللام، توجيهاً ذلك منهم إلى جمع سليف من الناس، وهو المتقدّم أمام القوم. وحَكى الفراء أنه سمع القاسم بن معن يذكر أنه سمع العرب تقول: مضى سليف من الناس. وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وعاصم: { فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً } بفتح السين واللام. وإذا قُرىء كذلك احتمل أن يكون مراداً به الجماعة والواحد والذكر والأنثى، لأنه يُقال للقوم: أنتم لنا سلف، وقد يُجمع فيقال: هم أسلاف ومنه الخبر الذي رُوي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يَذْهَب الصَّالِحُونَ أَسْلافاً " وكان حُميد الأعرج يقرأ ذلك: «فَجَعَلْناهُمْ سُلَفاً» بضم السين وفتح اللام، توجيهاً منه ذلك إلى جمع سلفة من الناس، مثل أمة منهم وقطعة.

    وأولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام، لأنها اللغة الجوداء، والكلام المعروف عند العرب، وأحقّ اللغات أن يُقرأ بها كتاب الله من لغات العرب أفصحها وأشهرها فيهم. فتأويل الكلام إذن: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعون في البحر مقدّمة يتقدمون إلى النار، كفار قومك يا محمد من قريش، وكفار قومك لهم بالأثر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخرِين } قال: قوم فرعون كفارهم سلفاً لكفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم....

    وقال آخر: منهم من كسر الصاد فمجازها يضجون، ومن ضمها فمجازها يعدلون. وقال بعض من كسرها: فإنه أراد يضجون، ومن ضمها فإنه أراد الصدود عن الحقّ.

    حُدثت عن الفرّاء قال: ثني أبو بكر بن عياش، أن عاصماً ترك يصدّون من قراءة أبي عبد الرحمن، وقرأ يصدّون، قال: قال أبو بكر. حدثني عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، أن ابن عباس لقي ابن أخي عبيد بن عمير، فقال: إن عمك لعربيّ، فما له يُلحِن في قوله: «إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ»، وإنما هي { يَصِدُّونَ }.

    والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمعنى واحد، ولم نجد أهل التأويل فرّقوا بين معنى ذلك إذا قرىء بالضمّ والكسر، ولو كان مختلفاً معناه، لقد كان الاختلاف في تأويله بين أهله موجوداً وجود اختلاف القراءة فيه باختلاف اللغتين، ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله: يضجون ويجزعون، فبأيّ القراءتين قرأ القارىء فمصيب. ذكر ما قلنا في تأويل ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } قال: يضجون.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •