النتائج 1 إلى 15 من 1124

الموضوع: إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    سورة الانشقاق

    وقوله: { وَأذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ } يقول: وسمعت الأرضُ في إلقائها ما في بطنها من الموتى إلى ظهرها أحياء، أمرَ ربها وأطاعت { وحُقَّتْ } يقول: وحقَّقها الله للاستماع لأمره في ذلك، والانتهاء إلى طاعته.

    واختلف أهل العربية في موقع جواب قوله: { إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ } ، وقوله: { وَإذَا الأرْضُ مُدَّتْ } ، فقال بعض نحويّي البصرة: { إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ } على معنى قوله:
    { يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحا فَمُلاقِيهِ }
    إذا السماء انشقت، على التقديم والتأخير.

    وقال بعض نَحويّي الكوفة: قال بعض المفسرين: جواب { إذَا السَّماءُ انْشَّقَّتْ } قوله: { وَأذِنَتْ } قال: ونرى أنه رأي ارتآه المفسر، وشبَّهه بقول الله تعالى:
    { حتى إذَا جاءُوها وَفُتِحَتْ أبْوَابُها }
    لأنا لم نسمع جواباً بالواو في إذا مبتدأة، ولا كلام قبلها، ولا في إذا، إذا ابتدئت قال: وإنما تجيب العرب بالواو في قوله: حتى إذا كان، وفلما أن كان، لم يجاوزوا ذلك قال: والجواب في { إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ } وفي { إذَا الأرْضُ مُدَّتْ } كالمتروك، لأن المعنى معروف قد تردّد في القرآن معناه، فعُرِف، وإن شئت كان جوابه: يا أيها الإنسان، كقول القائل: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الناس تَرَون ما عملتم من خير أو شرّ، تجعل يا أيها الإنسان هو الجواب، وتضمر فيه الفاء، وقد فسِّر جواب { إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ } فيما يلقَى الإنسان من ثواب وعقاب، فكأن المعنى: ترى الثواب والعقاب إذا السماء انشقَّت.

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أن جوابه محذوف، ترك استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه. ومعنى الكلام: إذا السماء انشقت رأى الإنسان ما قدّم من خير أو شرّ، وقد بين ذلك قوله:
    { يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ }
    والآياتُ بعدها.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد { فَلا أُقْسِمُ بالشَّفَقِ } قال: النهار.

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

    وقال آخرون: الشفَق: هو اسم للحمرة والبياض، وقالوا: هو من الأضداد.

    والصواب من القول في ذلك عندي: أن يقال: إن الله أقسم بالنهار مدبراً، والليل مقبلاً. وأما الشفَق الذي تحُلّ به صلاة العشاء، فإنه للحمرة عندنا، للعلة التي قد بيَّنَّاها في كتابنا كتاب الصلاة...


    وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين: { لَترْكَبُنَّ } بالتاء، وبضمّ الياء، على وجه الخطاب للناس كافة، أنهم يركبون أحوال الشدة حالاً بعد حال. وقد ذكر بعضهم أنه قرأ ذلك بالياء، وبضم الباء، على وجه الخبر عن الناس كافة، أنهم يفعلون ذلك.

    وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب: قراءة من قرأ بالتاء وبفتح الباء، لأن تأويل أهل التأويل من جميعهم بذلك ورد وإن كان للقراءات الأُخَر وجوه مفهومة. وإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا، فالصواب من التأويل قول من قال: «لَترْكَبَنَّ» أنت يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد....

    والمراد بذلك، وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موجهاً، جميع الناس، أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالاً....

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    سورة البروج

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: والسماء ذات الرمل والماء. ذكر من قال ذلك:

    حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا حصين بن نمير، عن سفيان بن حسين، في قوله: { والسَّماءِ ذَاتِ البُرُوجِ } قال: ذات الرمل والماء.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: معنى ذلك: والسماء ذات منازل الشمس والقمر، وذلك أن البروج: جمع برج، وهي منازل تتخذ عالية عن الأرض مرتفعة، ومن ذلك قول الله:
    { وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ }
    ، وهي منازل مرتفعة عالية في السماء، وهي اثنا عشر برجاً، فمسير القمر في كلّ برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلاً، ثم يستسرّ ليلتين، ومسير الشمس في كلّ برج منها شهر.
    ...

    وقال آخرون: الشاهد: يوم الأضحى، والمشهود، يوم عَرَفة. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: { وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة.

    وقال آخرون: المشهود: يوم الجمعة، ورَوَوْا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك:

    حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكْثِرُوا عَليَّ الصَّلاةَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ "

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شهد، ومشهود شهد، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أيّ شاهد وأيّ مشهود أراد، وكلّ الذي ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعنيّ مما يستحقّ أن يُقال له { شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }....

    واختُلف في موضع جواب القسم بقوله:
    { والسَّماءِ ذَاتِ البُرُوجِ }
    فقال بعضهم: جوابه:
    { إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }
    ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: وقع القسم هاهنا
    { إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }


    وقال بعض نحويِّي البصرة: موضع قسمها والله أعلم، على قتل أصحاب الأخدود، أضمر اللام كما قال: والشَّمْسِ وضُحاها قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاها يريد: إن شاء الله: لقد أفلح من زكَّاها، فألقى اللام، وإن شئت قلت على التقديم، كأنه قال: قتل أصحاب الأخدود، والسماء ذات البروج.

    وقال بعض نحويي الكوفة: يقال في التفسير: إن جواب القسم في قوله: { قُتِلَ } كما كان قسم
    { والشَّمْسِ وَضُحاها }
    في قوله:
    { قَدْ أفْلَحَ }
    هذا في التفسير قالوا: ولم نجد العرب تدع القسم بغير لام يستقبل بها أو «لا» أو «إن» أو «ما»، فإن يكن ذلك كذلك، فكأنه مما ترك فيه الجواب، ثم استؤنف موضع الجواب بالخبر، كما قيل: يا أيها الإنسان، في كثير من الكلام.

    وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: جواب القسم في ذلك متروك، والخبر مستأنف لأن علامة جواب القسم لا تحذفها العرب من الكلام إذا أجابته.

    وأولى التأويلين بقوله: { قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ }: لُعِن أصحاب الأخدود الذين ألقوا المؤمنين والمؤمنات في الأخدود.

    وإنما قلت: ذلك أولى التأويلين بالصواب للذي ذكرنا عن الربيع من العلة، وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم، ولو لم يكونوا أحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله
    { ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }
    معنى مفهوم، مع إخباره أن لهم عذاب جهنم، لأن عذابَ جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابها في الآخرة والأخدود: الحفرة تحفر في الأرض.

    وقوله: { النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ } فقوله النار: ردّ على الأخدود، ولذلك خفضت، وإنما جاز ردّها عليه وهي غيره، لأنها كانت فيه، فكأنها إذ كانت فيه هو، فجرى الكلام عليه لمعرفة المخاطبين به بمعناه وكأنه قيل: قتل أصحاب النار ذَاتِ الوَقُودِ. ويعني بقوله: { ذَاتِ الوَقُودِ } ذات الحطب الجزل، وذلك إذا فتحت الواو، فأما الوقود بضم الواو، فهو الاتقاد.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    يقول تعالى ذكره: النار ذات الوقود، إذ هؤلاء الكفار من أصحاب الأخدود عليها، يعني على النار، فقال عليها، والمعنى أنهم قعود على حافة الأخدود، فقيل: على النار، والمعنى: لشفير الأخدود، لمعرفة السامعين معناه: وكان قتادة يقول في ذلك ما:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ إذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ } يعني بذلك المؤمنين.

    وهذا التأويل الذي تأوّله قتادة على مذهب من قال: قُتل أصحاب الأخدود من أهل الإيمان. وقد دللنا على أن الصواب من تأويل ذلك غير هذا القول الذي وجه تأويله قتادة قبل.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { إنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } فقال بعضهم: معنى ذلك: إن الله أبدى خلقه، فهو يبتدىء، بمعنى: يحدث خلقه ابتداء، ثم يميتهم، ثم يعيدهم أحياء بعد مماتهم، كهيئتهم. قبل مماتهم. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { يُبْدِىءُ ويُعِيدُ } يعني: الخلق.

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } قال: يُبدىء الخلق حين خلقه، ويعيده يوم القيامة.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه هو يبدىء العذاب ويعيده. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { إنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } قال: يبدىء العذاب ويعيده.

    وأوليَ التأويلين في ذلك عندي بالصواب، وأشبههما بظاهر ما دلّ عليه التنزيل، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أنه يُبدىء العذاب لأهل الكفر به ويعيد، كما قال جلّ ثناؤه:
    { فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }
    في الدنيا، فأبدأ ذلك لهم في الدنيا، وهو يعيده لهم في الآخرة.

    وإنما قلت: هذا أولى التأويلين بالصواب، لأن الله أتبع ذلك قوله { إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } فكان للبيان عن معنى شدّة بطشه الذي قد ذكره قبله، أشبه به بالبيان عما لم يجر له ذكر ومما يؤيد ما قلنا من ذلك وضوحاً وصحة، قوله: { وَهُوَ الْغَفُورُ الوَدُودُ } فبين ذلك عن أن الذي قبله من ذكر خبره عن عذابه وشدّة عقابه....

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { مَحْفُوظٍ } فقرأ ذلك من قرأه من أهل الحجاز، أبو جعفر القارىء، وابن كثير. ومن قرأه من قرّاء الكوفة عاصم والأعمش وحمزة والكسائي، ومن البصريين أبو عمرو { محفوظٍ } خفضاً على معنى أن اللوح هو المنعوت بالحفظ. وإذا كان ذلك كذلك كان التأويل في لوح محفوظ من الزيادة فيه، والنقصان منه، عما أثبته الله فيه. وقرأ ذلك من المكِّيين ابن مُحَيْصِن، ومن المدنيين نافع «مَحْفُوظٌ» رفعاً، ردّاً على القرآن، على أنه من نعته وصفته. وكان معنى ذلك على قراءتهما: بل هو قرآن مجيد، محفوظ من التغيير والتبديل في لوح.

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وإذ كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ القارىء فتأويل القراءة التي يقرؤها على ما بيَّنا. وقد:

    حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد { فِي لَوْحٍ } قال: في أمّ الكتاب.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } عند الله.

    وقال آخرون: إنما قيل محفوظ، لأنه من جبهة إسرافيل. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا عمرو بن عليّ، قال: سمعت قرة بن سليمان، قال: ثنا حرب بن سريج، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، في قوله: { بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله، { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مجيد فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } في جَبْهة إسرافيل.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    سورة الطارق

    وقرأ ذلك من أهل المدينة نافع، ومن أهل البصرة أبو عمرو: «لَمَا» بالتخفيف، بمعنى: إن كلّ نفس لعليها حافظ. وعلى أن اللام جواب «إن» و«ما» التي بعدها صلة. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن فيه تشديد.

    والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: التخفيف، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، وقد أنكر التشديد جماعة من أهل المعرفة بكلام العرب، أن يكون معروفاً من كلام العرب، غير أن الفرّاء كان يقول: لا نعرف جهة التثقيل في ذلك، ونرى أنها لغة من هُذَيل، يجعلون إلا مع إن المخففة لَمَا، ولا يجاوزون ذلك، كأنه قال: ما كلّ نفس إلاَّ عليها حافظ، فإن كان صحيحاً ما ذكر الفرّاء، من أنها لغة هُذَيل، فالقراءة بها جائزة صحيحة، وإن كان الاختيار أيضاً إذا صحّ ذلك عندنا، القراءة الأخرى، وهي التخفيف، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، ولا ينبغي أن يترك الأعرف إلى الأنكر. وقد:

    حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا معاذ، عن ابن عون، قال: قرأت عند ابن سيرين: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ» فأنكره، وقال: سبحان الله، سبحان الله.

    فتأويل الكلام: إذن: إن كلّ نفس لَعَليها حافظ من ربها، يحفظ عملها، وَيَحْصِي عليها ما تكسب من خير أو شرّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ» قال: كلّ نفس عليها حفظة من الملائكة.

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ»: حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا بن آدم قبضت إلى ربك....

    وقال آخرون: هي عصارة القلب. ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث أن معمر بن أبي حَبِيبة المَدِيني حدّثه، أنه بلغه في قول الله: { يَخْرُجُ مِنْ بَين الصُّلْب والتَّرَائِبِ } قال: هو عُصارة القلب، ومنه يكون الولد.

    والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: هو موضع القِلادة من المرأة، حيث تقع عليه من صدرها، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم، قال المثقِّب العبدي:
    ومِنْ ذَهَبٍ يُسَنُّ على تَرِيب كَلَوْنِ العاج ليسَ بذي غُضُونِ
    وقال آخر:
    والزَّعْفَرَانُ عَلى تَرَائِبِهَا شَرِقاً بِهِ اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ
    وقوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقكم أيها الناس من هذا الماء الدافق، فجعلكم بشراً سويّاً، بعد أن كنتم ماء مدفوقاً، على رجعه لقادر.

    واختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: { عَلى رَجْعِهِ } على ما هي عائدة، فقال بعضهم: هي عائدة على الماء. وقالوا: معنى الكلام: إن الله على ردّ النطفة في الموضع التي خرجت منه { لَقادِرٌ }. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } قال: إنه على رَدّه في صُلْبه لقادر....

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على ردّ الإنسان ماء كما كان قبل أن يخلقه منه. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعه لَقادِرٌ } إن شئتُ رددتُه كما خلقته من ماء.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على حبس ذلك الماء لقادر. ذكر من قال ذلك:

    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } قال: على رجع ذلك الماء لقادر، حتى لا يخرج، كما قدر على أن يخلق منه ما خلق، قادر على أن يرجعه.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه قادر على رجع الإنسان من حال الكبر إلى حال الصغر. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن مقاتل بن حَيّان، عن الضحاك قال: سمعته يقول في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصِّبا، ومن الصبا إلى النطفة.

    وعلى هذا التأويل تكون الهاء في قوله: { عَلى رَجْعِهِ } من ذكر الإنسان.

    وقال آخرون ممن زعم أن الهاء للإنسان معنى ذلك أنه على إحيائه بعد مماته لقادر. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لقادِرٌ } إن الله تعالى ذكره على بعثه وإعادته قادر.

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال معنى ذلك: إن الله على ردّ الإنسان المخلوق من ماء دافق من بعد مماته حياً، كهيئته قبل مماته لقادر.

    وإنما قلت هذا أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لقوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } فكان في إتباعه قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } نبأ من أنباء القيامة، دلالة على أن السابق قبلها أيضاً منه، ومنه { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } يقول تعالى ذكره: إنه على إحيائه بعد مماته لقادر، يوم تُبلى السرائر فاليوم من صفة الرجع، لأن المعنى: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر.

    وعُنِي بقوله: { يَوْمَ تُبْلى السَّرَائِرُ } يوم تُخْتَبرُ سرائر العباد، فيظهر منها يومئذٍ ما كان في الدنيا مستخفياً عن أعين العباد، من الفرائض التي كان الله ألزمه إياها، وكلَّفه العمل بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حُدثت عن عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } قال: ذلك الصوم والصلاة وغُسْل الجنابة، وهو السرائر ولو شاء أن يقول: قد صُمْتُ وليس بصائم، وقد صلَّيتُ ولم يصلّ، وقد اغتسلت ولم يغتسل....

    وقوله: { فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فمهِّل يا محمد الكافرين ولا تعجلْ عليهم { أمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } يقول: أمهلهم آناً قليلاً، وأنظرهم للموعد الذي هو وقت حلول النقمة بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } يقول: قريباً.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    سورة الاعلي

    وقال آخرون: معنى قوله: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى }: صلّ بذكر ربك يا محمد، يعني بذلك: صلّ وأنت له ذاكر، ومنه وَجِل خائف.

    وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قول من قال: معناه: نزّه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرت من الأخبار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك قالوا: سبحان ربيَ الأعلى، فبَيَّن بذلك أن معناه كان عندهم معلوماً: عظم اسم ربك، ونزّهه...

    والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله عمّ بقوله { فَهَدَى } الخبر عن هدايته خلقه، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى، وقد هداهم لسبيل الخير والشرّ، وهدى الذكور لمأتى الإناث، فالخبر على عمومه، حتى يأتي خبر تقوم به الحجة، دالّ على خصوصه. واجتمعت قرّاء الأمصار على تشديد الدال من قَدَّر، غير الكسائي فإنه خفَّفها. والصواب في ذلك التشديد، لإجماع الحجة عليه....

    ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله { فلا تَنْسَى إلاَّ ما شاءَ اللّهُ } فقال بعضهم: هذا إخبار من الله نبيه عليه الصلاة والسلام أنه يعلمه هذا القرآن، ويحفظه عليه، ونهي منه أن يعجل بقراءته، كما قال جلّ ثناؤه:
    { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ }
    ذكر من قال ذلك:

    حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى } قال: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى.

    فقال قائلو هذه المقالة: معنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان، ومعنى الكلام: فلا تنسى، إلاَّ أن تنساه، ولا تذكُرَه، قالوا: ذلك هو ما نسخه الله من القرآن، فرفع حكمه وتلاوته. ذكر من قال ذلك:

    حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى } كان صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً { إلاَّ ما شاءَ اللّهُ }.

    وقال آخرون: معنى النسيان في هذا الموضع: الترك وقالوا: معنى الكلام: سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشيء منه، إلاَّ أن تترك العمل به، مما ننسخه.

    وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك: لم يشأ الله أن تنسى شيئاً، وهو كقوله:
    { خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ }
    ولا يشاء. قال: وأنت قائل في الكلام: لأعطينك كلّ ما سألت إلاَّ ما شئت، وإلاَّ أن أشاء أن أمنعك، والنية أن لا تمنعه، ولا تشاء شيئاً. قال: وعلى هذا مجارِي الأَيمان، يستثنى فيها، ونية الحالف: اللمام.

    والقول الذي هو أولى بالصواب عندي، قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلاَّ أن نشاء نحن أن نُنسيكه بنسخه ورفعه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك أظهر معانيه.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } يقول: وحَّد الله سبحانه وتعالى.

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: وذكر الله ودعاه ورغب إليه.

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: وذكر الله فوحّده، ودعاه ورغب إليه، لأن كلّ ذلك من ذكر الله، ولم يخصُصِ الله تعالى من ذكره نوعاً دون نوع.

    وقوله: { فَصَلَّى } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عُنِي به: فصّلى الصلوات الخمس. ذكر من قال ذلك:

    حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { فَصَلَّى } يقول: صَّلى الصلوات الخمس.

    وقال آخرون: عني به: صلاة العيد يوم الفطر.

    وقال آخرون: بل عُني به: وذكر اسم ربه فدعا وقالوا: الصلاة هاهنا: الدعاء.

    والصواب من القول أن يقال: عُنِي بقوله: { فَصَلَّى }: الصلوات، وذكر الله فيها بالتحميد والتمجيد والدعاء...

    واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنيْا } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الأمصار: { بَلْ تُؤْثِرُونَ } بالتاء، إلا أبا عمرو، فإنه قرأه بالياء، وقال: يعني الأشقياء.

    والذي لا أوثر عليه في قراءة ذلك التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وذُكر أن ذلك في قراءة أُبيّ: { بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ } فذلك أيضاً شاهد لصحة القراءة بالتاء....

    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن قوله: { قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكى وَذَكَرَ اسمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنيْا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقَى }: لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران.

    وإنما قلت: ذلك أولى بالصحة من غيره، لأن هذا إشارة إلى حاضر، فلأن يكون إشارة إلى ما قرب منها، أولى من أن يكون إشارة إلى غيره. وأما الصحف: فإنها جمع صحيفة، وإنما عُنِي بها: كتب إبراهيم وموسى.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    سورة الغاشية

    والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ } ولم يخبرنا أنه عنى غاشية القيامة، ولاأنه عنى غاشية النار، وكلتاهما غاشية، هذه تغشى الناس بالبلاء والأهوال والكروب، وهذه تغشى الكفار باللفْح في الوجوه، والشُّواظ والنُّحاس، فلا قول في ذلك أصحّ من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه، ويعمّ الخبر بذلك كما عمه.
    ..

    وقوله: { إلاَّ مَنْ تَوَلَّى وكَفَرَ } يتوجَّه لوجهين: أحدهما: فذكّر قومك يا محمد، إلا من تولَّى منهم عنك، وأعرض عن آيات الله فكفر، فيكون قوله «إلا» استثناء من الذين كان التذكير عليهم، وإن لم يذكروا، كما يقال: مضى فلان، فدعا إلا من لا تُرْجَى إجابته، بمعنى: فدعا الناس إلا من لا تُرْجَى إجابته.

    والوجه الثاني: أن يجعل قوله: { إلاَّ مَنْ تَوَلَّى وكَفَرَ } منقطعاً عما قبله، فيكون معنى الكلام حينئذٍ: لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر، يعذّبه الله، وكذلك الاستثناء المنقطع يمتحن بأن يحسن معه إن، فإذا حسنت معه كان منقطعاً، وإذا لم تحسن كان استثناء متصلاً صحيحاً، كقول القائل: سار القوم إلا زيدا، ولا يصلح دخول إن هاهنا لأنه استثناء صحيح.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •