سورة التين
وقال آخرون: التين: مسجد نوح، والزيتون: مسجد بيت المقدس. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } يعني مجسد نوح الذي بني على الجُودِيّ، والزيتون: بيت المقدس قال: ويقال: التين والزيتون وطور سينين: ثلاثة مساجد بالشام.
والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: التين: هو التين الذي يُؤكل، والزيتون: هو الزيتون الذي يُعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يُعرف جبل يسمى تيناً، ولا جبل يقال له زيتون، إلاَّ أن يقول قائل: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالتين والزيتون. والمراد من الكلام: القسمَ بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهباً، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة في ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوِّز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون....
وقال آخرون: هو الجبل، وقالوا: سينين: مبارك حسن. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وَطُورِ }: الجبل { وسِينِينَ } قال: المبارك.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَطُورِ سِينِينَ } قال: جبل مبارك بالشام.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَطُورِ سِينِينَ } قال: جبل بالشام، مُبارك حسن.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: طور سينين: جبل معروف، لأن الطور هو الجبل ذو النبات، فإضافته إلى سينين تعريف له، ولو كان نعتاً للطور، كما قال من قال معناه حسن أو مبارك، لكان الطور منوّناً، وذلك أن الشيء لا يُضاف إلى نعته، لغير علة تدعو إلى ذلك.....
وقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيء من الحيوان إلاَّ وهو منكبّ على وجهه غير الإنسان. ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس { لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال: خلق كلّ شيء منكباً على وجهه، إلاَّ الإنسان.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها لأن قوله: { أحْسَنِ تَقْوِيمٍ } إنما هو نعت لمحذوف، وهو في تقويم أحسن تقويم، فكأنه قيل: لقد خلقناه في تقويم أحسن تقويم.....
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة. ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: في شر صورة في صورة خنزير.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: النار.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إلى النار.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: في النار.
قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: إلى النار.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: قال الحسن: جهنم مأواه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: في النار.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: إلى النار.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر، إلى عمر الخَرْفَى، الذين ذهبت عقولهم من الهَرَم والكِبر، فهو في أسفل من سفل: في إدبار العمر وذهاب العقل.
وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب في ذلك: لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن خلقه ابن آدم، وتصريفه في الأحوال، احتجاجاً بذلك على مُنكري قُدرته على البعث بعد الموت. ألا ترى أنه يقول:
{ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ }
يعني: بعد هذه الحُجَج
ومحال أن يحتجّ على قوم كانوا مُنكرين معنى من المعاني، بما كانوا له مُنكرين. وإنما الحجة على كلّ قوم بما لا يقدرون على دفعه، مما يعاينونه ويحسُّونه، أو يقرّون به، وإن لم يكونوا له مُحِسّين.
وإذْ كان ذلك كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعدهم بها في الآخرة مُنكرين، وكانوا لأهل الهَرَم والخَرَف من بعد الشباب والجَلَد شاهدين، عُلِم أنه إنما احتجّ عليهم بما كانوا له مُعاينين، من تصريفه خلقه، ونقله إياهم من حال التقويم الحسن والشباب والجلد، إلى الهَرَم والضعف وفناء العمر، وحدوث الخَرَف....
وقوله: { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } اختلف أهل التأويل في معنى هذا الاستثناء، فقال بعضهم: هو استثناء صحيح من قوله { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قالوا: وإنما جاز استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم جمع، من الهاء في قوله { ثُمَّ رَدَدْناهُ } وهي كناية الإنسان، والإنسان في لفظ واحد، لأن الإنسان وإن كان في لفظ واحد، فإنه في معنى الجمع، لأنه بمعنى الجنس، كما قيل:
{ وَالْعَصْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ }
قالوا: وكذلك جاز أن يقال: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } فيضاف أفعل إلى جماعة، وقالوا: ولو كان مقصوداً به قصدُ واحد بعينه، لم يجز ذلك، كما لا يُقال: هذا أفضل قائمين، ولكن يقال: هذا أفضل قائم ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، قال: كان يقال: من قرأ القرآن لم يُردّ إلى أرذل العمر، ثم قرأ: { لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَن تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } قال: لا يكونُ حتى لا يعلَم من بعد علم شيئاً
. فعلى هذا التأويل قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } لخاصّ من الناس، غير داخل فيهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لأنه مستثنى منهم.
وقال آخرون: بل الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد يدخلون في الذين رُدّوا إلى أَسْفَل سافلين، لأن أرذْل العُمر قد يردّ إليه المؤمن والكافر. قالوا: وإنما استثنى قوله: { إلاَّ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } من معنى مضمر في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قالوا: ومعناه: ثم رددناه أسفل سافلين، فذهبت عقولهم وخَرِفوا، وانقطعت أعمالهم، فلم تثبت لهم بعد ذلك حسنة. { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ } فإن الذي كانوا يعملونه من الخير، في حال صحة عقولهم، وسلامة أبدانهم، جارٍ لهم بعد هَرَمهم وخَرَفهم.
وقد يُحتمل أن يكون قوله: { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ } استثناء منقطعاً، لأنه يحسن أن يقال: ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لهم أجر غير ممنون، بعد أن يردّ أسفل سافلين. ذكر من قال معنى هذا القول:
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونِ } قال: فأيُّما رجل كان يعمل عملاً صالحاً وهو قويّ شاب، فعجز عنه، جرى له أجر ذلك العمل حتى يموت....
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه أسفل سافلين في جهنم، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون، فعلى هذا التأويل: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات مستثَنون من الهاء في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ } ، وجاز استثناؤهم منها إذ كانت كناية للإنسان، وهو بمعنى الجمع، كما قال:
{ إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ }
ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا }: إلا من آمن.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ }: في النار { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } قال الحسن: هي كقوله:
{ وَالْعَصْر إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ }
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة، قول من قال: معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال صحتهم وشبابهم، فلهم أجر غير ممنون بعد هَرَمهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم، في حال ما كانوا يعملون وهم أقوياء على العمل.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة لما وصفنا من الدلالة على صحة القول بأن تأويل قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَل سافِلِينَ } إلى أرذل العمر.
واختلفوا في تأويل قوله: { غَيرُ مَمْنُونٍ } فقال بعضهم: معناه: لهم أجر غير منقوص. ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ } يقول: غير منقوص.
وقال آخرون: بل معناه: غير محسوب. ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ }: غير محسوب.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.
قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.
قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.
وقد قيل: إن معنى ذلك: فلهم أجر غير مقطوع.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: فلهم أجر غير منقوص، كما كان له أيام صحته وشبابه، وهو عندي من قولهم: جبل مَنِين: إذا كان ضعيفاً ومنه قول الشاعر:
أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثَمَانِيَةٌ ما فِي عَطائِهِمُ مَنٌّ وَلا سَرَفُ
يعني: أنه ليس فيه نقص، ولا خطأ.




رد مع اقتباس
: كُسوة يواري بها سَوْءَته، وكسرة يشدّ بها صُلْبه، وبيت يظلُّه.