سورة القدر

وقوله: { تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: تنزل الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح، في ليلة القدر { بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ } يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { مِنْ كُلِّ أمْرٍ } قال: يُقْضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.

فعلى هذا القول منتهى الخبر، وموضع الوقف من كلّ أمر.

وقال آخرون: { تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ } لا يلْقَون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلَّموا عليه. ذكر من قال ذلك:

حُدِّثت عن يحيى بن زياد الفرّاء، قال: ثني أبو بكر بن عياش، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: «مِنْ كُلِّ امْرِىءٍ سَلامٌ» وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى مِن كلّ امرىء: من كلّ مَلَك كَانَ معناه عنده: تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ مَلَك يُسلِّم على المؤمنين والمؤمنات ولا أرى القراءة بها جائزة، لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله «أمر» ياء، وإذا قُرئت: «مِنْ كُلِّ امْرىءٍ» لحقتها همزة، تصير في الخطّ ياء.

والصواب من القول في ذلك: القول الأوّل الذي ذكرناه قبل، على ما تأوَّله قتادة....

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار، سوى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائيّ { مَطْلَعِ الْفَجْرِ } بفتح اللام، بمعنى: حتى طلوع الفجر تقول العرب: طلعت الشمس طلوعاً ومَطْلَعاً. وقرأ ذلك يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: «حَتَّى مَطْلِعِ الْفَجْرِ» بكسر اللام، توجيهاً منهم ذلك إلى الاكتفاء بالاسم من المصدر، وهم ينوون بذلك المصدر.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: فتح اللام لصحة معناه في العربية، وذلك أن المطلَع بالفتح هو الطلوع، والمطلِع بالكسر: هو الموضع الذي تَطْلُع منه، ولا معنى للموضع الذي تطلع منه في هذا الموضع.