الجوهرة الواحدة والثمانون بعد الاربعمائة
{ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلكَ }
قال السمين فى دره
هذه جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ، قَدَّم الخبرَ اهتماماً، ولا يَخْفَى ما فيها، وهي معطوفةٌ على قولِه: { وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ } وما بينهما اعتراضٌ؛ لأنه كالتفسيرِ لقوله " بالمعروف " كما تقدَّم التنبيهُ عليه.
والألفُ واللامُ في " الوارث " بدلٌ من الضميرِ عندَ مَنْ يَرى ذلك، ثم اختلفوا في ذلك الضمير: هل يعودُ على المولود له وهو الأبُ، فكأنه قيل: وعلى وارِثِه، أي: وارِثِ المولدِ له، أو يعودُ على الولدِ نفسه، أي: وارثِ الولد؟ وهذا على حَسَبِ اختلافِهم في الوارثِ.
وقال القرطبي
أن قوله تعالى: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلكَ } إشارة إلى ما تقدّم؛ فمن الناس من ردّه إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم الإضرار، منهم أبو حنيفة من الفقهاء، ومن السلف قتادة والحسن ويسند إلى عمر. وقالت طائفة من العلماء: إن معنى قوله تعالى: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ } لا يرجع إلى جميع ما تقدّم، وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار؛ والمعنى: وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأُم ما على الأب؛ وهذا هو الأصل، فمن ادّعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدّم فعليه الدليل.
قلت: قوله «وهذا هو الأصل» يريد في رجوع الضمير إلى أقرب مذكور، وهو صحيح؛ إذ لو أراد الجميع الذي هو الإرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء؛ فدل على أنه معطوف على المنع من المضارّة؛ وعلى ذلك تأوّله كافّة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب، وهو أن المراد به أن الوالدة لا تضارّ ولدها في أن الأب إذا بَذَل لها أجرة المثل ألاّ ترضعه، { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } في أن الأُم إذا بذلت أن ترضعه بأجرة المثل كان لها ذلك؛ لأنّ الأُمّ أرفق وأحنّ عليه، ولبنها خير له من لبن الأجنبية.
قال ابن عطية: وقال مالك رحمه الله وجميع أصحابه والشعبيّ أيضاً والزهريّ والضحاك وجماعة من العلماء: المراد بقوله «مثل ذلك» ألاّ تُضَارّ؛ وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه. وروى ابن القاسم عن مالك أن الآية تضمنت أن الرزق والكسوة على الوارث، ثم نسخ ذلك بالإجماع من الأُمّة في ألاّ يضارّ الوارث؛ والخلاف هل عليه رزق وكسوة أم لا.
وقال ابن الجوزى فى زاده
وفي قوله تعالى: { مثل ذلك } ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الإشارة إلى أجرة الرضاع والنفقة، روي عن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وابراهيم، وقتادة، وقبيصة بن ذؤيب، والسدي. واختاره ابن قتيبة. والثاني: أن الإشارة بذلك إلى النهي عن الضرار، روي عن ابن عباس، والشعبي، والزهري. واختاره الزجاج. والثالث: أنه إشارة إلى جميع ذلك، روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، وأبي سليمان الدمشقي، واختاره القاضي أبو يعلى. ويشهد لهذا أنه معطوف على ما قبله، وقد ثبت أن على المولود له النفقة والكسوة، وأن لا يضار، فيجب أن يكون قوله: { مثل ذلك }.
مشيراً إلى جميع ما على المولود له.




رد مع اقتباس