قال السمين فى ال عمران
قوله: { يَغْشَىظ° } قرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء من تحت، وخَرَّجوا قراءةَ حمزة والكسائي على أنها صفةُ لـ " أمَنَة " مراعاةً لها. ولا بُدَّ من تفصيلٍ وهو: إنْ أَعْرَبوا " نُعاساً " بدلاً أو عطفَ بيان أَشْكَلَ قولُهم مِنْ وجهين، أحدُهما: أنَّ النحاةَ نَصُّوا على أنه إذا اجتمع الصفةُ والبدلُ أوعطفُ البيان، قُدِّمتِ الصفةُ وأُخِّر غيرُها. وهنا قد قَدَّموا البدلَ أو عطفَ البيانِ عليها. والثاني: أن المعروفَ في لغة العرب أن تُحَدِّث عن البدل لا عن المبدل منه تقول: " هندٌ حسنُها فاتِنٌ " ولا يجوزُ: " فاتنةٌ " إلا قليلاً، فَجَعْلُهم " نُعاساً " بدلاً من " أمنة " يَضْعُفُ بهذا، فإنْ قيل: قد جاءَ مراعاةُ المبدلِ منه في قوله:
1471ـ فكأنه لَهِقُ السَّراةِ كأنه ما حاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بِسَوادِ
فقال: " مُعَيَّن " مراعاةً للهاء في " كأنه " ، ولم يراعِ البدلَ وهو " حاجَبْيه " ومثلُه قولُه:
1472ـ إنَّ السيوفَ غُدُوَّها ورَواحَها تَرَكَتْ هوازنَ مثلَ قَرْن الأعْضَبِ
فقال: " تَرَكَتْ " مراعاةً للسيوف، ولو راعَى البدلَ لقال: " تركا ". فالجواب: أن هذا ـ وإنْ كان قد قال به بعض النحويين مستنداً إلى هذين البيتين ـ مؤولٌ بأنَّ " مُعَيَّن " خبرٌ عن " حاجبيه " لجريانهما مَجْرى الشيء الواحدِ في كلام العرب، وأنَّ نَصْبَ " غدوها ورواحها " على الظرفِ لا على البدل، وقد تقدَّم لنا شيء من هذا عند قوله:
{ عَلَى ظ±لْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ }
[البقرة: 102].
وإنْ أَعربوا " نُعاساً " مفعولاً من أجلِه لَزِم الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بالمفعولِ له، وكذا إنْ أَعْربوا " نعاساً " مفعولاً به، و " أَمَنَةً " حالاً يلزم الفصلُ أيضاً، وفي جوازه نظرٌ. والأحسنُ حينئذٍ أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما حكمُ هذه الأمَنَة؟ فأخبرَ بقوله " تَغْشى " ،
ومَنْ قرأ بالياء أعاد الضمير على " نُعاساً " وتكون الجملةُ صفةً له. و " منكم " صفة لـ " طائفة " فيتعلق بمحذوف....
وقوله: { فَمَن ذَا ظ±لَّذِي } قد تقدَّم مثلُه في البقرة وأقوالُ الناس فيه. والهاءُ في " مِنْ بعدِه " فيها وجهان، أحدُهما ـ وهو الأظهر ـ أنها تعودُ على اللهِ تعالى، وفيه احتمالان، أحدُهما: أَنْ يكونَ ذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ بعدِ خِذْلانِه. والثاني: أنه لا يُحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلام: إنكم إذا جَوَّزْتموه إلى غيرِه وقد خَذَلكم فَمَنْ تجاوزون إليه وينصُركم؟ والوجه الثاني: أن تعودَ على الخِذْلان المفهوم من الفعلِ وهو نظيرُ:
{ ظ±عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ }
[المائدة: 8]....
الجوهرة السابعة والخمسون بعد الخمسمائة
قال السمين فى ال عمران
قوله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ }: مفعول أول، و " أمواتاً " مفعولٌ ثان، والفاعلُ: إمَّا ضميرُ كل مخاطب أو ضميرُ الرسول عليه السلام كما تقدَّم في نظائره.
وقرأ حميد بن قيس وهشام ـ بخلاف عنه ـ " يَحْسَبَنَّ " بياء الغيبة. وفي الفاعلِ وجهان، أحدهما: أنه مضمرٌ: إمَّا ضميرُ الرسول، أو ضمير مَنْ يَصْلُح للحُسْبان أَيِّ حاسبٍ. والثاني: ـ قاله الزمخشري ـ وهو أن يكون " الذين قُتِلوا " قالِ: " ويجوزُ أَنْ يكون " الذين قُتِلوا " فاعلاً، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين قتلوا أمواتاً أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فإنْ قلت: كيف جاز حَذْفُ المفعول الأول؟ قلت: هو في الأصل مبتدأ فَحُذِف كما حُذِف المبتدأ في قوله: " بل أحياءٌ " أي: هم أحياءٌ، لدلالة الكلام عليهما.
ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا التقديرَ يؤدي إلى تقديمِ الضميرِ على مفسَّره، وذلك لا يجوزُ إلا في أبوابٍ محصورةٍ، وعدَّ باب: رُبَّه رجلاً، ونِعْم رجلاً زيدٌ، والتنازع عند إعمال الثاني في رأي سيبويه، والبدلُ على خلاف فيه، وضمير الأمر. قال: " وزاد بعضُ أصحابنا أن يكون [الظاهر] المفسِّر خبراً، وبأنّ حَذْفَ أحد مفعولي " ظن " اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليلٌ جداً، نَصَّ عليه الفارسي، ومَنَعه ابن ملكون البتة ".
وهذا من تَحَمُّلاته عليه. أمَّا قولُه " يؤدي إلى تقديم المضمر إلى آخره " فالزمخشري لم يقدِّرْه صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لَمَّا أراد أن يُقَدَّر الصناعة النحويةَ قَدَّره بلفظ " أنفسهم " المنصوبةِ وهي المفعول الأول، وأظنُ أنَّ الشيخَ تَوَهَّم أنها مرفوعةٌ تأكيدٌ للضمير في " قُتلوا " ، ولم ينتبه أنه إنما قَدَّرها مفعولاً أولَ منصوبةً. وأمَّا تمشيتُه قولَه على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك، وما عليه من ابنِ مَلْكون؟ وستأتي مواضع يَضْطَرُّ هو وغيرُه إلى حَذْفِ أحد المفعولين كما ستقف عليه قريباً.




رد مع اقتباس