الجزء الثالث
الجوهرة الثالثة والاربعون
قال السمين
وقوله: { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } إلى آخره: الجملةُ المنفيَّةُ صفةٌ لـ " يوم " فمحلُّها الرفعُ. وقرأ/ " بَيْعٌ " وما بعدَه مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيهُ ذلك، مذكورٌ في قوله:
{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ }
[البقرة: 197] فليُنْظر ثَمَّةَ......
{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }
قال السمين
قولُه تعالى: { وَظ±لَّذِينَ كَفَرُوغ¤اْ أَوْلِيَآؤُهُمُ }: الذين مبتدأٌ أولُ، وأولياؤهم مبتدأٌ ثانٍ، والطاغوتُ: خبرُه، والجملةُ خبرُ الأول. وقرأ الحسن [ " الطواغيت " بالجمعِ، وإن كان أصلُه مصدراً لأنه لمَّا] أطلق على المعبودِ مِنْ دونِ الله اختلفَت أنواعُه، ويؤيِّد ذلك عَوْدُ الضمير مَجْمُوعاً من قولِهِ: " يُخْرِجونهم...
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }
قال ابن عطية
وقرأ الجمهور: " فبُهِتَ " الذي بضم الباء وكسر الهاء، يقال بهت الرجل: إذا انقطع وقامت عليه الحجة. قال ابن سيده: ويقال في هذا المعنى: " بَهِتَ " بفتح الباء وكسر الهاء، " وَبَهُت " بفتح الباء وضم الهاء. قال الطبري: وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى، " بَهَت " بفتح الباء والهاء.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا ضبطت اللفظة في نسخة ابن ملول دون تقييد بفتح الباء والهاء، قال ابن جني: قرا أبو حيوة: " فبَهُت " بفتح الباء وضم الهاء هي لغة في بهت بكسر الهاء، قال: وقرأ ابن السميفع: " فبَهَت " بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز أن يكون " بَهَتَ " بفتحهما لغة في بهت. قال: وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة " فبهِت " بكسر الهاء كَخَرِقَ ودهِش، قال: والأكثر بالضم في الهاء، قال ابن جني: يعني أن الضم يكون للمبالغة، قال الفقيه أبو محمد: وقد تأول قوم في قراءة من قرأ { فبهت } بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة
قال السمين
قوله: { لَمْ يَتَسَنَّهْ } هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال. وزعم بعضُهم أن المضارعَ المنفيَّ بـ " لم " إذا وَقَع حالاً فالمختارُ دخولُ واوِ الحال وأنشد:/
1051 ـ بأَيْدي رجالٍ لم يَشِيْموا سيوفَهُمْ ولم تَكْثُر القَتْلى بها حينَ سُلَّتِ
وزعم آخرون أنَّ الأَوْلَى نفيُ المضارعِ الواقعِ حالاً بما ولمَّا وكلا الزعمين غيرُ صحيحين. لأنَّ الاستعمالَيْنِ واردان في القرآنِ، قال تعالى:
{ فَظ±نْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ظ±للَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوغ¤ءٌ }
[آل عمران: 174]، وقال تعالى:
{ أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ }
[الأنعام: 93] فجاء النفيُ بـ لم مع الواوِ ودونِها.
قيل: قد تقدَّم شيئاَن وهما " طعامِك وشرابِك " ولم يُعِدِ الضميرَ إلا مفرداً، وفي ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ، أحدُها: أنهما لمَّا كانا متلازِمَيْنِ، بمعنى أنَّ أحدَهما لا يُكْتَفَى به بدونِ الآخر صارا بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ حتى كأنه [قال:] فانظُرْ إلى غذائِك. الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ إلى الشراب فقط، لأنه أقربُ مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفَتْ لدلالةِ هذه عليها. والتقديرُ: وانظرْ إلى طعامِكَ لم يَتَسَنَّهْ وإلى شرابِك لم يَتَسَنَّهْ، أو يكونُ سكتَ عن تغيُّرِ الطعامِ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وذلك أنه إذا لم يتغيَّرِ الشرابُ مع نَزْعَة النفس إليه فَعَدَمُ تغيُّر الطعامِ أَوْلَى، قال معناه أبو البقاء. والثالث: أنه أفردَ في موضِعِ التثنيةِ، قاله أبو البقاء وأنشد:
1052 ـ فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ أو سُنْبَلٍ كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ
وليس بشيءٍ.
وقرأ حمزةُ والكسائي: " لم يَتَسَنَّهْ " بالهاء وقفاً وبحذفها وصلاً، والباقون بإثباتِها في الحالين. فأمَّا قراءتهما فالهاءُ فيها للسكتِ. وأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فالهاء تحتملُ وجهين، أحدُهما: أن تكونَ أيضاً للسكتِ، وإنما أُثبتت وصلاً إجراء للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وهو في القرآن كثيرٌ، سيمرُّ بك منه مواضعُ، فعلى هذا يكون أصلُ الكلمةِ: إمَّا مشتقاً من لفظ " السَّنة " على قولنا إنَّ لامَها المحذوفةَ واوٌ، ولذلكَ تُرَدُّ في التصغير والجمع، قالوا: سُنَيَّة وسَنَوات، وعلى هذه اللغة قالوا: " سانَيْتُ " أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لوقوعِها رابعةً، وقالوا: أَسْنَتَ القومُ، فقلبوا الواوَ تاءً، والأصل أَسْنَوُوا، فأَبْدَلوها في تُجاه وتُخَمة كما تقدَّم، فأصله: يَتَسَنَّى فحُذِفَتْ الألفُ جزماً، وإمَّا مِنْ لفظ " مَسْنون " وهو المتغيِّرُ ومنه
{ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }
[الحجر: 26]، والأصل: يتَسَنَّنُ بثلاثِ نونات، فاسْتُثْقِلَ توالي الأمثال، فَأَبْدَلْنَا الأخيرةَ ياءً، كما قالوا في تَظَنَّنَ: تظَنَّى، وفي قَصَّصْت أظفاري: قَصَّيْت، ثم أَبْدَلْنَا الياء ألفاً لتحرُّكِها وانفتاح ما قبلَها، ثم حُذِفَتْ جزماً، قاله أبو عمرو، وخَطَّأَه الزجاج، قال: " لأنَّ المسنونَ المصبوبَ على سَنَنِ الطريق ".
وحُكِيَ عن النقاش أنه قال: " هو مأخوذٌ من أَسِنَ الماءُ " أي تغيَّر، وهذا وإن كان صحيحاً معنىً فقد رَدَّ عليه النحويون قولَه لأنه فاسدٌ اشتقاقاً، إذ لو كان مشتقاً من " أَسِنَ الماء " لكان ينبغي حين يُبْنَى منه تفعَّل أن يقال تأسَّن.
ويمكن أَنْ يُجَابَ عنه أنه يمكنُ أن يكونَ قد قُلِبَت الكلمةُ بَنْ أُخِّرَتْ فاؤها - وهي الهمزة - إلى موضِع لامِها فبقي: يَتَسَنَّأ بالهمزةِ آخِراً، ثم أُبْدِلَت الهمزةُ ألفاً كقولِهم في قرأ: " قَرَا " ، وفي استَهْزا " ثم حُذِفَتْ جزماً.
والوجه الثاني: أن تكونَ الهاءُ أصلاً بنفسِها، ويكونُ مشتقاً من لفظ " سنة " أيضاً، ولكن في لغةِ من يَجْعَلُ لامَها المحذوفَةَ هاءً، وهم الحجازيون، والأصلِ: سُنَيْهَة، يَدُلُّ على ذلك التصغيرُ والتكسير، قالوا: سُنَيْهَة وسُنَيْهات وسانَهْتُ، قال شاعرهم:
1053 ـ وليسَتْ بِسَنْهَاء ولا رُجَّبِيَّةٍ ولكنْ عرايا في السنينِ الجوائِحِ
ومعنى " لم يَتَسَنَّهْ " على قولِنا: إنه من لفظِ السَّنَة، أي: لم يتغيَّر بمَرِّ السنين عليه، بل بقي على حالِه، وهذا أَوْلى من قولِ أبي البقاء في أثناءِ كلامه " من قولك أَسْنى يُسْنِي إذا مَضَتْ عليه سِنونَ " لأنه يَصِيرُ المعنى: لم تَمْضِ عليه سنونَ، وهذا يخالِفُهُ الحِسُّ والواقعُ.
وقرأ أُبَيّ: " لم يَسَّنَّه " بإدغام التاء في السين، والأصل: " لم يَتَسَنَّه " كما قرىء
{ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىظ° ظ±لْمَلإِ }
[الصافات: 8]، والأصل: يَتَسَمَّعون فَأُدْغِم.
وقرأ طلحة بن مصرف: " لمئة سنة ".
الجوهرة الرابعة والاربعون
وقال ابن عطية
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " نَنْشُرُها " بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. " ننشزها " بالزاي، وروى أبان عن عاصم " نَنشرُها " بفتح النون الأولى وضم الشين وبالراء، وقرأها كذلك ابن عباس والحسن وأبو حيوة. فمن قرأها " نُنشرها " بضم النون الأولى وبالراء فمعناه نحييها. يقال أنشر الله الموتى فنشروا، قال الله تعالى:
{ ثم إذا شاء أنشره }
[عبس: 22].
وقال الأعشى: [السريع]
يَا عَجَبا للميِّت النَّاشِرِ
وقراءة عاصم: " نَنشرها " بفتح النون الأولى يحتمل أن تكون لغة في الإحياء، يقال: نشرت الميت وأنشرته فيجيء نشر الميت ونشرته، كما يقال حسرت الدابة وحسرتها، وغاض الماء وغضته، ورجع زيد ورجعته. ويحتمل أن يراد بها ضد الطيّ، كأن الموت طيّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع بعضها إلى بعض نشر. وأما من قرأ: " ننشزها " بالزاي بمعناه: نرفعها، والنشز المرتفع من الأرض، ومنه قول الشاعر:
ترى الثَّعْلَبَ الْحَوليَّ فيها كأنَّهُ إذا مَا علا نَشْزاً حِصَانٌ مُجَلَّلُ
قال أبو علي وغيره: فتقديره ننشزها برفع بعضها إلى بعض للإحياء، ومنه نشوز المرأة وقال الأعشى: [الطويل]
قُضَاعِيَّةٌ تَأْتي الْكَواهِنَ ناشِزا
يقال نشز وأنشزته.
قال القاضي أبو محمد: ويقلق عندي أن يكون معنى النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض، وإنما النشوز الارتفاع قليلاً قليلاً، فكأنه وقف على نبات العظام الرفات وخروج ما يوجد منها عند الاختراع، وقال النقاش: ننشزها معناه ننبتها، وانظر استعمال العرب تجده على ما ذكرت، من ذلك نشز ناب البعير، والنشز من الأرض على التشبيه بذلك، ونشزت المرأة كأنها فارقت الحال التي ينبغي أن تكون عليها، وقوله تعالى:
{ وإذا قيل انشزوا فانشزوا }
[المجادلة: 11] أي فارتفعوا شيئاً شيئاً كنشوز الناب. فبذلك تكون التوسعة، فكأن النشوز ضرب من الارتفاع. ويبعد في الاستعمال أن يقال لمن ارتفع في حائط أو غرفة: نشز. وقرأ النخعي " نَنشُزُها " بفتح النون وضم الشين والزاي، وروي ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أبي بن كعب: " كيف ننشيها " بالياء. والكسوة: ما وارى من الثياب،وشبه اللحم بها، وقد استعاره النابغة للإسلام فقال:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيتُ من الإسلامِ سربالا
وروي أنه كان يرى اللحم والعصب والعروق كيف تلتئم وتتواصل...
وقال الطبري
والقول فـي ذلك عندي أن معنى الإنشار ومعنى الإنشاز متقاربـان، لأن معنى الإنشاز التركيب والإثبـات وردّ العظام من العظام وإعادتُها لا شك أنه ردّها إلـى أماكنها ومواضعها من الـجسد بعد مفـارقتها إياها. فهما وإن اختلفـا فـي اللفظ، فمتقاربـا الـمعنى، وقد جاءت بـالقراءة بهما الأمة مـجيئاً يقطع العذر ويوجب الـحجة، فبأيهما قرأ القارىء فمصيب لانقـياد معنـيـيهما، ولا حجة توجب لإحداهما من القضاء بـالصواب علـى الأخرى. فإن ظنّ ظان أن الإنشار إذا كان إحياء فهو بـالصواب أولـى، لأن الـمأمور بـالنظر إلـى العظام وهي تنشر إنـما أمر به لـيرى عيانا ما أنكره بقوله { أَوْ كَظ±لَّذِى مَرَّ عَلَىظ° قَرْيَةٍ وَهِىَ } فإن إحياء العظام لا شك فـي هذا الـموضع إنـما عنى به ردّها إلـى أماكنها من جسد الـمنظور إلـيه، وهو يحيا، لا إعادة الروح التـي كانت فـارقتها عند الـمـمات. والذي يدل علـى ذلك قوله { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ولا شك أن الروح إنـما نفخت فـي العظام التـي أنشرت بعد أن كسيت اللـحم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنشاز تركيب العظام وردّها إلـى أماكنها من الـجسد، وكان ذلك معنى الإنشار، وكان معلوماً استواء معنـيـيهما، وأنهما متفقا الـمعنى لا مختلفـاه، ففـي ذلك إبـانة عن صحة ما قلنا فـيه. وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي، وهي قراءة من قرأ «كَيْفَ نَنْشُرُها» بفتـح النون وبـالراء، لشذوذها عن قراءة الـمسلـمين وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب
الجوهرة الخامسة والاربعون
وقال السمين
قوله: { قَالَ أَعْلَمُ } الجمهورُ على " قال " مبنياً للفاعلِ. وفي فاعلِهِ على قراءةِ حمزة والكسائي: " اعْلَمْ " أمراً من " عَلِمَ " قولان، أظهرِهُما: أنه ضميرٌ يعودُ على اللِّهِ تعالى أو على المَلِكِ، أي: قال اللَّهُ أو المَلِكُ أو المَلِكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ. والثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسهِ، نَزَّلَ نفسَه منزلَةَ الأجنبي فخاطَبَهَا، ومنه:
1058 ـ وَدِّعْ هُرَيْرَةَ......... .....................
[وقوله]:
1059 ـ ألم تَغْتَمِضْ عيناك... ............................
[قوله]:
1060 ـ تطاولَ ليلُك......... ....................
يعني نفسَه. قال أبو البقاء: " ما تقولُ لنفسِك: اعلمْ يا عبدَ الله، ويُسَمَّى هذا التجريدَ " يعني كأنه جَرَّد من نفسه مخاطباً يخاطِبُه.
وأمَّا على قراءةِ غيرهما: " أعلمُ " مضارعاً للمتكلمِ ففاعلُ " قال " ضميرُ المارِّ، أي: قال المارُّ: أعلَمُ أنا




رد مع اقتباس