الجوهرة الثلاثون بعد المائة
قال السمين
قوله: { يُلْحِدُونَ } قرأ حمزة هنا وفي النحل وحم السجدة: يَلْحدون بفتح الياء والحاء مِنْ لحد ثلاثياً. والباقون بضم الياء وكسرِ الحاء مِنْ أَلْحد. فقيل: هما بمعنى واحد، وهو المَيْل والانحراف. ومنه لَحْد القبر لأنه يُمال، بحفره إلى جانبه، بخلاف الضريح فإنه يُحْفر في وسطه، ومن كلامهم " ما فعل الواجد؟ قالوا لَحَدَه اللاحد ". وإلى كونهما بمعنى واحد ذهب ابن السِّكِّيت وقال: " هما العدول عن الحق ". وأَلْحد أكثر استعمالاً مِنْ لَحَدَ قال:
2348ـ ليس الإِمام بالشحيح المُلْحِدِ
وقال غيره: " لَحَدَ بمعنى رَكَنَ وانضوى، وألحد: مال وانحرف " قاله الكسائي. ونُقل عنه أيضاً: أَلْحَدَ: أعرض، ولحد: مال. قالوا: ولهذا وافق حمزة في النحل إذ معناه: يميلون إليه.
وروى أبو عبيدة عن الأصمعي: " ألحد: مارى وجادل، ولحد: حاد ومال. ورُجِّحت قراءةُ العامة بالإِجماع على قوله " بإلحاد ". وقال الواحدي: " ولا يكاد يُسْمع من العرب لاحد ". قلت: فامتناعُهم من مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلَّته وقد قَدَّمْتُ من كلامهم " لحده اللاحِد ". ومعنى الإِلحاد فيها أن اشتقوا منها أسماءً لآلهتهم فيقولون: اللات من لفظ الله، والعزَّى من لفظ العزيز، ومناة مِنْ لفظ المَنَّان، ويجوز أن يُراد سَمَّوه بما لا يليق بجلاله.
وقال ابن عطية
وقوله: { أملي } معناه أؤخر ملاءة من الدهر أي مدة وفيها ثلاث لغات فتح الميم وضمها وكسرها، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر " أن كيدي " على معنى لأجل أن كيدي، وقرأ جمهور الناس وسائر السبعة " إن كيدي " على القطع والاستئناف،...
قال السمين
قوله: { كَأَنَّكَ حَفِيٌّ } هذه الجملة التشبيهية في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ مفعولِ " يسألونك ". وفي " عنها " وجهان، أحدهما: أنها متعلقةٌ بيسألونك وكأنك حَفِيٌّ معترض، وصلتها محذوفة تقديره: حَفِيٌّ بها.
وقال أبو البقاء: " في الكلام تقديمٌ وتأخير، ولا حاجةَ إلى ذلك لأن هذه كلَّها متعلقاتٌ للفعل فإنَّ قولَه:/ " كأنك حفيٌّ " حال كما تقدم. والثاني أنَّ " عن " بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى عن كقوله:{ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً } [الفرقان: 59]{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ظ±لسَّمَآءُ بِظ±لْغَمَامِ } [الفرقان: 25] لأن حَفِي لا يتعدَّى بـ " عن " بل بالباءِ كقوله:{ كَانَ بِي حَفِيّاً } [مريم: 47] ويُضَمَّن معنى شيء يتعدَّى بـ " عن " ، أي: كأنك كاشف بحفاوتك عنها.
والحَفِيُّ: المستقصي عن الشيء، المهتبل به، المعتني بأمره قال:
2355ـ سؤال حفيٍّ عن أخيه كأنه بذُكْرَتِهِ وَسْنانُ أو مُتَواسِنُ
وقال آخر:
2356ـ فلمَّا التقينا بَيَّن السيفُ بيننا لسائلةٍ عنا حَفِيٍّ سؤالُها
وقال الأعشى:
2357ـ فإنْ تَسْأَلي عني فيا رُبُّ سائلٍ حَفِيٍّ عن الأعشى به حيث أَصْعَدا
والإِحْفاءُ: الاستقصاء ومنه " إحفاء الشوارب " والحافي، لأنه حَفِيَتْ قدمُه في استقصاء السَّير. والحفاوة: البرُّ واللطف.
وقرأ عبد الله " حَفِيٌّ بها " وهي تَدُلُّ لمن ادَّعى أن " عَنْ " بمعنى الباء. وحَفِيٌّ فعيل بمعنى مفعول أي: محفوٌّ. وقيل: بمعنى فاعل أي: كأنك مبالِغٌ في السؤال عنها ومتطلع إلى عِلْمِ مجيئها




رد مع اقتباس