الجوهرة الثامنة والستون بعد المائة
قال ابن الجوزى
قوله تعالى: { إِنه عملٌ غيرُ صالح } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة: «إِنه عملٌ» رفع منون «غيرُ صالح» برفع الراء، وفيه قولان:
أحدهما: أنه يرجع إِلى السؤال فيه، فالمعنى: سؤلك إِياي فيه عمل غير صالح، قاله ابن عباس، وقتادة، وهذا ظاهر، لأنه قد تقدم السؤال فيه في قوله: «رب إِن ابني من أهلي» فرجعت الكناية إِليه.
والثاني: أنه يرجع إِلى المسؤول فيه.
وفي هذا المعنى قولان.
أحدهما: أنه لغير رِشدة، قاله الحسن.
والثاني: أن المعنى: إِنه ذو عمل غير صالح، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: من قال: هو لغير رِشدة، قال: المعنى: إِن أصل أبنك الذي تظن أنه أبنك عملٌ غير صالح. ومن قال: إِنه ذو عمل غير صالح، قال: حذف المضاف، وأقام العمل مقامه، كما تقول العرب: عبد الله إِقبال وإِدبار، أي: صاحب إِقبال وإِدبار.
وقرأ الكسائي: «عَمِلَ» بكسر الميم وفتح اللام «غيرَ صالح» بفتح الراء، يشير إِلى أنه مشرك.
وقال ابن عطية
وقرأ بعض هذه الفرقة " إنه عمل غير صالح " وهي قراءة الكسائي، وروت هذه القراءة أم سلمة وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره أبو حاتم، وضعف الطبري هذه القراءة وطعن في الحديث بأنه من طريق شهر بن حوشب، وهي قراءة علي وابن عباس وعائشة وأنس بن مالك، ورجحها أبو حاتم وقرأ بعضها: " إنه عمل عملاً غير صالح ". وقالت فرقة: الضمير في قوله: " إنه عمل غير صالح " على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام وقد فسره آخر الآية؛ ويقوي هذا التأويل أن في مصحف ابن مسعود " إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم ". وقالت فرقة: الضمير عائد على ركوب ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أن ركوب الكافر مع المؤمنين عمل غير صالح، وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون التقدير أن كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح.....
وقال الطبري
وأما قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } بتنوين عمل ورفع غير. واختلف الذي قرءوا ذلك كذلك فـي تأويـله، فقال بعضهم معناه إن مسألتك إياي هذه عملٌ غيرُ صالـح. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ قال إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالـح. حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } أي سوء { فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ }. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا عبد الله، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } يقول سؤالك عما لـيس لك به علـم. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن مـجاهد، قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال سؤالك إياي عمل غير صالـح فَلا { تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ }. وقال آخرون بل معناه إن الذي ذكرت أنه ابنك فسألتنـي أن أنـجيَه عمل غير صالـح، أي أنه لغير رِشْدة. وقالوا الهاء فـي قوله «إنَّهُ» عائدة علـى الابن. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال ثنا ابن نـمير، عن ابن أبـي عَرُوبة، عن قتادة، عن الـحسن أنه قرأ { عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال ما هو والله بـابنه. ورُوي عن جماعة من السلف أنهم قرأوا ذلك «إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِـحٍ» علـى وجه الـخبر عن الفعل الـماضي، وغير منصوبة. ومـمن رُوي عنه أنه قرأ ذلك كذلك ابن عبـاس. حدثنا ابن وكيع، قال ثنا ابن عيـينة عن موسى بن أبـي عائشة عن سلـيـمان بن قَتَّة، عن ابن عبـاس أنه قرأ «عَمِلَ غَيْرَ صَالِـحٍ». ووجهوا تأويـل ذلك إلـى ما. حدثنا به ابن وكيع، قال ثنا غُنْدر، عن ابن أبـي عَروبة عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبـاس { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال كان مخالفـاً له فـي النـية والعمل.
ولا نعلـم هذه القراءة قرأ بها أحد من قراء الأمصار إلا بعض الـمتأخرين. واعتل فـي ذلك بخبر رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك كذلك غير صحيح السند، وذلك حديث رُوي عن شَهْر بن حَوْشَب، فمرة يقول عن أمّ سلـمة، ومرّ يقول عن أسماء بنت يزيد، ولا نعلـم لبنت يزيد ولا نعلـم لشَهْرٍ سماعاً يصحّ عن أمّ سلـمة. والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك رفع «عمل» بـالتنوين، ورفع «غير»، يعنـي إن سؤالك إياي ما تسألنـيه فـي ابنك الـمخالف دينك الـموالـي أهل الشرك بـي من النـجاة من الهلاك، وقد مضت إجابتـي إياك فـي دعائك{ لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً } ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم عملٌ غير صالـح، لأنه مسألة منك إلـيّ أن لا أفعل ما قد تقدم منـي القول بأنـي أفعله فـي إجابتـي مسألتك إياي فعله، فذلك هو العمل غير الصالـح.




رد مع اقتباس