الجوهرة الثانية والتسعون بعد المائتين
قال السمين
قوله: { عَاقِبَةَ ظ±لَّذِينَ }: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالرفع. والباقون بالنصب. فالرفعُ على أنها اسمُ كان، وذُكِّر الفعلُ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. وفي الخبرِ حينئذٍ وجهان، أحدهما: " السُّوْءَى " أي: الفَعْلَة السُّوْءَى أو الخَصْلَةَ السُّوْءى. والثاني: " أَنْ كَذَّبوا " أي: كان آخرُ أَمْرِهم التكذيبَ. فعلى الأولِ يكونُ في " أَنْ كَذَّبوا " وجهان: أحدُهما: أنه على إسقاطِ الخافض: إمَّا لامِ العلةِ أي: لأَنْ كَذَّبوا، وإمَّا باءِ السببيةِ أي: بأَنْ كَذَّبوا. فلمَّا حُذِفَ الحرفُ جَرَى القولان المشهوران بين الخليلِ وسيبويه في محلِّ " أَنْ ". والثاني: أنه بدلٌ من " السُّوْءَى " أي: ثم كان عاقبتُهم التكذيبَ، وعلى الثاني يكونُ " السُّوْءَى " مصدراً لـ أساْءُوا، أو يكونُ نعتاً لمفعولٍ محذوفٍ أي: أساْءُوا الفَعْلَةَ السُّوْءَى، والسُّوْءَى تأنيثُ الأَسْوَأ.
وجوَّز بعضُهم أَنْ يكونَ خبرُ كان محذوفاً للإِبهامِ، والسُّوْءَى: إمَّا مصدرٌ، وإمَّا مفعولٌ كما تقدَّم أي: اقْتَرَفوا الخطيئةَ السُّوْءَى أي: كان عاقبتُهم الدَّمارَ.
وأمَّا النصبُ فعلى خبر كان. وفي الاسم وجهان، أحدهما: السُّوْءى أي: كانت الفَعْلَةُ السُّوْءَى عاقبةَ المُسيئين، و " أنْ كَذَّبُوا " على ما تقدَّم. والثاني: أن الاسمَ " أنْ كَذَّبُوا " والسُّوْءَى على ما تقدَّم أيضاً.
وقال ابن الجوزى
ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: { ثُمَّ كان عاقبةَ الذين أساؤوا السُّوأى } يعني: الخَلَّة السيِّئة؛ وفيها قولان.
أحدهما: أنها العذاب، قاله الحسن.
والثاني: جهنم، قاله السدي.
قوله تعالى: { أن كذَّبوا } قال الفراء: معناه: لأن كذَّبوا، فلمَّا أُلقيت اللامُ كان نصباً. وقال الزجاج: لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم. وقيل: السُّوأى مصدر بمنزلة الإِساءَة؛ فالمعنى: ثم كان التكذيب آخرَ أمرهم، أي: ماتوا على ذلك، كأنَّ الله تعالى جازاهم على إِساءَتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب عقوبةً لهم. وقال مكي بن أبي طالب النحوي: { عاقبةُ } اسم كان، و { السُّوأى } خبرها، و { أن كذَّبوا } مفعول من أجله؛ ويجوز أن يكون { السُّوأى } مفعولة بـ { أساؤوا } ، و { أن كذَّبوا } خبر كان؛ ومن نصب «عاقبةَ» جعلها خبر «كان»، و «السُّوأى» اسمها، ويجوز أن يكون { أن كذَّبوا } اسمها. وقرأ الأعمش: «أساؤوا السُّوءُ» برفع «السُّوءُ».
وقال السمين
قوله: { يُبْلِسُ }: قرأ العامَّةُ ببنائه للفاعلِ، وهو المعروفُ يُقال: أَبْلَسَ الرجلُ أي: انقطعَتْ حُجَّتُه فسكتَ، فهو قاصرٌ لا يتعدَّى. قال العجاج:
3645 ـ يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْماً مُكَرَّسَاً قال نعم أعرِفُه وأَبْلَسا
وقرأ السُّلمي " يُبْلَسُ " مبنياً للمفعول وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ أَبْلَسَ لا يتعدَّى. وقد خُرِّجَتْ هذه القراءةُ على أنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ مصدرُ الفعلِ، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامه؛ إذ الأصلُ: يُبْلِس إبلاسَ المجرمين. ويُبْلِس هو الناصبُ لـ " يومَ تقومُ ".




رد مع اقتباس