الجوهرة الثانية والعشرون
فَلَمَّآ أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
قال السمين الحلبي فى الدر المصون:
قوله تعالى: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ : قرأ أبو عمرو وحده دون باقي السبعة " آلسحرُ " بهمزة الاستفهام، وبعدها ألف محضةٌ، وهي بدل عن همزة الوصلِ الداخلةِ على لام التعريف، ويجوز أن تُسَهَّل بينَ بينَ، وقد تقدَّم تحقيق هذين الوجهين في قوله: ءَآلذَّكَرَيْنِ [الأنعام: 143] وهي قراءةُ مجاهدٍ وأصحابه وأبي جعفر. وقرأ باقي السبعة بهمزةِ وصلٍ تَسْقط في الدَّرْج.
فأمَّا قراءة أبي عمرو ففيها أوجهٌ، أحدها: أنَّ " ما " استفهاميةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و " جِئْتُمْ به " الخبرُ، والتقديرُ: أيُّ شيءٍ جئتم، كأنه استفهامُ إنكارٍ وتقليلٌ للشيءِ المُجَاء به. و " السحر " بدلٌ من اسم الاستفهام، ولذلك أُعِيد معه أداتُه لما قرَّرْتُه في كتب النحو
. الثاني: أن يكون " السحر " مبتدأً خبرُه محذوف، تقديره: أهو السحر.
الثالث: أن يكونَ مبتدأً محذوفَ الخبر تقديره: السحر هو. ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وذكر الثاني مكي، وفيهما بُعد.
الرابع: أن تكونَ " ما " موصولةً بمعنى الذي، وجئتم به صلتُها، والموصولُ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و " السحر " على وجهيه من كونِه خبرَ مبتدأ محذوف، أو مبتدأً محذوفَ الخبر، تقديره: الذي جئتم به/ أهو السحر، أو الذي جئتم به السحر هو، وهذا الضميرُ هو الرابط كقولك: الذي جاءك أزيدٌ هو، قاله الشيخ.
قلت: قد منع مكي أن تكونَ " ما " موصولةً على قراءة أبي عمرو فقال: " وقد قرأ أبو عمرو " آلسحرُ " بالمد، فعلى هذه القراءةِ تكون " ما " استفهاماً مبتدأ، و " جئتم به " الخبر، و " السحر " خبرُ ابتداء محذوف، أي: أهو السحر، ولا يجوزُ أن تكونَ " ما " بمعنى الذي على هذه القراءةِ إذا لا خبر لها ". قلت: ليس كما ذكر، بل خبرُها الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزْأيها، وكذلك الزمخشري وأبو البقاء لم يُجيزا كونَها موصولةً إلا في قراءة غيرِ أبي عمرو، لكنهما لم يتعرَّضا لعدمِ جوازه.
الخامس: أن تكونَ " ما " استفهاميةً في محلِّ نصب بفعل مقدرٍ بعدها لأنَّ لها صدرَ الكلام، و " جئتم به " مفسِّر لذلك الفعل المقدر، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أَتَيْتُمْ جئتم به، و " السحر " على ما تقدم، ولو قرىء بنصب " السحر " على أنه بدلٌ مِنْ " ما " بهذا التقديرِ لكان له وجه، لكنه لم يُقرأ به فيما عَلِمْت، وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء مِنْ جواز نصبِه لمَدْرَكٍ آخرَ على أنها قراءةٌ منقولة [عن الفرَّاء].
وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجهٌ أيضاً، أحدها: أن تكون " ما " بمعنى الذي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و " جئتم به " صلةٌ وعائدُه، و " السحرُ " خبرهُ، والتقدير: الذي جئتم به السحرُ، ويؤيِّد هذا التقديرَ قراءةُ أُبَيّ وما في مصحفه: ما أتيتم به سحرٌ وقراءةُ عبد الله والأعمش مَا جِئْتُمْ بِهِ ظ±لسِّحْرُ .
الثاني: أن تكونَ " ما " استفهاميةً في محلِّ نصبٍ بإضمارِ فعل على ما تقرَّر، و " السحر " خبر ابتداء مضمر أو مبتدأٌ مضمرُ الخبر.
الثالث: أن تكونَ " ما " في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و " السحر " على ما تقدَّم مِنْ كونِه مبتدأً أو خبراً، والجملةُ خبر " ما " الاستفهامية. قال الشيخ ـ بعدما ذكر الوجه الأول ـ: " ويجوز عندي أن تكونَ في هذا الوجهِ استفهاميةً في موضع رفع بالابتداء، أو في موضع نصبٍ على الاشتغال، وهو استفهامٌ على سبيل التحقيرِ والتقليلِ لِما جاؤوا به، و " السحر " خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو السحر ".
قلت: ظاهرُ عبارتِه أنه لم يَرَه غيرُه، حيث قال " عندي " ، وهذا قد جوَّزه أبو البقاء ومكي. قال أبو البقاء: ـ لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو ـ " ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان " ، ثم قال: " ويجوزُ أن تكونَ " ما " استفهاماً، و " السحر " خبر مبتدأ محذوف ". وقال مكي في قراءةِ غيرِ أبي عمرو بعد ذِكره كونَ " ما " بمعنى الذي: " ويجوز أن تكونَ " ما " رفعاً بالابتداء وهي استفهامُ، و " جئتم به " الخبر، و " السحر " خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو السحر، ويجوز أن تكونَ " ما " في موضعِ نصبٍ على إضمارِ فعلٍ بعد " ما " تقديرُه: أيُّ شيء جئتم [به]، و " السحرُ " خبر ابتداء محذوف ".
الرابع: أن تكونَ هذه القراءةُ كقراءة أبي عمرو في المعنى، أي: إنها على نيةِ الاستفهام، ولكن حُذِفَتْ أداتُه للعلم بها، قال أبو البقاء: " ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه استفهامٌ في المعنى أيضاً: وحُذِفَتْ الهمزةُ للعِلْم بها " ، وعلى هذا الذي ذكره يكونُ الإِعرابُ على ما تقدم. واعلم أنَّك إذا جَعَلْتَ " ما " موصولةً بمعنى الذي امتنع نصبُها بفعلٍ مقدرٍ على الاشتغال. قال مكي: " ولا يجوز أن تكونَ " ما " بمعنى الذي في موضعِ نصبٍ لأن ما بعدها صلتُها، والصلةُ لا تعملُ في الموصول، ولا يكون تفسيراً للعامل في الموصول " ، وهو كلامٌ صحيح، فتلخَّص من هذا أنها إذا كانَتْ استفهاميةً جاز أن تكونَ في محل رفع أو نصب، وإذا كانت موصولةً تعيَّن أن يكون مَحَلُّها الرفع بالابتداء.
وقال القرطبي
قوله تعالى: { فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ } تكون «مَا» في موضع رفع بالابتداء، والخبر «جِئتم بِهِ» والتقدير: أي شيء جِئْتُمْ به، على التوبيخ والتصغير لما جاؤوا به من السحر. وقراءة أبي عمرو «آلِّسحْرُ» على الاستفهام على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، التقدير: السحر جئتم به. ولا تكون «ما» على قراءة من استفهم بمعنى الذي، إذ لا خبر لها. وقرأ الباقون «السِّحْرُ» على الخبر، ودليل هذه القراءة قراءة ابن مسعود: «مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ». وقراءة أُبَيّ: «ما أتيتم به سحر»؛ فـ «ما» بمعنى الذي، و «جئتم به» الصلة، وموضع «ما» رفع بالابتداء، والسحر خبر الابتداء. ولا تكون «ما» إذا جعلتها بمعنى الذي نصباً لأن الصلة لا تعمل في الموصول. وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم، وتكون ما للشرط، وجئتم في موضع جزم بما والفاء محذوفة؛ التقدير: فإن الله سيبطله. ويجوز أن ينصب السحر على المصدر، أي ما جئتم به سحراً، ثم دخلت الألف واللام زائدتين، فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء. واختار هذا القول النحاس، وقال: حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر؛ كما قال:
من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها
بل ربما قال بعضهم: إنه لا يجوز ألبتة. وسمعت علي بن سليمان يقول: حدثني محمد بن يزيد قال حدثني المازنِيّ قال سمعت الأصمعيّ يقول: غيّر النحويون هذا البيت، وإنما الرواية:
من يفعل الخير فالرحمن يشكره
وسمعت عليّ بن سليمان يقول: حذف الفاء في المجازاة جائز. قال: والدليل على ذلك{ وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30]. «وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم» قراءتان مشهورتان معروفتان




رد مع اقتباس