النتائج 1 إلى 15 من 104

الموضوع: جواهر ما وإن فى كتاب الله

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الخامسة والعشرون

    وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ

    قال ابو حيان فى بحره:

    وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدّون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياءه إلا المتقون ولكنّ أكثرهم لا يعلمون . الظاهر أن ما استفهامية أي أيّ شيء لهم في انتفاء العذاب وهو استفهام معناه التقرير أي كيف لا يعذبون وهم متّصفون بهذه الحالة المتقضية للعذاب وهي صدّهم المؤمنين عن المسجد الحرام وليسوا بولاة البيت ولا متأهّلين لولايته ومن صدّهم ما فعلوا بالرسول عام الحديبية وإخراجه مع المؤمنين داخل في الصدّ كانوا يقولون نحن ولاة البيت نصدّ من نشاء وندخل من نشاء وأنْ مصدرية، وقال الأخفش: هي زائدة، قال النّحّاس: لو كان كما قال لرفع تعذيبهم انتهى، فكان يكون الفعل في موضع الحال كقوله:
    وما لنا لا نؤمن بالله
    [المائدة: 84] وموضع إن نصب أو جر على الخلاف إذ حذف منه اني وهي تتعلق بما تعلّق به لهم أي أيّ شيء كائن أو مستقرّ لهم في أن لا يعذبهم الله والمعنى لا حظ لهم في انتفاء العذاب وإذا انتفى ذلك فهم معذبون ولا بدّ وتقدير الطبري وما يمنعهم من أن يعذبوا هو تفسير معنى لا تفسير إعراب وكذلك ينبغي أن يتأوّل كلام ابن عطية أنّ التقدير وما قدرتهم ونحوه من الأفعال موجب أن يكون في موضع نصب والظاهر عود الضمير في أولياءه على المسجد لقربه وصحّة المعنى،

    وقيل ما للنفي فيكون إخباراً أي وليس لهم أن لا يعذبهم الله أي ليس ينتفي العذاب عنم مع تلبّسهم بهذه الحال وقيل الضمير في أولياءه عائد على الله تعالى

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة السادسة والعشرون

    ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله: مَا تَحْمِلُ : " ما " تحتمل ثلاثةَ أوجهٍ، أحدُها: أن تكون موصولةً اسميةً، والعائدُ محذوف، أي: ما تحمله.

    والثاني: أن تكونَ مصدريةً فلا عائدَ.

    والثالث: أن تكونَ استفهاميةً، وفي محلها وجهان، أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و " تحملُ " خبرُه، والجملة معلِّقةٌ للعلمِ. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ بـ " تَحْمل " قاله أبو البقاء، وهو أوْلى، لأنه لا يُحْوِجُ إلى حَذْفِ عائدٍ، ولا سيما عند البصريين فإنهم لا يُجيزون " زيدُ ضربْت " ، ولم يذكرِ الشيخُ غيرَ هذا، ولم يتعرَّضْ لهذا الاعتراضِ.

    و " ما " في قوله وَمَا تَغِيضُ... وَمَا تَزْدَادُ محتملةٌ للأوجهِ المتقدمة. وغاض وزاد سُمِع تعدِّيهما ولزومُهما، فلك أن تدَّعيَ حَذْفَ العائدِ على القول بتعدِّيهما، وأن تجعلَها مصدريةً على القولِ بمصدرهما.

    وقال الرازى فى تفسيره:

    لفظ «ما» في قوله: مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ إما أن تكون موصولة وإما أن تكون مصدرية، فإن كانت موصولة، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم أنثى وتام أو ناقص وحسن أو قبيح وطويل أو قصير وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة فيه.

    ثم قال: وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ والغيض هو النقصان سواء كان لازماً أو متعدياً يقال: غاض الماء وغضته أنا ومنه قوله تعالى:
    وَغِيضَ ٱلْمَاء
    [هود: 44] والمراد من الآية وما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الضمير الراجع وقوله: وَمَا تَزْدَادُ أي تأخذه زيادة تقول: أخذت منه حقي وازددت منه كذا، ومنه قوله تعالى:
    وَٱزْدَادُواْ تِسْعًا
    [الكهف: 25] ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم وتزداده على وجوه. الأول: عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروي أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه. الثاني: الولد قد يكون مخدجاً، وقد يكون تاماً.
    الثالث: مدة ولادته قد تكون تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة تعالى، وإلى أربعة عند الشافعي وإلى خمس عند مالك، وقيل: إن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرماً. الرابع: الدم فإنه تارة يقل وتارة يكثر. الخامس: ما ينقص بالسقط من غير أن يتم وما يزداد بالتمام. السادس: ما ينقص بظهور دم الحيض، وذلك لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص. وبمقدار حصول ذلك النقصان يزداد أيام الحمل لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النقصان قال ابن عباس : كلما سال الحيض في وقت الحمل يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل به الجبر ويعتدل الأمر. السابع: أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات فاضت وخرجت، وسالت من دواخل تلك العروق، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت تلك العروق مرة أخرى

    هذا كله إذا قلنا إن كلمة «ما» موصولة. أما إذا قلنا: إنها مصدرية فالمعنى: أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة السابعة والعشرون

    فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ ألَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ اللهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله: وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ في هذه الآيةِ وجوهٌ ستة،

    أحدها: ـ وهو الأظهر ـ أنَّ " ما " مزيدةٌ، فيتعلَّقُ الظرفُ بالفعل بعدها، والتقدير: ومِنْ قبلِ هذا فَرَّطْتم، أي: قَصَّرْتُمْ في حَقِّ يوسف وشأنِه، وزيادةُ " ما " كثيرةٌ، وبه بدأ الزمخشري وغيرُه.

    الثاني: أن تكونَ " ما " مصدريةً في محلِّ رفع بالابتداء، والخبرُ الظرف المتقدم. قال الزمخشري: " على أنَّ محلَّ المصدرِ الرفعُ بالابتداء، والخبرُ الظرفُ، وهو " مِنْ قبل " ، والمعنى: وقع مِنْ قَبْل تفريطكم في يوسف، وإلى هذا نحا ابنُ عطية أيضاً فإنه قال: " ولا يجوز أن يكونَ قوله " مِنْ قَبلُ " متعلقاً بـ " ما فَرَّطْتُمْ " ، وإنما تكونُ على هذا مصدريةً، والتقدير: مِنْ قبلُ تفريطُكم في يوسف واقعٌ أو مستقرٌ، وبهذا المقدرِ يتعلَّقُ قولُه " مِنْ قبل ". قال الشيخ: " وهذا وقولُ الزمخشري راجعان إلى معنىظ° واحد وهو أنَّ " ما فَرَّطْتُمْ " يُقَّدرُ بمصدرٍ مرفوعٍ بالابتداء، و " مِنْ قبل " في موضعِ الخبرِ، وذَهِلا عن قاعدةٍ عربية ـ وحُقَّ لهما أن يَذْهَلا ـ وهو أن هذه الظروفَ التي هي غاياتُ إذا بُنِيَتْ لا تقع أخباراً للمبتدأ جَرَّتْ أو لم تجرَّ تقول: " يومُ السبت مباركٌ، والسفر بعده " ، ولا تقول: " والسفر بعدُ، وعمرو وزيد خلفَه " ، ولا يجوز: " زيد وعمرو خلفُ " وعلى ما ذكراه يكون " تفريطكم " مبتدأً، و " من قبل " خبر [وهو مبني] وذلك لا يجوز، وهو مقرر في علم العربية ".

    قلت: قوله " وحُقَّ لهما أن يَذْهلا " تحاملٌ على هذين الرجلين المعروفِ موضعُهما من العلم. وأمَّا قولُه " إنَّ الظرف المقطوعَ لا يقع خبراً فمُسَلَّمٌ، قالوا لأنه لا يفيد، وما لا يفيد فلا يقع خبراً، ولذا لا يقع صلةً ولا صفةً ولا حالاً، لو قلت: " جاء الذي قبلُ " ، أو " مررت برجل قبلُ " لم يجز لِما ذكرت. ولقائلٍ أن يقولَ: إنما امتنع ذلك لعدمِ الفائدة، وعدمُ الفائدة لعدمِ العلمِ بالمضاف إليه المحذوف، فينبغي ـ إذا كان المضاف إليه معلوماً مَدْلولاً عليه ـ أن يقع ذلك الظرفُ المضافُ إلى ذلك المحذوفِ خبراً وصفةً وصلةً وحالاً، والآيةُ الكريمة من هذا القبيل، أعني ممَّا عُلِم فيه المضافُ إليه كما مرَّ تقريره. ثم هذا الردُّ الذي رَدَّ به الشيخ سبقه إليه أبو البقاء فقال: " وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ " قبل " إذا وقعت خبراً أو صلة لا تُقْطع عن الإِضافة لئلا تبقىظ° ناقصة ".

    الثالث: أنَّها مصدريةٌ أيضاً في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر هو قولُه: " في يوسف " ، أي: وتفريطكم كائن أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي، كأنه اسْتَشْعر أن الظرفَ المقطوعَ/ لا يقع خبراً فعدل إلى هذا، وفيه نظر؛ لأنَّ السياقَ والمعنى يجريان إلى تعلُّق " في يوسف " بـ " فَرَّطْتُم " فالقولُ بما قاله الفارسي يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقَطْعِه عنه.

    الرابع: أنها مصدريةٌ أيضاً، ولكن محلَّها النصبُ على أنها منسوقةٌ على أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ ، أي: ألم تعلموا أَخْذَ أبيكم الميثاقَ وتفريطكَم في يوسف. قال الزمخشري: " كأنه قيل: ألم تعلموا أخْذَ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطَكم مِنْ قبلُ في يوسف ". وإلى هذا ذهب ابن عطية أيضاً.

    قال الشيخ: " وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيد، لأنَّ فيه الفصلَ بالجارِّ والمجرور بين حرف العطف الذي هو على حرفٍ واحد وبين المعطوف، فصار نظير: " ضربتُ زيداً وبسيفٍ عمراً " ، وقد زعم أبو علي الفارسي أنه لا يجوز ذلك إلا في ضرورة الشعر ". قلت: " هذا الردُّ أيضاً سبقه إليه أبو البقاء ولم يَرْتَضِه وقال: " وقيل: هو ضعيف لأنَّ فيه الفصلَ بين حرف العطف والمعطوف، وقد بَيَّنَّا في سورة النساء أنَّ هذا ليس بشيء ". قلت: يعني أنَّ مَنْعَ الفصل بين حرف العطف والمعطوف ليس بشيء، وقد تقدَّم إيضاح ذلك وتقريرُه في سورة النساء كما أشار إليه أبو البقاء.

    ثم قال الشيخ: " وأمَّا تقديرُ الزمخشري " وتفريطكم من قبل في يوسف " فلا يجوزُ لأنَّ فيه تقديمَ معمولِ المصدر المنحلِّ لحرفٍ مصدري والفعل عليه، وهو لا يجوز ". قلت: ليس في تقدير الزمخشري شيءٌ من ذلك؛ لأنه لَمَّا صَرَّح بالمقدَّر أخَّر الجارَّيْن والمجرورَيْن عن لفظِ المصدر المقدر كما ترىظ°، وكذا هو في سائر النسخ، وكذا ما نقله الشيخ عنه بخطه، فأين تقديم المعمول على المصدر؟ ولو رَدَّ عليه وعلى ابن عطية بأنه يلزم مِنْ ذلك تقديمُ معمولِ الصلة على الموصول لكان رَدَّاً واضحاً، فإنَّ " من قبلُ " متعلقٌ بفَرَّطْتُم، وقد تقدم على " ما " المصدرية، وفيه خلافٌ مشهور.

    الخامس: أن تكونَ مصدريةً أيضاً، ومحلُّها نصبٌ عطفاً على اسم " أنَّ " ، أي: ألم تعلموا أنَّ أباكم وأنَّ تفريطكم من قبل في يوسف، وحينئذٍ يكون في خبر " أنَّ " هذه المقدرة وجهان، أحدهما وهو " من قبلُ " ، والثاني هو " في يوسف " ، واختاره أبو البقاء، وقد تقدَّم ما في كلٍ منهما. ويُرَدُّ على هذا الوجه الخامسِ بما رُدَّ به على ما قبله من الفصل بين حرف العطف والمعطوف وقد عُرِف ما فيه.

    السادس: أن تكونَ موصولةً اسميةً، ومحلُّها الرفع أو النَصبُ على ما تقدَّم في المصدرية، قال الزمخشري: " بمعنىظ°: ومِنْ قبل هذا ما فرَّطتموه، أي: قَدَّمتموه في حَقِّ يوسف من الجناية، ومحلُّها الرفع أو النصب على الوجهين ".
    قلت: يعني بالوجهين رفعَها بالابتداء وخبرها " من قبل " ، ونصبَها عطفاً على مفعول " ألم تعلموا " ، فإنه لم يَذْكر في المصدرية غيرَهما. وقد عرْفْتَ ما اعتُرِض به عليهما وما قيل في جوابه.

    فتحصَّل في " ما " ثلاثة أوجه: الزيادةُ، وكونُها مصدريةً، أو بمعنى الذي، وأنَّ في محلِّها وجهين: الرفعَ أو النصبَ، وقد تقدم تفصيلُ ذلك كلِّه

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثامنة والعشرون

    أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله: مَا تَعْبُدُونَ ؟ " ما " اسمُ استفهام في محلِّ نصبٍ لأنه مفعولٌ مقدَّمٌ بتعبدون، وهو واجبُ التقديمِ لأنَّ له صدرَ الكلام وأتى بـ " ما " دون " مَنْ " لأحدِ أربعةِ معانٍ،

    أحدُهما: أنَّ " ما " للمُبْهَمِ أمرُه، فإذا عُلِمَ فُرِّق بـ " ما " و " مَنْ. قال الزمخشري: " وكفاك دليلاً قولُ العلماء " مَنْ لما يَعْقِل ".

    الثاني: أنها سؤالٌ عن صفةِ المعبود، قال الزمخشري: " كما تقول: ما زيدٌ؟ تريد: أفقيهٌ أم طبيبٌ أم غيرُ ذلك من الصفات ".

    الثالث: أن المعبودات ذلك الوقتَ كانت غيرَ عقلاء كالأوثان والأصنام والشمسِ. والقمرِ، فاسْتَفْهم بـ " ما " التي لغير العاقل فَعَرَف بنوه ما أراد فأجابوه بالحقِّ.

    الرابع: أنه اختَبَرهم وامتحَنَهم فسألهم بـ " ما " دون " مَنْ " لئلا يَطْرُقَ لهم الاهتداء فيكون كالتلقين لهم ومقصودُه الاختبارُ

    انتهي

    الجوهرة التاسعة والعشرون

    { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }

    قال الالوسي

    وقوله تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } خطاب لكفار مكة وتصريح بمآل أمرهم مع كونه معلوماً مما سبق على وجه الإجمال مبالغة في الإنذار وإزاحة الأعذار، فما عبارة عن أصنامهم، والتعبير عنها بما على بابه لأنها على المشهور لما لا يعقل فلا يرد أن عيسى وعزيراً والملائكة عليهم الصلاة والسلام / عبدوا من دون الله تعالى مع أن الحكم لا يشملهم، وشاع أن عبد الله بن الزبعرى القرشي اعترض بذلك قبل إسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: يا غلام ما أجهلك بلغة قومك لأني قلت { وَمَا تَعْبُدُونَ } وما لما لم يعقل ولم أقل ومن تعبدون. وتعقبه ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف» بأنه أشهر على ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم وهو لا أصل له ولم يوجد في شيء من «كتب الحديث» مسنداً ولا غير مسند والوضع عليه ظاهر والعجب ممن نقله من المحدثين انتهى.

    ويشكل على ما قلنا ما أخرجه أبو داود في «ناسخه». وابن المنذر وابن مردويه والطبراني عن ابن عباس قال: لما نزل { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } الخ شق ذلك على أهل مكة وقالوا: أتشتم آلهتنا فقال ابن الزبعري: أنا أخصم لكم محمداً ادعوه لي فدعي عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله تعالى؟ قال: بل لكل من عبد من دون الله تعالى فقال ابن الزبعرى: خصمت ورب هذه البنية ـ يعني الكعبة ـ ألست تزعم يا محمد أن عيسى عبد صالح وأن عزيراً عبد صالح وأن الملائكة صالحون؟ قال: بلى قال: فهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيراً وهذه بنو مليح تعبد الملائكة فضج أهل مكة وفرحوا فنزلت:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } [الأنبياء: 101] الخ{ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } [الزخرف: 57] الخ، وجاء في روايات أخر ما يعضده فإن ظاهر ذلك أن (ما) هنا شامل للعقلاء وغيرهم.

    وأجيب بأن الشمول للعقلاء الذي ادعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بطريق دلالة النص بجامع الشركة في المعبودية من دون الله تعالى فلما أشار صلى الله عليه وسلم إلى عموم الآية بطريق الدلالة اعترض ابن الزبعرى بما اعترض وتوهم أنه قد بلغ الغرض فتولى الله تعالى الجواب بنفسه بقوله عز وجل:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } [الأنبياء:101] الآية، وحاصله تخصيص العموم المفهوم من دلالة النص بما سوى الصلحاء الذين سبقت لهم الحسنى فيبقى الشياطين الذين عبدوا من دون الله سبحانه داخلين في الحكم بحكم دلالة النص فيفيد النص بعد هذا التخصيص عبارة ودلالة حكم الأصنام والشياطين ويندفع الاعتراض.

    وقال بعضهم: إن { مَا } تعم العقلاء وغيرهم وهو مذهب جمهور أئمة اللغة كما قال العلامة الثاني في «التلويح»، ودليل ذلك النص والإطلاق والمعنى. أما النص فقوله تعالى:{ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } [الليل: 3] وقوله سبحانه:{ وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا } [الشمس: 5] وقوله سبحانه:{ وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } [الكافرون: 3] وأما الإطلاق فمن وجهين، الأول: أن { مَا } قد تطلق بمعنى الذي باتفاق أهل اللغة والذي يصح إطلاقه على من يعقل بدليل قولهم الذي جاء زيد فما كذلك، الثاني: أنه يصح أن يقال ما في داري من العبيد أحرار، وأما المعنى فمن وجهين أيضاً، الأول أن مشركي قريش كما جاء من عدة طرق عن ابن عباس لما سمعوا هذه الآية اعترضوا بعيسى وعزير والملائكة عليهم السلام، وهم من فصحاء العرب فلو لم يفهموا العموم لما اعترضوا، الثاني: أن { مَا } لو كانت مختصة بغير العالم لما احتيج إلى قوله تعالى: { مِن دُونِ ٱللَّهِ } وحيث كانت بعمومها متناولة له عز وجل احتيج إلى التقييد بقوله سبحانه: { مِن دُونِ ٱللَّهِ } وحينئذٍ تكون الآية شاملة عبادة لأولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام ويكون الجواب الذي تولاه الله تعالى بنفسه جواباً بالتخصيص، وفي ذلك حجة للشافعي في قوله بجواز تخصيص العام بكلام مستقل متراخ خلافاً للحنفية.

    وأجيب بأن ما ذكر من النصوص والإطلاقات فغايته جواز إطلاق { مَا } على من يعلم ولا يلزم من ذلك / أن تكون ظاهرة فيه أو فيما يعمه بل هي ظاهرة في غير العالم لا سيما هنا لأن الخطاب مع عبدة الأصنام وإذا كانت ظاهرة فيما لا يعقل وجب تنزيلها عليه، وما ذكر من الوجه الأول في المعنى فليس بنص في أن المعترضين إنما اعترضوا لفهمهم العموم من { مَا } وضعاً لجواز أن يكون ذلك لفهمهم إياه من دلالة النص كما مر، وما ذكر من الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله تعالى: { مِن دُونِ ٱللَّهِ } فإنما يصح أن لو لم تكن فيه فائدة، وفائدته مع التأكيد تقبيح ما كانوا عليه، وإن سلمنا أن { مَا } حقيقة فيمن يعقل فلا نسلم أن بيان التخصيص لم يكن مقارناً للآية فإن دليل العقل صالح للتخصيص خلافاً لطائفة شاذة من المتكلمين، والعقل قد دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره اللهم إلا أن يكون راضياً بجرم ذلك الغير، وأحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا المسيح وعزير والملائكة عليهم السلام بعبادة من عبدهم وما مثل هذا الدليل العقلي فلا نسلم عدم مقارنته للآية، وأما قوله تعالى:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } [الأنبياء: 101] الآية فإنما ورد تأكيداً بضم الدليل الشرعي إلى الدليل العقلي مع الاستغناء عن أصله أما أن يكون هو المستقل بالبيان فلا، وعدم تعرضه صلى الله عليه وسلم للدليل العقلي لم يكن لأنه لم يكن بل لأنه عليه الصلاة والسلام لما رآهم لم يلتفتوا إليه وأعرضوا عنه فاعترضوا بما اعترضوا مع ظهوره انتظر ما يقويه من الدليل السمعي أو لأن الوحي سبقه عليه الصلاة والسلام فنزلت الآية قبل أن ينبههم على ذلك.

    وقيل: إنهم تعنتوا بنوع من المجاز فنزل ما يدفعه، وقيل: إن هذا خبر لا تكليف فيه والاختلاف في جواز تأخير البيان مخصوص بما فيه تكليف، وفيه نظر، وقال العلامة ابن الكمال: لا خلاف بيننا وبين الشافعي في قصر العام على بعض ما يتناوله بكلام مستقل متراخ إنما الخلاف في أنه تخصيص حتى يصير العام به ظنياً في الباقي أو نسخ حتى يبقى على ما كان فلا وجه للاحتجاج بقوله تعالى: { وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } لأن الثابت به على تقدير التمام قصر العام بالمتراخي والخلاف فيما وراءه والدليل قاصر عن بيانه ولا للجواب بأن { مَا تَعْبُدُونَ } لا يتناول عيسى وعزيراً والملائكة عليهم السلام لا لأن { مَا } لغير العقلاء لما أنه على خلاف ما عليه الجمهور بل لأنهم ما عبدوا حقيقة على ما أفصح عنه صلى الله عليه وسلم حين قال ابن الزبعرى: أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة بقوله صلى الله عليه وسلم: بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فقوله تعالى:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ } [الأنبياء:101] الآية، لدفع ذهاب الوهم إلى التناول لهم نظراً إلى الظاهر.

    وجوابه صلى الله عليه وسلم بذلك مما رواه ابن مردويه والواحدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفيه فأنزل الله تعالى:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ } [الأنبياء:101] الآية، وعلى وفق هذا ورد جواب الملائكة عليهم السلام في قوله تعالى:{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } [سبأ: 40-41] والجمع بين هذه الرواية والرواية السابقة أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر لابن الزبعرى أن الآية عامة لكل من عبد من دون الله تعالى بطريق دلالة النص وقال ابن الزبعرى: أليس اليهود الخ ذكر عدم تناولها المذكورين عليهم السلام من حيث أنهم لم يشاركوا الأصنام في المعبودية من دون الله تعالى لعدم أمرهم ولا رضاهم بما كان الكفرة يفعلون، ولعل فيه رمزاً خفياً إلى الدليل العقلي على عدم مؤاخذتهم ثم نزلت الآية تأكيداً لعدم التناول، لكن لا يخفى أن هذه الرواية إن صحت تقتضي أن لا تكون الأصنام معبودة أيضاً لأنها لم تأمرهم بالعبادة فلا تكون { مَا } مطلقة عليها بل على الشياطين بناءً على أنها هي الآمرة الراضية بذلك فهي معبوداتهم، ولذا قال إبراهيم عليه السلام:{ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ } [مريم: 44] مع أنه كان يعبد الأصنام ظاهراً.

    ووجه إطلاقها عليها بناءً على أنها ليست لذوي العقول أنها أجريت مجرى الجمادات لكفرها، وفي قوله صلى الله عليه وسلم التي أمرتهم دون الذين أمروهم إشارة إلى ذلك، ثم في عدم تناول الآية الأصنام هنا من البعد ما فيه فلعل هذه الرواية لم تثبت، ولمولانا أبـي السعود كلام مبناه خبر أنه صلى الله عليه وسلم رد على ابن الزبعرى بقوله ما أجهلك بلغة قومك الخ، وقد علمت ما قاله الحافظ ابن حجر فيه وهو وأمثاله المعول عليهم في أمثال ذلك فلا ينبغي الاغترار بذكره في «إحكام الآمدي» و«شرح المواقف» و«فصول البدائع» للفناري وغير ذلك مما لا يحصى كثرة فماء ولا كصدَّاء ومرعى ولا كالسعدان. وأورد على القول بأن العموم بدلالة النص والتخصيص بما نزل بعد حديث الخلاف في التخصيص بالمستقل المتراخي ويعلم الجواب عنه مما تقدم، وقيل هنا زيادة على ذلك أن ذلك ليس من تخصيص العام المختلف فيه لأن العام هناك هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعداً مطلقاً معاً وهو ظاهر فيما فيه الدلالة عبارة والعموم هنا إنما فهم من دلالة النص، ولا يخفى أن الأمر المانع من التأخير ظاهر في عدم الفرق فتدبر فالمقام حري به.

    ملحوظة

    قلت انا اسامة خيري

    هذه الاية محل نقاش كبير فى اصول الفقه حول مسألة تأخير البيان وهل ماتشمل العاقل ام غير العاقل وهل مافهمه ابن الزبعري صحيح؟

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثلاثون

    فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

    قال الرازى فى تفسيره:

    إذا عرفت هذا فقول: فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ أي فرق بين الحق والباطل، وقال الزجاج: فاصدع أظهر ما تؤمر به يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً كقولك صرح بها، وهذا في الحقيقة يرجع أيضاً إلى الشق والتفريق، أما قوله: بِمَا تُؤْمَرُ ففيه قولان: الأول: أن يكون «ما» بمعنى الذي أي بما تؤمر به من الشرائع، فحذف الجار كقوله:الثاني: أن تكون «ما» مصدرية أي فاصدع بأمرك وشأنك. قالوا: وما زال النبي مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.

    وقال الالوسي فى تفسيره:

    فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ قال الكلبـي: أي أظهره واجهر به يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، ومن ذلك قيل للفجر صديع لظهوره. وجوز أن يكون أمراً من صدع الزجاجة وهو تفريق أجزائها أي افرق بين الحق والباطل، وأصله على ما قيل الإبانة والتمييز، والباء على الأول صلة وعلى الثاني سببية، و مَا جوز أن تكون موصولة والعائد محذوف أي بالذي تؤمر به فحذف الجار فتعدى الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذف، ولعل القائل بذلك لم يعتبر حذفه مجروراً لفقد شرط حذفه بناءً على أنه يشترط في حذف العائد المجرور أن يكون مجروراً بمثل ما جر به الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً، وقيل: التقدير فاصدع بما تؤمر بالصدع به فحذفت الباء الثانية ثم الثالثة ثم لام التعريف ثم المضاف ثم الهاء، وهو تكلف لا داعي له ويكاد يورث الصداع، والمراد بما يؤمر به الشرائع مطلقاً، وقول مجاهد كما أخرجه عنه ابن أبـي حاتم إن المعنى: اجهر بالقرآن في الصلاة يقتضي بظاهره التخصيص ولا داعي له أيضاً كما لا يخفى، وأظهر منه في ذلك ما روي عن ابن زيد أن المراد بِمَا تُؤْمَرُ القرآن الذي أوحى إليه أن يبلغهم إياه، وأن تكون مصدرية أي فاصدع بمأموريتك وهو الذي عناه الزمخشري بقوله: أي بأمرك مصدر من المبني للمفعول، وتعقبه أبو حيان بأنه مبني على مذهب من يجوز أن يراد بالمصدر أن والفعل المبني للمفعول والصحيح أن ذلك لا يجوز. ورد بأن الاختلاف في المصدر الصريح هل يجوز انحلاله إلى حرف مصدري وفعل مجهول أم لا إما أن الفعل المجهول هل يوصل به حرف مصدري فليس محل النزاع، فإن كان اعتراضه على الزمخشري في تفسيره بالأمر وأنه كان ينبغي أن يقول بالمأمورية فشيء/ آخر سهل، ثم لا يخفى ما في الآية من الجزالة، وقال أبو عبيدة: عن رؤبة ما في القرآن منها، ويحكى أن بعض العرب سمع قارئاً يقرأها فسجد فقيل له في ذلك فقال: سجدت لبلاغة هذا الكلام، ولم يزل مستخفياً كما روي عن عبد الله بن مسعود قبل نزول ذلك فلما نزلت خرج هو وأصحابه عليه الصلاة والسلام.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الواحدة والثلاثون

    أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله تعالى: مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ : يجوز في " ما " هذه ثلاثةُ أوجهٍ،

    أحدُها: أن تكونَ نافيةً، نفى عنهم ذلك لمَّا لم ينتفعوا به، وإن كانوا ذوي أسماع وأبصار، أو يكونُ متعلَّقُ السمعِ والبصرِ شيئاً خاصاً.

    والثاني: أن تكون مصدريةً، وفيها حينئذٍ تأويلان، أحدهما: أنها قائمة مقامَ الظرف، أي: مدةَ استطاعتهم، وتكون " ما " منصوبةً بـ " يُضاعف " ، أي: يضاعف لهم العذاب مدةَ استطاعتهم السمعَ والأبصار. والتأويل الثاني: أنها منصوبةُ المحلِّ على إسقاط حرف الجر، كما يُحذف من أنْ وأنَّ أختيها، وإليه ذهب الفراء، وذلك الجارُّ متعلقٌ أيضاً بـ " يُضاعَف " ، أي: يضاعف لهم بكونهم كانوا يسمعون ويبصرون ولا يَنْتفعون. الثالث: أن تكون " ما " بمعنى الذي، وتكونَ على حذف حرف الجر أيضاً، أي: بالذي كانوا، وفيه بُعْدٌ لأنَّ حَذْفَ الحرفِ لا يَطَّرد.

    وقال الالوسي فى تفسيره

    وجوز أبو البقاء أن تكون مَا مصدرية ظرفية أي يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع وإبصارهم، والمعنى أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد، وأجاز الفراء أن تكون مصدرية وحذف حرف الجر منها كما يحذف من أن وأن، وفيه بعد لفظاً ومعنى

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثانية والثلاثون

    أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ


    قال الرازى فى تفسيره

    و مَا في قوله: عَمَّا يُشْرِكُونَ يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: عن إشراكهم ويجوز أن تكون بمعنى الذي، أي عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله، لأنها جمادات خسيسة، فأي مناسبة بينها وبين أدون الموجودات فضلاً عن أن يحكم بكونها شركاء لمدبر الأرض والسموات.

    الجوهرة الثالثة والثلاثون

    { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ }

    قال ابن عطية

    و { ويوم } نصب على الظرف، وقد اختلف في العامل فيه، فقال مكي بن أبي طالب، العامل فيه { قدير } ، وقال الطبري:العامل فيه قوله:{ وإلى الله المصير } [آل عمران: 28] وقال الزجّاج، وقال أيضاً العامل فيه{ ويحذركم الله نفسه } [آل عمران: 28] يوم ورجحه وقال مكي: حكاية العامل فيه فعل مضمر تقديره، " اذكر يوم " ، و { ما } بمعنى الذي و { محضراً } قال قتادة: معناه موفراً، وهذا تفسر بالمعنى، والحضور أبين من أن يفسر بلفظ آخر، وقوله تعالى: { ماعملت من سوء } يحتمل أن تكون { ما } معطوفة على { ما } الأولى فهي في موضع نصب وتكون { تود } في موضع الحال، وإلى هذا العطف ذهب الطبري وغيره، ويحتمل أن تكون رفعاً بالابتداء ويكون الخبر في قوله: { تود } وما بعده كأنه قال: وعملها السيىء مردود عندها أن بينها وبينه أمداً، وفي قراءة ابن مسعود " من سوء ودت " وكذلك قرأ ابن أبي عبلة، ويجوز على هذه القراءة أن تكون { ما } شرطية ولا يجوز ذلك على قراءة " تود " لأن الفعل مستقبل مرفوع والشرط يقتضي جزمه اللهم إلى أن يقدر في الكلام محذوف " فهي تود " وفي ذلك ضعف،

    وقال الزمخشري


    يَوْمَ تَجِدُ } منصوب بتودّ. والضمير في بينه لليوم، أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً. ويجوز أن ينتصب { يَوْمَ تَجِدُ } بمضمر نحو اذكر، ويقع على ما عملت وحده، ويرتفع { وَمَا عَمِلَتْ } على الابتداء، و { تَوَدُّ } خبره، أي والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه. ولا يصح أن تكون ما شرطية لارتفاع تودّ. فإن قلت فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ودّت؟ قلت لا كلام في صحته، ولكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم وأثبت لموافقة قراءة العامّة. ويجوز أن يعطف { وَمَا عَمِلَتْ } على { مَّا عَمِلَتْ } ويكون { تَوَدُّ } حالاً، أي يوم تجد عملها محضراً وادّة تباعد ما بينها وبين اليوم أو عمل السوء محضراً، كقوله تعالى{ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا } الكهف 49 يعني مكتوباً في صحفهم يقرؤنه ونحوه{ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَـاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ } المجادلة

    وقال السمين

    قوله: وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ : يجوزُ في " ما " هذه أن تكونَ منسوقةً على " ما " التي قبلها بالاعتبارين المذكورَيْن فيها أي: وتَجِدُ الذي عملته أو: وتجدُ عملَها أي: معمولَها من سوء، فإنْ جَعَلْنا " تجد " متعدية لاثنين فالثاني محذوفٌ، أي: وتجد الذي عملته من سوء محضراً، أو تجد عملها محضراً نحو: " علمت زيداً ذاهباً وبكراً " أي: وبكراً ذاهباً، فَحَذَفْتَ مفعوله الثاني للدلالة عليه بذكره مع الأول، وإنْ جعلناها متعديةً لواحدٍ فالحالُ من الموصول أيضاً محذوفةٌ أي: تجدُه مُحْضراً؛ أي: في هذه الحال، وهذا نظيرُ قولِك: " أكرمْتُ زيداً ضاحكاً وعمراً " أي: وعمراً ضاحكاً، حَذَفْتَ حالَ الثاني لدلالةِ حالِ الأول عليه، وعلى هذا فيكون في الجملةِ من قوله " تودُّ " وجهان، أحدهما: أن تكونَ في محل نصب على الحال من فاعل " عَمِلَتْ " أي: وما عَمِلَتْه حالَ كونها وادَّةً أي: متمنية البُعْدَ من السوء. الثاني: أن تكونَ مستأنفة، أَخْبر الله عنها بذلك، ويجوز أن تكونَ " ما " مرفوعةً بالابتداء، والخبرُ الجملةُ من قوله: " تود " أي: والذي عملته ـ أو وعملُها ـ تودُّ لو أن بينها وبينه أَمَداً بعيداً...

    فإن قيل: هل يجوز أن تكونَ " ما " هذه شرطيةً؟ فالجواب أن الزمخشري وابن عطية منعا من ذلك، وجَعَلا علة المنع عدم [جزم] الفعل الواقع جواباً وهو " تودُّ " ، وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ الناس نَصُّوا علىأنه إذا وقع فعلُ الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً جاز في ذلك المضارع وجهان: الجزمُ والرفع، وقد سُمعا من لسان العرب، ومنه بيت زهير:
    1231ـ وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ يقولُ لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ
    ومن الجزم قولُه تعالى:
    مَن كَانَ يُرِيدُ ظ±لْحَيَاةَ ظ±لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ
    [هود: 15]،
    مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ظ±لآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ظ±لدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا
    [الشورى: 20] فدَّل ذلك على أن المانعَ من شرطيتها ليس هو رفع " تود " ، وأجاب الشيخ بانها ليست شرطيةً لا لما ذكره الزمخشري وابن عطية بل لعلةٍ أخرى. ولنذكر هنا ما ذكره قال: " كنت سُئِلْتُ عن قول الزمخشري " فذكره ثم قال: " ولنذكر ههنا ما تمسُّ إليه الحاجةُ بعد أن نُقَدِّم ما ينبغي تقديمُه في هذه المسألة فنقول: إذا كان فعلُ الشرط ماضياً وبعده مضارعٌ تَتِمُّ به جملة الشرط والجزاء جازَ في ذلك المضارعِ الجزمُ وجاز فيه الرفعُ، مثال ذلك: " إن قام زيد يقمْ ويقومُ وعمرو " فأما الجزم فعلى جواب الشرط، ولا نعلم في ذلك خلافاً وأنه فصيحٌ إلا ما ذكره صاحب كتاب " الإِعراب " عن بعض النحويين أنه لا يجيء في الكلامِ الفصيح، وإنما يجيء مع " كان " كقوله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ ظ±لْحَيَاةَ ظ±لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ لأنها أصل الأفعالِ ولا يجوز ذلك مع غيرها، وظاهر كلام سيبويه وكلامِ الجماعة أنه لا يختصُّ ذلك بـ " كان " بل سائرُ الأفعال في ذلك مثلُ " كان " ، وأنشد سيبويه للفرزدق:
    1232ـ دَسَّتْ رسولاً بأنَّ القوم إنْ قَدَروا عليك يَشْفُوا صدرواً ذاتَ توْغيرِ
    وقال أيضاً:
    1233ـ تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتني لا تخونُني نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبان


    وأما الرفع فإنه مسموعٌ من لسان العرب كثيراً، وقال بعضُ أصحابنا: هو أحسنُ من الجزم، ومنه بيتُ زهير السابق إنشادُه، ومثله أيضاً قولُه:
    1234ـ وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجميعِ مخافةً نَقُولُ جِهارا وَيْلَكم لا تُنَفِّروا
    وقولُ أبي صخر:
    1235ـ ولا بالذي إنْ بان عنه حبيبُه يقولُ ويُخْفي الصبرَ إني لجازعُ
    وقال آخر:
    1236ـ وإن بَعُدُوا لا يأمَنُون اقترابَه تَشَوُّفَ أهلِ الغائبِ المُتَنَظَّرِ
    وقال آخر:
    1237ـ فإنْ كان لا يُرضيك حتى تَردَّني إلى قطريٍّ لا إخالُك راضياً
    وقال آخر:
    1238ـ إنْ يَسْألوا الخيرَ يُعْطُوه وإنْ خَبِروا في الجَهْد أُدْرِكُ منهم طيبُ أَخْبارِ
    قلت: هكذا ساق هذا البيت في جملة الأبيات الدالةِ على رفع المضارع، ويدل على قصده ذلك أنه قال بعد إنشاده هذه الأبياتَ كلَّها: " فهذا الرفع كما رأيتُ كثيرٌ " انتهى، وهذا البيت ليس/ من ذلك في وِرْدٍ ولا صَدْر لأن [المضارع فيه مجزومٌ وهو " يُعْطُوه " وعلامة جزمِه سقوط النون فكان ينبغي] أن ينشده حين أنشد: " دَسَّت رسولاً " وقوله: " تَعالَ فإن عاهَدْتني " البيتين.

    ثم قال: " فهذا الرفعُ كثير كما رأيتَ، ونصوص الأئمة على جوازِهِ في الكلامِ وإن اختلفتْ تأويلاتُهم كما سنذكره، وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد ابن عبد النور بن رشيد المالَقي ـ وهو مصنف كتاب " رصف المباني " : " لا أعلم منه شيئاً " جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسُهُ الجَزْمُ، لأنه أصلُ العملِ في المضارعِ، تقدَّم الماضي أو تأَخَّر " ، وتأوَّل هذا المسموعَ على إضمارِ الفاء وَجَعَلَهُ مثلَ قول الشاعر:
    1239ـ..................... إنَّك إِنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ
    على مذهب مَنْ جعل أن الفاء منه محذوفةٌ. وأمَّا المتقدمون فاختلفوا في تخريج الرفع: فذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم وأن جواب الشرط ليس مذكوراً عنده. وذهب المبرد والكوفيون إلى أنه هو الجواب. وإنما حُذِفَتْ منه الفاء، والفاءُ ما بعدها كقوله تعالى:
    وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ظ±للَّهُ مِنْهُ
    [المائدة: 95]، فأُعْطِيَتْ في الإِضمار حكمَها في الإِظهار. وذهب غيرهما إلى أن المضارعَ هو الجواب بنفسه أيضاً كالقولِ قبله، إلا أنه ليس معه فاءٌ مقدّرة قالوا: لكنْ لمّا كان فعلُ الشرط ماضياً لا يظهر لأداة الشرط فيه عملٌ ظاهر استضعفوا أداةَ الشرط فلم يُعْملوها في الجواب لضعفها، فالمضارعُ المرفوعُ عند هذا القائلِ جوابٌ بنفسه من غير نيَّة تقديم ولا على إضمار الفاء، وإنما لم يُجْزَم لِما ذُكِرَ، وهذا المذهب والذي قبله ضعيفان.

    وتلخص من هذا الذي قلناه أنَّ رَفْعَ المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً لكن امتنع أن يكونَ " وما عملت " شرطاً لعلة أخرى، لا لكون " تود " مرفوعاً، وذلك على ما نقرره على مذهب سيبويه من أن النيةَ بالمرفوعِ التقديمُ، ويكون إذ ذاك دليلاً على الجوابِ لا نفسَ الجواب فنقول: إذا كان " تود " منويّاً به التقديمُ أدَّى إلى تقدُّم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله " وبينه " عائدٌ على اسمِ الشرط الذي هو " ما " فيصيرُ التقدير: " تود كلُّ نفسٍِ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عَمِلت من سوء " فَلَزِمَ من هذا التقديرِ تقديمُ المضمر على الظاهر وذلك لا يجوز.
    فإن قلت: لِمَ لا يجوز ذلك والضميرُ قد تأخَّر عن اسم الشرط وإن كانت النيةُ به التقديمَ، فقد حَصَلَ عَوْدُ الضميرِ على الاسم الظاهرِ قبله، وذلك نظيرُ: " ضربَ زيداً غلامهُ " فالفاعلُ رتبته التقديم ووجب تأخُّره لصحةِ عَوْدِ الضمير؟ فالجواب أن اشتمالَ الدليل على ضميرِ اسم الشرط يوجب تأخيرَه عنه لعَوْدِ الضمير فيلزَمُ من ذلك اقتضاءُ جملة الشرط لجملة الدليل، وجملةُ الشرط إنما تقتضي جملةَ الجزاء لا دليلَه، ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل، بل إنها تعمل في جملة الجزاء، وجملةُ الدليل لا موضعَ لها من الإِعراب، وإذا كان كذلك تدافعَ الأمرُ، لأنها من حيثُ هي جملةُ دليلٍ لا يقتضيها فعلُ الشرط، ومن حيث عَوْدُ الضميرِ على اسم الشرط اقتضاها فتدافَعا، وهذا بخلافِ " ضرب زيداً غلامهُ " فإنها جملةٌ واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً، فكلَّ واحدٍ منهما يقتضي صاحبَه، ولذلك جاز عند بعضِهم " ضرب غلامُها هنداً " لاشتراكِ الفاعل المضاف إلى الضميرِ والمفعولِ الذي عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع " ضربَ غلامُها جارَ هِندٍ " لعدم الاشتراك في العامل، فهذا فرقُ ما بين المسألتين، ولا يُحْفظ من لسان العرب: " أودُّ لو أَنْ أكرمَه أياً ضربَتْ هندٌ " لأنه يلزم منه تقديمُ المضمرِِ على مفسَّره في غير المواضِعِ التي ذكرها النحويون، فلذلك لا يجوز تأخيره. انتهى ".

    وقد جَوَّز أبو البقاء كونَها شرطيةً، ولم يَلْتَفِتْ لِما مَنعوا به ذلك فقال: " والثاني: أنها شرط، وارتفع " تودُّ " على إرادة الفاء. أي: فهي تودُّ، ويجوز أن يرتفعَ من غير تقديرِ حرف لأن الشرطَ هنا ماضٍ، وإذا لم يظهر في الشرطِ لفظُ الجزم جاز في الجزاء الوجهان: الجزمُ والرفع ". انتهى وقد تقدَّم تحقيق القول في ذلك، والظاهرُ موافقتُهُ للقول الثالث في تخريج الرفع في المضارع كما تقدَّم تحقيقه.

    وقرأ عبد الله وابنُ أبي عبلة " وَدَّت " بلفظ الماضي، وعلى هذه القراءةِ يجوزُ في " ما " وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطية، وفي محلِّها حينئذٍ احتمالان: الأولُ النصبُ بالفعلِ بعدها، والتقدير: أيَّ شيء عَمِلَتْ من سوء وَدَّتْ، فودَّتْ جوابُ الشرط. والاحتمالُ الثاني: الرفعُ على الابتداء، والعائدُ على المبتدأ محذوفٌ تقديرُهُ: وما عملته، وهذا جائزٌ في اسم الشرط خاصةً عند الفراء في فصيحِ الكلام، أعني حَذْفَ عائد المبتدأ إذا كان منصوباً بفعلٍ نحو: " أيُّهم تَضْرِبْ أُكْرمه " برفع أيهم، وإذا كان المبتدأ غيرَ ذلك ضَعُفَ نحو: " زيدٌ ضربْتُ "


    وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في موضعين من القرآن، أحدُهما قراءةُ مَنْ قرأ: أَفَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة: 50]. والثاني: وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الآية: 10] في الحديد، واختلافُ الناس في ذلك.

    الوجه الثاني من وجهي " ما " أن تكون موصولةً بمعنى: الذي عملته من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ومَحَلُّها على هذا رفع بالابتِداء، و " وَدَّتْ " الخبرُ، واختاره الزمخشري فإنه قال: " لكنَّ الحملَ على الابتداءِ والخبرِ أوقعُ في المعنى لأنه حكايةُ الكائن في ذلك اليوم، وأَثْبَتُ لموافقةِ قراءة العامة ". انتهى.

    فإن قلت لِمَ لَمْ يمتنع أن تكونَ " ما " شرطيةً على هذه القراءة كما امتنع ذلك فيها على قراءة العامة؟ فالجوابُ أنَّ العلة إنْ كانت رفعَ الفعل وعَدَمَ جزمِهِ كما قال به الزمخشري وابن عطية فهي مفقودةٌ في هذه القراءة لأن الماضي مبنيٌّ اللفظ/ لا يظهر فيه لأداةِ الشرط عملٌ، وإن كانت العلةُ أنَّ النيةَ به التقديمُ فليزمُ عودُ الضميرِ على متأخرٍ لفظاً ورتبة، فهي أيضاً مفقودةٌ فيها؛ إذ لا داعي يدعو لذلك.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •