الجوهرة الثالثة والاربعون

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ }


قال القرطبي

ـ قوله تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } قال ٱبن العربي: سمعت الشاشيّ في مجلس النظر يقول: إذا قيل لا تَقْرَب بفتح الراء كان معناه: لا تَلَبَّس بالفعل، وإن كان بضم الراء كان معناه: لا تَدْنُ منه. وقرأ نافعٌ وأبو عمرو وابنُ كثير وٱبنُ عامرٍ وعاصمٌ في رواية حفص عنه «يَطْهُرن» بسكون الطاء وضم الهاء. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية أبي بكر والمفضَّل «يَطَّهَّرن» بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. وفي مصحف أُبَيّ وعبد الله «يتطهرن». وفي مصحف أنِس بنِ مالكٍ «ولا تقربوا النساء في مَحِيضهنّ وٱعتزلوهن حتى يتطهرن». ورجح الطبريّ قراءةَ تشديد الطاء، وقال: هي بمعنى يغتسلن، لإجماع الجميع على أن حراماً على الرجل أن يقرب ٱمرأته بعد ٱنقطاع الدّم حتى تطهر. قال: وإنما الخلاف في الطهر ما هو فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: هو وضُوء كوضوء الصلاة. وقال قوم: هو غسل الفرج وذلك يُحلّها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة ورجّح أبو عليّ الفارسيّ قراءة تخفيف الطاء، إذ هو ثُلاثِيُّ مضادُّ لطِمث وهو ثلاثيّ.

العاشرة ـ قوله تعالى: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } يعني بالماء وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء، وأن الطهر الذي يَحِلّ به جماعُ الحائض الذي يذهب عنها الدّمُ هو تطهرها بالماء كطُهْر الجنب، ولا يجزىء من ذلك تيممٌ ولا غيرُه، وبه قال مالك والشافعيّ والطبريّ ومحمدُ بن مسلمة وأهل المدينة وغيرُهم. وقال يحيى ابن بكير ومحمد بن كعب القُرَظيّ: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماءَ حلّت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعِكْرمة وطاوس: ٱنقطاع الدّمِ يحلّها لزوجها، ولكن بأن تتوضأ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن ٱنقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان ٱنقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة. وهذا تحكّم لا وجه له وقد حكموا للحائض بعد ٱنقطاع دمها بحكم الحبس في العدّة وقالوا لزوجها: عليها الرجعةُ ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل، مع موافقة أهل المدينة. ودليلُنا أن الله سبحانه علّق الحكم فيها على شرطين: أحدهما ـ ٱنقطاع الدم، وهو قوله تعالى: { حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ }. والثاني ـ الاغتسال بالماء، وهو قوله تعالى: { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } أي يفعلن الغسل بالماء وهذا مثل قوله تعالى:{ وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ } [النساء: 6] الآية فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين: أحدهما ـ بلوغ المكلّف النِّكَاحَ. والثاني ـ إيناس الرُّشْد، وكذلك قوله تعالى في المطلقة:{ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ } [البقرة: 230] ثم جاءت السنة بٱشتراط العُسَيْلة فوقف التحليل على الأمرين جميعاً، وهو ٱنعقاد النكاح ووجودُ الوطء. ٱحتج أبو حنيفة فقال: إن معنى الآية الغايةُ في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها فيكون قولُه: { حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } مخفّفاً هو بمعنى قوله: { يَطَّهَّرْن } مشدّداً بعينه ولكنه جمع بين اللغتين في الآية كما قال تعالى:{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ } [التوبة: 108]. قال الكميت:
وما كانت الأنصارُ فيها أذِلَّةً ولا غُيَّباً فيها إذا الناسُ غُيَّبُ
وأيضاً فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يُعمل بهما. ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنًى، فنحمل المخففة على ما إذا ٱنقطع دَمُها للأَقل فإنا لا نُجوِّز وطأها حتى تغتسل، لأنه لا يؤمن عوده: ونحمل القراءة الأُخرى على ما إذا ٱنقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل. قال ٱبن العربي: وهذا أقوى ما لَهم فالجواب عن الأوّل: أن ذلك ليس من كلام الفصحاء، ولا ألسن البلغاء فإن ذلك يقتضي التكرار في التعداد، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس فكيف في كلام العليم الحكيم! وعن الثاني: أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الأُخرى فيلزمهم إذا انقطع الدم ألاّ يُحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في الرّجعة، وهم لا يقولون ذلك كما بيناه فهي إذاً حائضٌ، والحائض لا يجوز وطؤها ٱتفاقاً.

وأيضاً فإن ما قالوه يقتضي إباحة الوطء عند ٱنقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضي الحظرَ، وإذا تعارض ما يقتضي الحظرَ وما يقتضي الإباحَة ويُغَلّب باعثاهما غُلِّب باعث الحظر كما قال عليُّ وعثمانُ في الجمع بين الأُختين بِملْك اليمين، أحلتهما آية وحرمتهما أُخرى، والتحريم أولى. والله أعلم.

ملحوظة

نقل الاشمونى مع قراءة التخفيف بمعنى انقطاع الدم يجوز الوقف لانه ومابعده كلامان والتشديد بمعنى الاغتسال فلاوقف لان الكلام واحد