وقد روى في هذا قصص مختلفة لا يتعلق بها كثير فائدة .
وأخرج البزار ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأهم ، أو لأجزأت عنهم » وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لولا أن بني إسرائيل قالوا : { وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ } ما أعطوا أبداً ، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر ، فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شدّدوا ، فشدّد الله عليهم » وأخرج نحوه الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة؛ يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم . وأخرجه ابن جرير ، عن ابن جريج يرفعه . وأخرجه ابن جرير ، عن قتادة يرفعه أيضاً ، وهذه الثلاثة مرسلة . وأخرج نحوه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس . وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس؛ قال :
الفارض الهرمة ، والبكر الصغيرة ، والعوان النصف . وأخرج نحوه عن مجاهد . وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله { عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } قال : بين الصغيرة ، والكبيرة ، وهي أقوى ما يكون ، وأحسنه .
وقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عنه أيضاً في قوله : { صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } قال : شديدة الصفرة ، تكاد من صفرتها تبيض . وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر في قوله : { صَفْرَاء } قال : صفراء الظلف { فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } قال : صافي . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : { فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } أي : صاف { تَسُرُّ الناظرين } أي : تعجب . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله : { صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } قال : سوداء شديدة السواد . وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله : { لاَّ ذَلُولٌ } أي : لم يذلها العمل { تُثِيرُ الأرض } يعني ليست بذلول ، فتثير الأرض { وَلاَ تَسْقِى الحرث } يقول : ولا تعمل في الحرث { مُّسَلَّمَةٌ } قال : من العيوب . وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد . وقال : { لأشية فِيهَا } لا بياض فيها ولا سواد . وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس { مُّسَلَّمَةٌ } لا عوار فيها . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة : { قَالُواْ الئان جِئْتَ بالحق } قالوا : الآن بينت لنا { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله : { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } لغلاء ثمنها .
قد تقدم ما ذكرناه في قصة ذبح البقرة ، فيكون تقدير الكلام : { وَإِذَا * قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } فقال موسى لقومه : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } إلى آخر القصة ، وبعدها : { فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا } الآية . وقال الرازي في تفسيره : اعلم أن وقوع القتل لا بد أن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح ، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتل ، وعن أنه لا بدّ أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة ، فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة ، فقول من يقول : هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى ، خطأ؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود ، فأما التقدم في الذكر ، فغير واجب؛ لأنه تارة يقدم ذكر السبب على ذكر الحكم ، وأخرى على العكس من ذلك ، فكأنهم لما وقعت تلك الواقعة أمرهم الله بذبح البقرة ، فلما ذبحوها قال : وإذ قتلتم نفساً من قبل ، ونسب القتل إليهم بكون القاتل منهم . وأصل ادّارأتم تدارأتم ، ثم أدغمت التاء في الدال ، ولما كان الابتداء بالمدغم الساكن لا يجوز زادوا ألف الوصل ، ومعنى ادّارأتم : اختلفتم وتنازعتم؛ لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضاً ، أي : يدفعه ، ومعنى { مُخْرِجٌ } مظهر : أي : ما كتمتم بينكم من أمر القتل ، فالله مظهره لعباده ، ومبينه لهم ، وهذه الجملة معترضة بين أجزاء الكلام ، أي : فادّارأتم فيها فقلنا . واختلف في تعيين البعض الذي أمروا أن يضربوا القتيل به ، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم ، ويكفينا أن نقول : أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها ، فأيّ : بعض ضربوا به ، فقد فعلوا ما أمروا به ، وما زاد على هذا ، فهو من فضول العلم ، إذ لم يرد به برهان .
قوله : { كذلك يحيىلله الموتى } في الكلام حذف ، والتقدير { فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا } فأحياه الله { كذلك * يحيى * الله الموتى } أي : إحياء كمثل هذا الإحياء . { وَيُرِيكُمْ ءاياته } أي : علاماته ، ودلائله الدالة على كمال قدرته ، وهذا يحتمل أن يكون خطاباً لمن حضر القصة ، ويحتمل أن يكون خطاباً للموجودين عند نزول القرآن . والقسوة : الصلابة واليبس ، وهي : عبارة عن خلوّها من الإنابة ، والإذعان لآيات الله ، مع وجود ما يقتضى خلاف هذه القسوة من إحياء القتيل ، وتكلمه ، وتعيينه لقاتله ، والإشارة بقوله : { مِن بَعْدِ ذلك } إلى ما تقدم من الآيات الموجبة لِلين القلوب ورقتها .
قيل : «أو» في قوله : { أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } بمعنى الواو كما في قوله تعالى : { آثماً أَوْ كَفُوراً } [ الأَنسان : 24 ] وقيل : هي بمعنى بل ، وعلى أن «أو» على أصلها ، أو بمعنى الواو ، فالعطف على قوله : { كالحجارة } أي : هذه القلوب هي كالحجارة أو هي أشدّ قسوة منها ، فشبهوها بأيّ الأمرين شئتم ، فإنكم مصيبون في هذا التشبيه ، وقد أجاب الرازي في تفسيره عن وقوع «أو» ههنا مع كونها للترديد ، أي : لا يليق لعلام الغيوب بثمانية أوجه ، وإنما توصل إلى أفعل التفضيل بأشدّ مع كونه يصح أن يقال : وأقسى من الحجارة ، لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة