الجوهرة الخامسة والثمانون
{ وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }
قال السمين:
قوله: { هَنِيئاً مَّرِيئاً } في نصبِ " هنيئاً " أربعةُ أقوال:
أحدُها: أنه منصوبٌ على أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوف، تقديره: أكلاً هنيئاً.
الثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من الهاء في " فكلوه " أي: مُهَنَّأً أي: سهلاً.
الثالث: أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهارُه البتة، لأنه قَصَدَ بهذه الحال النيابةَ عن فعلها نحو: " أقائماً وقد قعد الناس " ، كما ينوب المصدرُ عن فعلِه نحو: " سُقْياً له ورَعْياً ".
الرابع: أنهما صفتان قامتا مقامَ المصدرِ المقصودِ به الدعاءُ النائبِ عن فعله. قال الزمخشري: " وقد يُوقف على " فكلوه " ويُبْتدأ " هنيئاً مريئاً " على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هَنْئاً مَرْءاً ".
قال الشيخ: " وهذا تحريفٌ لكلام النحاة، وتحريفُه هو جَعْلُهما أٌقيما مُقام المصدر، فانتصابُهما انتصابَ المصدر، ولذلك قال: " كأنه قيل: هَنْئاً مَرْءاً، فصار كقولك " سُقْياً لك " و " رَعْياً لك " ، ويَدُلُّ على تحريفِه وصحةِ قولِ النحاة أنَّ المصادر المقصودَ بها الدعاء لا ترفع الظاهر، لا تقول: " سقياً الله لك " ولا: " رعياً الله لك " وإن كان ذلك جائزاً في أفعالها، و " هنيئاً مريئاً " يرفعان الظاهرَ بدليل قوله:
1543ـ هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مُخامِرٍ لعَزَّةَ مِنْ أَعْراضِنا ما استحَلَّتِ
فـ " ما " مرفوعٌ بـ " هنيئاً " أو بـ " مريئاً " على الإِعمال، وجاز ذلك وإنْ لم يكن بين العاملين ربطٌ بعطفٍ ولا غيرِه، لأنَّ " مريئاً " لا يُسْتعمل إلا تابعاً لـ " هنيئاً " فكأنهما عاملٌ واحد، ولو قلت: " قام قعد زيد " لم يكن من الإِعمال إلا على نِيَّة حرف العطف ". انتهى.
إلاَّ أن في عبارة سيبويه ما يُرْشِدُ لِما قاله الزمخشري، فإنه قال: " هنيئاً مريئاً: صفتان نصبُهما نصبُ المصادرِ المدعُوِّ بها بالفعلِ غيرِ المستعملِ إظهارُه المختَزَلِ لدلالةِ الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثَبَت ذلك هنيئاً مريئاً " ، فأولُ العبارةِ يساعدُ الزمخشري، وآخرُها ـ وهو تقديرُه بقولِه: " كأنهم قالوا: ثَبَتَ ذلك هنيئاً " يُعَكِّر عليه. فعلى القولين الأوَّلَيْن يكونُ " هنيئاً مريئاً " متعلقَيْنِ بالجملةِ قبلَهما لفظاً ومعنى، وعلى الآخِرَيْن مقتطعين لفظاً، لأنَّ عاملَهما مقدرٌ من جملةٍ أخرى كما تقدَّم تقريره....




رد مع اقتباس