الجوهرة السابعة والثلاثون بعد المائتين

{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

قال القرطبي

أعلمهم سهولة الخلق عليه، أي إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم، ولا في غير ذلك مما نحدثه لأنا إنما نقول له كن فيكون. قراءة ابن عامر والكسائيّ «فيكونَ» نصباً عطفاً على أن نقول. وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصباً على جواب «كن». الباقون بالرفع على معنى فهو يكون. وقد مضى القول فيه في «البقرة» مستوفىً. وقال ابن الأنباريّ: أوقع لفظ الشيء على المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما وجد وشوهد. وفي الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق لأنه لو كان قوله: «كن» مخلوقاً لاحتاج إلى قول ثان، والثاني إلى ثالث وتسلسل وكان محالاً. وفيها دليل على أن الله سبحانه مريد لجميع الحوادث كلها خيرها وشرها نفعها وضرها والدليل على ذلك أن من يرى في سلطانه ما يكرهه ولا يريده فلأحد شيئين: إما لكونه جاهلاً لايدري، وإما لكونه مغلوباً لا يطيق، ولا يجوز ذلك في وصفه سبحانه، وقد قام الدليل على أنه خالق لاكتساب العباد، ويستحيل أن يكون فاعلاً لشيء وهو غير مريد له لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودنا وإرادتنا، فلو لم يكن الحق سبحانه مريداً لها لكانت تلك الأفعال تحصل من غير قصد وهذا قول الطبيعيين، وقد أجمع الموّحدون على خلافه وفساده.

ملحوظة

نقل الاشمونى الوقف علي كن علي قراءة الرفع

{ بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { بِٱلْبَيِّنَاتِ }: فيه ثمانيةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ " رِجالاً " فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي: رجالاً ملتبسين بالبينات، أي: مُصاحبين لها. وهو وجهٌ حسنٌ ذكره الزمخشري لا محذورَ فيه.

الثاني: أنه متعلقٌ بـ " أَرْسَلْنا " ذكره الحوفيِّ والزمخشريُّ وغيرُهما، وبه بدأ الزمخشريُّ قال: يتعلَّق بـ " أَرسَلْنا " داخلاً تحت حكمِ الاستثناءِ مع " رجالاً " ، أي: وما أرسَلْنا إلا رجالاً بالبينات كقولِك: " وما ضربْتُ إلا زيداً بالسَّوْطِ "؛ لأنَّ أصلَه: ضربْتُ زيداً بالسَّوْط ". وضعَّفه أبو البقاء بأنَّ ما قبلَ " إلاَّ " لا يعمل فيما بعدهم إذا تَمَّ الكلامُ على " إلا " وما يليها. قال: " وإلا أنه قد جاء في الشِّعر:
2971- نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبوا بالنارِ جارتَهمْ ولا يُعَذِّبَ إلا الله بالنارِ
قال الشيخ: وما أجازه الحوفيُّ والزمشخريُّ لا يُجيزه البصريون، إذ لا يُجيزون أن يقع بعد " إلا " إلا مستثنى أو مستثنى منه أو تابعٌ لذلك، وما ظُنَّ بخلافه قُدِّر له عاملٌ. وأجاز الكسائيُّ أن يليَها معمولُ ما قبلها مرفوعاً ومنصوباً ومخفوضاً، نحو: ما ضَرَب إلا عمراً زيدٌ، وما ضَرَب إلا زيدٌ عمراً وما مرَّ إلا زيدٌ بعمروٍ، ووافقه ابنُ الأنباريِّ في المرفوع، والأخفش في الظرف وعديله، فما لاقاه يتمشَّى على قولِ الكسائي والأخفش ".

الثالث: أنه يتعلَّقَ بأَرْسَلْنا أيضاً، إلا أنه نيةِ التقديمِ قبل أداةِ الاستثناءِ تقديرُه: وما أرسلْنا مِنْ قبلك بالبيناتِ والزبر إلا رجالاً، حتى لا يكونَ ما بعد " إلا " معمولَيْنِ متأخِّرَيْنِ لفظاً ورتبةً داخلَيْنِ تحت الحصرِ لِما قبل " إلا " ، حكاه ابنُ عطية.

الرابع: أنَّه متعلقٌ بـ " نُوحِي " كما تقول: " أُوْحي إليه بحق " ، ذكره الزمخشري وأبو البقاء. الخامس: أن الباءَ مزيدةٌ في " " بالبيِّنات " وعلى هذا فيكون " بالبيِّنات " هو القائمَ مَقامَ الفاعل لأنها هي المُوْحاة. السادس: أن الجارِّ متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنَ القائمِ مَقامَ الفاعل، وهو " إليهم " ذكرهما أبو البقاء، وهما ضعيفان جداً معنىً وصناعةً.

السابع: أَنْ يتعلَّق بـ " لا تعلمون " على أنَّ الشرطَ/ في معنى التبكيتِ والإِلزام، كقولِ الأجير: " إن كنتُ عَمِلْتُ لك فَأَعْطِني حقي ". قال الزمخشري: " وقوله: " فاسْألوا أهلَ " اعتراضٌ على الوجوه المتقدِّمة " ويعني بقوله " فاسألوا " الجزاءَ وشرطَه، وأمَّا على الوجهِ الأخير فعدَمُ الاعتراضِ واضحٌ.

الثامن: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: بم أُرْسِلوا؟ فقيل: أُرْسِلوا بالبينات والزُّبُر. كذا قدَّره الزمخشري، وهو أحسنُ مِنْ تقديرِ أبي البقاء: " بُعِثوا " ، لموافقتِه للدالِّ عليه لفظاً ومعنىً

ملحوظة

نقل الاشمونى الوقف علي تعلمون علي الوجه الاول ولاوقف ان علقت بنوحي وكذا بلاتعلمون