بعض موارد الظاهر والباطن عند ابن عربي:
فلنتأمل معاً في قول ابن عربي: "وقد أجمع أصحابنا أهل الكشف على صحة خبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في آي القرآن: "إنه ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن وحد ومطلع" اهـ.
وقال ابن عربي عن كلمة آمين: "وورد في الشرع الجهر بها والإخفاء، لأن الأمر ظاهر وباطن، فالباطن يطلب الإخفاء، والظاهر يطلب الجهر، غير أن الظاهر أعمّ، فإذا جهر بها فقد حصل حظّ الباطن، وإذا أسرّ بها لم يعلم الظاهر ما جرى، والباطن خصوص، والإسرار بها خاص لخاص، والظاهر عموم فالجهر بها عامّ لعام وخاص". انتهى.
وقال ابن عربي: "فكل ما في الكون من ظاهر ... وباطن فيه فمن نعمته" انتهى.
وقال ابن عربي: "وذلك أن الكون ظلمة والنور هو الحق المبين، والنور والظلمة لا يجتمعان كما لا يجتمع الليل والنهار، بل كل واحد منهما يغطي صاحبه ويظهر نفسه، فمن رأى النهار لم ير الليل، ومن رأى الليل لم ير النهار، فالأمر ظاهر وباطن، وهو الظاهر والباطن، فحق وخلق، فإن شهدت خلقاً لم تر حقاً، وإن شهدت حقاً لم تر خلقاً، فلا تشهد خلقاً وحقاً أبداً، لكن يشهد هذا في هذا، وهذا في هذا؛ شهود علم، لأنه غشاء ومغشي".
وقال ابن عربي: "وللإنسان ظاهر وباطن" انتهى.
ليس في كلام ابن عربي من استعمال الظاهر والباطن سواء في حق المخلوقات أو المعلومات ما فيه نصّ على أنه يريد معنى فرقة الباطنية المتلازمة مع الزندقة والكفر، وليس فيه ما يدل على ما يريده هذا المتعنت من أن لفظ الظاهر والباطن مختص أصلا بفرقة [الباطنية]، بل هو استعمال أقرب لأن يكون بحسب المعنى اللغوي للفظ الظاهر والباطن، وهو قريب مما استعملنا فيه هذين اللفظين من قبل.
وتأمل قوله: والظاهر يطلب الجهر، فالجهر عامّ لعامّ وخاصّ، والباطن خصوص والإسرار بها خاص لخاص.
أليس هذا ما كنا نتكلم عليه في وصفنا مراتب عقائده التي رتبها؟ خصوصاً الرتبة الرابعة التي بدّدها وجعلها لأهلها لا لعوام الخلق... فالظاهر ما كان سهل الإدراك، والباطن وعر المدرك، وهو يكاد ينطق بمعنى الباطن كما استعملناه في جوابنا الذي اعترض عليه المعترض ولبس على القراء ونسب لنا ما لم نقله افتراء... لا شيء ممّا في ذلك فيه استلزام للباطنية المستلزمة للكفر أصلاً كما يرغب به المعترض.
ذِكْرُ بعض ما جاء في كتب المصطلحات من تعريف الظاهر والباطن:
ولنذكر بعض ما هو وارد في المصطلحات للظاهر والباطن، مع أنّ ما بيناه قبلُ كافٍ في المقام:
قال العلامة الراغب الأصفهاني: "والعلم الظاهر والعلم الباطن تارة يشار بهما إلى المعارف الجلية والمعارف الخفية، وتارة إلى العلوم الدنيوية والعلم الأخروية...، وقوله (نِعَمه ظاهرةً وباطنة) يعني بالظاهر نقف عليها، وبالباطنة ما لا نعرفها" انتهى.
إذن؛ فكلمة الظاهرة والباطنة تدلّ على مرتبتي جلاء المعلومات وظهورها، وخفاء المعلومات وتفاوت المراتب في الوقوف عليها، وهو المعنى الذي أردناه في كلامنا كما مضى.
قال الكفوي: "والظاهر والباطن في صفة الله تعالى، لا يقال إلا مزدوجين كالأول والآخر، وهو الظاهر: آية لكثرة آياته ودلائله، والباطن: ماهية لاحتجاب حقيقة ذاته عن نظر العقول بحجب كبريائه. وقال بعضهم: الظاهر إشارة إلى معرفتنا البديهية...، والباطن: إشارة إلى معرفته الحقيقية".
وقال الجرجاني: "الظاهر هو اسم لكلام ظهر المراد منه للسامع بنفس الصيغة، ويكون محتملاً للتأويل والتخصيص، والظاهر ما ظهر للسامع بنفس الكلام، كقوله تعالى: (أحل الله لكم البيع)، وقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم)، وضده الخفي، وهو ما لا ينال المراد إلا بالطلب كقوله (وحرم الربا)".
وجاء في المعجم الفلسفي لجميل صليبا: الباطن خلاف الظاهر، وهو من أسماء الله. وفي التنزيل: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن}. وقيل: الباطن هو علم السرائر والخفيات. وقيل: هو المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم. وقيل: هو العالم بكل ما بطن، يقال: بطنت الأمر إذا عرفت باطنه، والباطني: هو الرجل الذي يكنّ اعتقاده، فلا يظهره إلا لمن يثق به. وقيل: هو المخصص بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها، وقيل: هو الذي يحكم بأنّ لكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً، فلفظ الباطنيّ [المنسوب للباطن] يدل إذن على ثلاثة معانٍ:
الأول: الباطني هو الداخليّ، يطلق على التعليم الذي يلقى داخل المدارس على طلاب بلغوا من العلم درجة تمكنهم من تفهم مسائله العويصة...، ويسمى التعليم الذي يصرح به للعامة بالتعليم الظاهري.
والثاني: الباطني هو الخاصُّ، ويطلق على كل تعليم تختص به عدداً محدوداً من السامعين، فلا تظهره إلا لنفسك أو الذين يقومون منك مقام نفسك، لاعتقادك أن الحق مضنون به على غير أهله، وأنه يجب أن يصان عن المتبذلين والجاهلين، فلا يبلَّغ إلا إلى من رزقه الله فطنة وقادة ودربة وعادة.
والثالث: والباطني هو الخفي، وهو المخصص بمعرفة الأسرار والخفيات كعلم الجفر، أو علم الحروف... أو كعلم السحر والطلسمات وعلوم العرافة والتنجيم وغيرها.
[أقول: ثم ذكر جميل صليبا تعريفين آخرين، وليسا معنيين للفظ الباطني كما مرّ، ولذلك قال: يدل إذن على ثلاثة معانٍ، فالمعنيان اللذان يذكرهما لاصطلاح آخر لا لمصطلح الباطني (سعيد)].
والرابع: العقل الباطن عند المحدثين هو اللاشعور والاستبطان أو التأمل الباطني...الخ.
والخامس: والباطنية فرقة تحكم بأنّ لكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً، ولهم أسماء كثيرة فيسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، والتعليمية، والإسماعيلية، وقد يطلق أيضاً على بعض المتصوفة، وقد خلط بعض الباطنية كلامهم ببعض كلام الفلاسفة... الخ".
ومن تأمل حقّ التأمل عرف مما سقناه أن أغلب المعاني المفهومة من اسم الظاهر والباطن هي مراتب علمية، أو تعليمية... الخ وهي في أصولها راجعة إلى المعاني اللغوية، وهذا كله يتنافى مع ما زعمه المعترض من ضرورة الاستلزام بين إطلاق لفظ الظاهر والباطن وبين الباطنية المتزندقة المستلزمة للكفر، بل هذا من تسرعه وافترائه فقط، ومن الظاهر أنه مما يهواه!
أما بخصوص مصطلح الباطنية الوارد في كلام جميل صليبا:
فمع أننا لم نستعمل اللفظ (الباطنية)، بل لفظ العقيدة الظاهرة في مقابل الباطنة، وهذا يرجح إرادتنا للمعاني التعليمية واختلاف المراتب في إيقاف الناس على المعلومات، بل هو الظاهر منها في سياق كلامنا؛ لا يجوز للمعترض حمله مع معرفته بسياق كلامنا إلا عليه، أو على معنى الظاهر البين والباطن الخفي بالحيثيات التي ذكرناها أيضاً، وقد بينا ذلك غير مرة.
أقول: مع أننا لم نستعمل لفظ (الباطنية)، إلا أنا نقول ههنا:
ليست جميع المعاني المرادة بلفظ الباطنية [لا مجرد الباطن أو الباطني] تدلّ بالضرورة على الزندقة والكفر، فليست كل فرقة تقول بأنّ لكل ظاهر باطناً كافرة، ولا كل فرقة تقول إنّ لكل تنزيل تأويلاً كافرة، بل هذا راجع للمعاني التي يقولون إنها باطنة...، كما أن إطلاق لفظ [الباطنية] على بعض الصوفية لا على جميعهم لا يستلزم بالضرورة تكفير هذه الفرقة، إلا إذا كانت آراؤها كفراً.
هذا كلّه مع ملاحظة أننا لم نستعمل في جوابنا أصلاً لفظ الباطنية، بل الظاهر والباطن في سياق وصف مراتب العقيدة.
ولو سألْنا هذا المعترض المتسرع الذي اعتدنا كونه متسرعا هجوما على الأحكام والمعاني بدون تريث ولا تفهم، لو سألناه عن السبب الذي لأجله أصرَّ على حمل كلامنا على إرادة الباطنية المرادف للزنادقة، لما قدر على توجيه كلامه بعدما ذكرناه إلا بأن يأتي بأي كلام لكي يقال ردّ فلان على فلان...، إلا إذا صرح عن فساد قصده وسوء ظنه وتغرضه لنسبة ما لا نقوله إلينا، ولو بدون وجه حقّ ولا قرينة كافية، وظنه القبيح بأنه وجد ما يمسكه علينا ليشنع علينا بين من يصفقون له ويصفق لهم ممن بدت منهم كلمة البغضاء والاتهام.
وما يقوم به حالياً من محاولات فاشلة لتأويل كلام ابن عربي في مسألة العذاب والعذوبة وصرفها عما ننسبه لابن عربي موافق أيضاً لذلك، فهو غير مبني على قواعد أو قرائن، بل ليس منبئاً إلا عن جهل بكلام ابن عربي نفسه.
وكان ينبغي أن يتأنى قبل أن يحكم أو ينسب ذلك الفهم المغلوط إلينا، فلو فرضنا جدلاً أنه سَمِعَنا نقول: إن ابن عربي باطنيٌّ، لا مجرّد أن نقول: إن له مستويات من العقيدة بعضها ظاهر وبعضها باطن، لما جاز له أن يحمله بالضرورة على الزندقة والكفر، بل على إخفاء التعاليم عن العوام عن طريق تفريقها وتبديدها، لاعتقاده أنه لا يستأهل الاطلاع على بعض المراتب إلا أهلها، وهذا المعنى هو ما ينصّ عليه ابن عربي أصلاً كما نقلناه عنه، لأننا إنما نتكلم عن ابن عربي الذي نعرف بالضرورة أنه فعل ذلك، والذي كتب كتاب الفتوحات، وقال في أوله: إنه صنف مراتب للعقيدة بعضها للعوام يطلع عليها الخاصة أيضاً، وبعضها لا يطلع عليها إلا خاصة الخاصة، وكلامنا جاء في هذا السياق، لا في سياق الفرق والملل.
فدعواه التلازم الظاهر بين وصفنا لمراتب العقيدة عند ابن عربي بالظاهرة والباطنة، وبين كون ذلك اتهاماً لابن عربي بالزندقة والكفر مجرّد تسرع آخر وقع فيه وتعدٍّ علينا وتجاوز للأدب والعلم، لا أدري ما الذي يدفعه إليه إلا حبّ أن يقول: أنا أصبتُ وبينت غلط فلان ورددت على فلان، وانظروا إليّ أيها الناس، فها أنا ذا قد قمت بذلك. وليقول لأصحابه وللمصفقين: ها أنا قد قمت بالمهمة التي تشرئب أعناقكم إليها، فبادروا بتهنئتي وتقديم طقوس التبجيل والتكريم لي.
ولو أنه كان سأَلَنا عن مرادنا قبل الاندفاع بالحكم علينا لقلنا له مرادنا، ولكنه كأنه يتصيد الكلام تصيداً ويحمله على غير محامله، كما فعل غيره من قبل، وهذا عهدنا بهذه المجموعة التي تخالفنا في هذه المسألة.
هذا مع أننا نبهناه قبل أن يكتب مقالته هذه أنه يسيء إلينا، وينسب لنا ما لا نقوله، ونبه إلى ذلك بعض الأفاضل، ولكنه هائج مستنفر لا يلتفت إلى قول أصلاً، ولا نظنُّ أنه سيلتفت إلى ما قلناه هنا، بل سيقول كما اعتدنا منه إنه مجرد محاولة للتبرير، وهذا كله مبناه سوء ظنه وغرضه الذي صار ظاهراً وقلة قدرته على التدبر في الألفاظ والمعاني، ولكننا نبين ما نبينه للقراء المنصفين، والمتابعين الباحثين، ولتوضيح المسائل، وبيان الحدود الفاصلة بين كل مسألة ومسألة.
وأعتقد أننا بما قلناه أظهرنا لكل منصف فساد ما زعمه المعترض وبطلان تفسيره لكلامنا من أصله.
هل القول بأن مراتب العقيدة عند ابن عربي متخالفة في بعض الأحكام يستلزم بالضرورة الحكم عليه بالكفر؟
من الظاهر لكل ذي عقل أنّ التخالف في المراتب، غايته أن يستلزم التناقض، وبعض التناقض والتخالف بدعة، وبعضه خطأ، وليس كل تناقض مستلزماً للكفر، ولكن الكفر له أحكامه الخاصة التي نرجع فيها للشريعة، وقد ذكرنا ذلك دائماً في كتبنا، وفي دروسنا المنشورة على الشبكة، ولا ريب في أنّ المعترض سمعها وفهمها، ولكنه وغيره يسمع ما نقول، ويكرّر كثيراً منه، ولكنه ينكر اطّلاعه على ذلك. بل كثيرا ما نراه يعيد ما بحثناه منذ سنين عديدة وتباحثنا فيه مع بعض الأفاضل على صفحات الشبكة بدون أن يشير لذلك أصلا كأنه هو أول من التفت لذلك! وهذا ما يبعث على الاستغراب والتعجب.
ونستفيد من هذه الفرصة للتذكير بما كنا نتعرض له من الاتهام بالتكفير، وذلك خلال ردودنا على الوهابية الذين كانوا دائماً يتهموننا كذباً وزوراً بتكفير ابن تيمية، افتراءً منهم وكذباً محضاً يستحلّونه في حقّ من يخالفهم، وذلك لما لم يكن هذا المعترض مذكوراً أصلاً في عداد من يظهر عقيدة أهل السنة في أصل أو فرع، فكنا كلما قلنا لهم: إن ابن تيمية يعتقد عقائد باطلة، يقولون لنا: إذن أنت تريد تكفيره، أو تضمر تكفيره ولا تعلن عن ذلك.
وهذا بالضبط هو المسلك الذي يتبعه هذا المعترض المتغرض ومن معه.
وكنا نقول لهم ولغيرهم من الذين يحسنون الظنّ في ابن تيمية: إنه لا يصرح دائماً بما يعتقد به بوضوح، وإذا فعل ذلك فليس في كل كتاب يبين مراده صراحة، وعندما يحيل الناس تراه يحيلهم للواسطية والحموية ونحوهما، وهي كتب إجمالية كتبها لعامة الناس، ليس فيها كثير من تفاصيل المسائل المختلف فيها، ولكنا نجد مخالفاته الظاهرة المفصلة الجلية مذكوراً بعضها في رده على تأسيس التقديس، وبعضها في المنهاج، وبعضها درء التعارض، وهكذا...، ونذكر جميعاً قصة أبي حيان لما تحايل على بعض أصحاب ابن تيمية لينظر في بعض كتبه التي لا يُطلع ابن تيمية عليها إلا خاصته والمقربين منه، أكان هذا اتهاماً له بالزندقة، أو هو نوع خاصّ وطريقة خاصة من التعليم يمارسها ابن تيمية، فكان يُظهر بعض آرائه لعامة الناس، ويخصّ خاصة أصحابه ببعضٍ منها، أو يودع الواضح المجمل المحتمل حمله على عدة وجوه في المتون التي يرسلها لعامة الناس، أما تصريحاته بالجهة والحدّ وحلول الحوادث والتحيز والقدم النوعي ونحو ذلك من المسائل التي فيها حصل الخلاف فهذه يذكرها في كتب مطولة خاصة، لا يكاد يحسن قراءتها إلا الأقلون.
هل هذا اتهام له بالزندقة والباطنية التي يقصدها هذا المعترض؟ الموجبة للكفر، أم اتهام له بطريقة مخاتلة ومنهجية خاصة في نشر التعاليم التي يقول بها بين الناس...؟!
تساؤل:
لماذا نرى المعترض حريصاً كل الحرص على أن ينسب إلينا أننا نكفر ابن عربي، كما كنا نرى التيمية حريصين على أن ينسبوا لنا تكفير ابن تيمية، هذا مع علمه تماماً أننا نصرح كما يعلم أصحابه والمصفقون له والمشجعون من وراء ستار، فبعضهم في الظاهر وبعضهم من الباطن، وقبل أن يتناول القلم ليكتب وقبل أن نعرف اسمه الذي ما سمعنا به إلا قريباً، نقول: إنه يعلم أننا نعلن عدم تكفيرنا لابن تيمية أو لابن عربي، مع إعلاننا صراحة بأننا نحكم عليهما بأنهما يخالفان عقيدة أهل السنة في مسائل معينة...، أما التكفير فلا.
وقد اعتدنا من بعض الناس أن يتجنوا علينا بأننا نكفر ابن تيمية، أو نكفر ابن عربي، ولا نرى هذا المعترض إلا متابعاً لهم في هذه الطرق المخالفة للشريعة وللحكمة وللأخلاق وللأعراف المرعية بين البشر.
ربما كان هو يعتقد أنه إن سلم أن ابن عربي يقول بانقلاب العذاب عذوبة فيلزمه كفره، ولذلك يصارع مصارعة لإثبات أن نصوص ابن عربي الدالة على ذلك يجب حملها عل محامل أخرى، خوفاً من أن يلتزم تكفيره.
ولكنه يتناسى أنّ ابن تيمية وابن قيم الجوزية وكذلك القرضاوي قالوا قولة لا تقل شناعة عن مقولة ابن العربي، فإنهم قالوا: إنّ النار تفنى ولا تدوم أصلاً، فخالفوا إجماع المسلمين على بقاء الجنة والنار، ولم يقولوا لنا أين يذهب الكفار بعد فناء النار وبعد تخلصهم من آفاتهم وانحرافاتهم عن طريق التعذب بالنار، أَيَفْنَوْنَ أيضاً؟! فهو خلاف آخر للإجماع ولنصوص الكتاب والسنة، أم يخرجون من النار، فإذا خرجوا فأين يبقون بعد ذلك، وما ثم دارٌ إلا الجنة، وأنه يلزمهم لزوماً ظاهراً من قولهم بأنّ الكفار مآلهم إلى الدخول في الجنة بعد خراب النار وفنائها، يتلذذون ويتنعمون فيها طبعاً.
ولم نسمع من هذا المعترض ولا من أصحابه لزوم تكفير ابن تيمية ولزوم تكفير القرضاوي.
أما ابن عربي فلم يقل بكل ما يقولون به، بل قال ببقاء النار، وبقاء أصحابها فيها، غاية ما قال إنّ عذاب الكفار يزول، ثم يبقى عذابهم النفسيّ، أو ينضمّ إليه استعذابهم للنار بدل تألمهم منها.
ولو عددنا المعاني التي خالف فيها ابن تيمية أهل السنة والإجماع في هذه المسألة لرأيناها أكثر وأشد من المعاني التي خالف فيها ابن عربي ذلك.
فنقول:
إذا كنت تعتقد لزوم التكفير: فأي الكلامين أولى بالتكفير إذن؟ أكلام ابن عربي أم كلام ابن تيمية والقرضاوي ومن وافقه؟
ولِمَ لَمْ نَرَكَ هجمت هجوماً على من لم يكفر ابن تيمية، سواء كنا نحن أو غيرنا، وألزمته إلزاماً بإكفاره، وقد حصل الاتفاق على أنّ من قال بذلك فهو مبتدع أصلاً، اتفاقا بين أهل السنة، وحصل نزاع في إكفار من قال بهذا القول.
أما القرضاوي؛ فلم نرك أصلاً عرجتَ عليه لا ردًا ولا تبديعاً ولا تكفيراً مع تصريحه بفناء النار، كما قال ابن تيمية وتبعا له...!؟
أعتقد أنّ هذه نقطة يحسن بهذا المعترض وبغيره أن يتأمل فيها جيداً.
دعواه بأنه ينقدنا بالطريقة التي ننقد فيها ابن عربي:
أما ما يقوله من أنه يحاكمنا بالطريقة التي نحاكم بها ابن عربي، فيا ليته يفعل ذلك، نحن لا ننسب لابن عربي إلا ما كتبه هو في كتبه، وما ينصّ صراحة على دلالته بلا لبس ولا إجمال، وعندما يقول لنا قائل: إنه لم يُرِدْ هذا المعنى، لأنه قال كذا وكذا مما يعارضه، نتوقف حتى نفهم هذا النص الذي يعارض فهمنا به، لكي نظهر له صوابه أو غلطه، ولم يأت أحد حتى الآن يظهر لنا أننا غلطنا في المسألة التي نحن فيها، وهي تحول العذاب إلى عذوبة، ولم يظهر لنا أحد أن هذه الدعوى توافق القرآن، أو لا تخالف أهل السنة... لم يأت أحد بشيء أبداً، فضلاً عن هذا المعترض العجول.
نعم يا ليته نقدنا كما ننقد نحن ابن عربي، يا ليته اكتفى بذكر النصوص الظاهرة في كلامنا، ولم يتعلق بأوهامه التي تعلق بها مرة تلو أخرى...، ونحن ما زلنا ملتزمين حدود الشرع والبحث وآدابه وقواعد العلم، ولكنه لا يلتزم ذلك أصلاً.
ويا ليته يفي ولو مرة واحدة بما يقول ويفاخر به من أنه أتى بنصّ قاصم أو صريح يدلّ على ما يقول... أبداً لم يفعل شيئاً من ذلك، ولن يفعل.
كتبه
سعيد فودة
وليس لنا إلى غير الله حاجة ولا مذهب
22-4-2020م
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب