7-قولكم إنكم ستقومون أيضاً ببيان: "أن قوله فيها خير من قول غيره ممن قالوا بفناء النار مثلا وبعضهم أئمة مقبولون في مذهبهم الحنبلي على الجملة" انتهى كلامكم. أي إنكم تريدون عقد المقارنة بين قول ابن تيمية بفناء النار، وبين قول ابن عربي بانقلاب عذاب النار إلى عذوبة أو انقطاعه، وكأن مجرد ترجيح أن هذا خير من ذاك، أو العكس كافٍ للدفاع عنه. بل قد يكون كل من القولين باطلا في أصله، ولكن من بعض الجهات، واحد منهما أفضل من الآخر. فهل هذا يفي بغرضكم أن تقولوا: إن ابن تيمية قال أقوالا أشد فسادا من قول ابن عربي. ولو فرضنا ذلك صحيحا، فهل قول ابن عربي بمعناه المذكور مقبول ولا يعدّ انحرافا عن المرجعية المعتبرة عند أهل السنة.
وقد كنا كتبنا في المقارنة بين قول ابن تيمية وبين قول ابن عربي في هذه المسألة، ربما ننشره قريبا لنتساعد في تبين الأصول والأحكام التي اتفق فيها الاثنان أو اختلفا، وقد تكون أمثال هذه المقارنات مساعدة على زيادة الكشف عن فساد القولين، لا عن التوسل بها لتقريب القول بهما أو بأحدهما.
وهذا كله بغض النظر عن العبارات المجملة المستعملة في هذه العبارة وعدم تسليط التحليل النقدي على هذه العبارات الإجمالية وغير المفيدة في هذا المقام نحو: "مقبولون في مذهبهم في الجملة"!!، فكونهم مقبولين في مذهبهم في الجملة!! لا يستلزم كون قولهم هذا في هذه المسألة مقبولا كذلك، مع أن هذا القول ليس من خواص مذهب الحنابلة المنتسبين لأهل السنة أصلا، ولا ينبغي أن يعتبر أن للحنابلة أصلاً عقيدة بإزاء عقيدة أهل السنة تقول إن عذاب النار منقطع، بل هم موافقون لأهل السنة، ومن ضمنهم، ولم يعتبر الإمام أحمد ولا مذهبه هذه المسألة مقبولة في الجملة. كما أنّ المرجع في هذه المسائل أعني العقائدية ينبغي أن يكون باعتبار القواعد والأقوال المعتبرة عند أهل السنة، وليس قول ابن تيمية معتبرا بحيث يفتى به ولا يعتمد من حيث الدليل والترجيح لا عند الحنابلة ولا عند أهل السنة من غيرهم فهو قول شاذ عند عموم أهل السنة بمختلف أطيافهم كما هو معلوم! وإنما تم الترويج له في الأزمنة المتأخرة!؟
كما أن قولكم: "قوله فيها خير من قول غيره"، قد علقنا على معناه من قبل.
وقولكم: "وبعض أئمتهم مقبولون في مذهبهم الحنبلي"اهـ، فقد بينا أن قبول ابن تيمية وابن القيم مثلاً في الفقه، في بعض الأقوال كثرت أو قلت أو غلبت، لا يستلزم مطلقا كون قولهم هذا أعني القول بفناء النار معتبراً ولا مقبولا عندهم، فهو قول في علم التوحيد الذي يشترك الحنابلة فيه مع عموم أهل السنة، فهو ليس متفرعا على قواعدهم الفقهية العملية الخاصة حتى ينسب إليهم من حيث كونهم حنابلة.
ولنفرض أنه مقبول عند بعض الحنابلة كما قبله ابن تيمية وهو من الحنابلة، وكذا من تأثر به، فإننا نحيل نظركم إلى أن القبول والاعتبار في العلم لا يكون بأن يقال فلان قال بهذا القول، فكم من قول قاله أعلام بل أئمة ولكنه رفض بعد أن تبين للنقاد عدم اتساقه مع الأدلة الظاهرة. فليس مجرد تصحيح نسبة القول لأحد الأعلام عند بعض المذاهب بمسوغ لعدِّ هذا القول مقبولاً بحجة أن القائل به مقبول في الجملة!
ولم أقصد من التعليق على هذه العبارات الهائمة الإجمالية إلا لفت أنظاركم إلى أن البحث في هذا الأمر لا يلائمه هذه الضوابط أو الإرشادات.
8- لو سُلِّمَ قولُكم بأنَّ بعضهم سبَقَ ابنَ عربي بنحوٍ ما !! في هذا القول، وأن قوله أهون من قول غيره، وأن غيره هذا الذي قال بقول أخطر منه كان مقبولا من حيث هو عالم في الفروع أو الأصول بوجه ما عند الحنابلة، مع ملاحظة أن كونه معتبرا بوجه ما لا ينافي أبداً أن يصدر عنه قول مخالف لأصول أهل السنة من الحنابلة وغيرهم بوجه ما آخر...أترون هذه طرقاً وضوابط قويمة كافية للتسليم بأن هذا القول الذي سلمتم نسبته لابن عربي غير منحرف عن الشريعة!؟ يعني: هل هذه الاعتبارات كافية للقول بأنه غير منحرف عن أهل السنة في بعض الأقوال، أو غير منحرف عن قواعد الفهم المعتبرة في الشريعة عند علماء أهل السنة؟! كما هو الأصل المفترض لديكم...
وأخيراً،
أرجو من المشايخ وطلاب العلم إعادة النظر في هذه الحيثيات غير الخافية علينا أصلا، وكنا قد قمنا ببيان بعضٍ منها كما أشرنا، وأرجو منهم الالتفات إلى أنها غير كافية لتصحيح القول بأن ابن عربي غير مخالف لأهل السنة في هذا القول.
ونقترح لكم ولأنفسنا مسلكاً آخر لعلكم تعيدون النظر فيه لاحتمال كونه أقوم وأقرب:
أن يتم البحث في اختيارات ابن عربي من حيث كونها موافقة أو غير موافقة: للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، بالفهم المعتبر عند المفسرين وشراح الحديث الأعلام الملتزمين بمناهج الاستدلال والفهم المعتبرة عند أهل السنة، فقد أعلنتم أنكم تبنون كلامكم على قبول مرجعية أهل السنة، وأن ابن عربي موافق لهم.
وتطلقون البحث من هذه الجهة التي هي أجدى في نظري مما اقترحتموه.
فإما أن يكون موافقا في المنهج والأحكام الكلية التي ثبت وجودها في كتبه، ولم يثبت أنها مدسوسة، فحينئذ أعلنوا كيفية التوافق هذه للعلماء ولطلاب العلم، ليستفيد الجميع من بحوثكم العلمية هذه، ولينظروا فيها، وسنعمل معكم على ذلك.
وإما أن يتبين أنه مخالف لهم ولو في بعض القواعد والأصول النظرية والاستدلالية والمناهج الموصلة إلى الأحكام، فحينئذ يتم الإعلان: أن ابن عربي -بناء على ملاحظة طرقه في البحث، والنظر والاستدلال، وبعض الأحكام التي يقول بها- يعتبر صاحب مذهبٍ مستقل لا يصحُّ نسبَتُه هكذا بإطلاق إلى أهل السنة، بل الأصل أننا نقيد الكلام فيه، فنقول وافقهم في كذا وخالفهم في كذا.
وقد ينتج البحث موافقته التامة لأهل السنة سواء في المسائل أو في الدلائل، وحينئذ تكونون قد قدمتم للأمة خدمة لا مثيل لها...
فأقترح عليكم إدراج هذه الحيثية في جهات عملكم، فإنها أضبط كما يبدو لي من الجهات التي التزمتم بها، ورغبتم بالقيام بها، وأكثر موافقة مع غرضكم الذي أعلنتم عنه. وهو أنه موافق لأصول أهل السنة.
فإذا كان غرضكم معرفة إن كان ابن عربي يوافق أهل السنة وبأيِّ مقدار -كليا أو جزئياً- يفعل ذلك، فنحن معكم في ذلك.
وأما إذا كان غرضكم مجرد محاولة درء مخالفته أو الحكم عليه بأنه أخطأ ولو في مسألة واحدة! وذلك باستحضار شهادات علماء لتقواه ودينه وكونه مقبولا هكذا على سبيل العموم، أو وليا كبيرا أو أنه بلغ المراتب العليا في التصوف....الخ هذه الحيثيات! فلا إشكال في استحضار ذلك كله.
ولكن ألا ترون أن هذه الشهادات الإجمالية كلها لن تجدي نفعا عندما يتم بيان بعض المسائل التفصيلية التي يظهر أن ابن عربي مخالف فيها لظواهر القرآن والسنة وقواعد أهل السنة؟!

وما أعلنتم عنه من أنكم لن ترضوا بالقول بأن بعض أقواله فيها انحراف عن الدين، فبناء على أي معنى أطلقتم قولكم هذا؟ هذا شرط اشترطتموه على أنفسكم -وهو مخالف لما يظهر لنا ولكم- من وجود بعض المسائل الإشكالية، وقد اعترف العلماء المتقدمون والمتأخرون بذلك، حتى إنَّ شراح الفصوص والمعلقون على آرائه المختلفة أقروا بذلك، وما يدلُّ على ذلك محاولات بعضهم توجيه ما ذكره فإنَّ ذلك كان بمشقة أعلنوا عنها في غير موضع، أو محاولتهم تأويلها بعد أن عجزوا عن الإقرار بما فيها، أو نفي ثبوتها عنه للعجز عن قبولها وتأويلها، فكثير من العلماء الملتزمين بمذهب أهل السنة الذين يحسنون الظنَّ به من المتقدمين والمتأخرين أفصحوا عن معارضتهم للآراء المنسوبة له بناء على ملاحظة معناها التي تظهر دلالتها فيها كعذاب النار وتحولها إلى عذوبة أو انقطاع، ونحن نوقف حمل تلك المعاني على خلاف ظاهرها على قرائن كافية، لا على مجرد الاعتقاد بديانته وتقواه وتصوفه واشتهاره من هذه الحيثية بين الناس، وهذا متوافق مع ما نقوله نحن أيضاً.
ولا يخفى عليكم أن جزم أهل السنة بوجود آراء باطلة في كتبه هو الذي دفع بعضهم للبحث عن توجيه آرائه لمعانٍ مقبولة إن قدروا، أو اتخاذ موقف من المواقف التالية:
أولا: حمَلَهُ بعضهم على الدس:
وبغض النظر عن وجود دلائل كافية على نظرية الدس هذه أو لا، فإن كل من قال بدس هذه المواضع فهو قطعا يرفض نسبتها أصلا لابن عربي لما يرى فيها من انحراف عن الدين وأدلته وانحراف عن أهل السنة. وبناء على ما يسلمه مسبقا من أن ابن عربي موافق لأهل الحق، إما اعتمادا على العقيدة التي أظهرها ابن عربي لعوام الناس حيث اعتبر ما بدده مخالفا لما قدمه، فنفاه بدعوى الدس، أو نفى إرادة ابن عربي لظاهره لدعوى التأويل، أو لغير ذلك من الاعتبارات.

ثانياً: الحمل على التأويل لدفع الإشكالات عن كلامه:
لو تأملنا أيضا في بعض مواقف أهل السنة من جهة أخرى، فإنهم قاموا بكل ما يطيقون من قوى لتأويل أقواله محلِّ الخلاف والنفور ومنها قوله في مسألة عذاب النار، أقول حاولوا جهدهم لإعادة تأويلها بصورة تكون غير منافرة لقول أهل السنة، وهذا صعب جداً، كما لا يخفى عليكم، إن لم يكن أكثر من ذلك كما أرى. وكذلك حاول بعضهم مع تعسُّفٍ ما أمكنه الجهدُ لبيانِ كيف أن هذا القول لابن عربي لا يتعارض مع صرائح القرآن وأدلته القطعية، وهذا عَسِرٌ جدًا أيضا خصوصا على أصول البحث والنظر والاستنباط والقواعد المعتبرة عند أهل السنة.
ثالثا: دعوى أن هذه الطريقة موافقة لأهل التصوف والعرفان وإن كانت ظواهر الأدلة تأباها:
ومع غرابة ذلك بعد التسليم أن هذه المسائل علمية لا ذوقية، ومع ظهور فساد ما فيها من تعميم ذلك على الصوفية، أقصد أنه ليس جميع الصوفية من أهل السنة وافقوا ابن عربي على أقواله محل الخلاف كما هو بينٌ، إلا أنه قد حاول بعضهم أيضا دعوى أن هذا النحو الذي اتبعه ابن عربي من النظر والاستدلال والتوجيه وإن كان خلاف قول طريقة المتشرعين المعتبرة من أهل السنة، إلا أنه يوافق الصوفية أو العرفاء أو نحو ذلك، ونحن نرى خلل هذه الدعوى أيضا، فلا يوافق ابنَ عربي في هذه الطريقة جميع الصوفية، بل كل صوفي وافق أهل السنة في الأصول فلن يوافقه في هذه الآراء، وأما بعض الصوفية الموافقين له في الأصول لطريقته فقد يوافقونه في ذلك.
رابعا: هناك علماء أعلنوا عن بطلان ما يقرره ابن عربي، بناء على ما توصلوا إليه من صحة نسبة الكلام له في الكتب المنسوبة إليه، وعدم ظهور أدلة دس هذه النصوص في كتبه، وظهور معانٍ باطلة بالنظر لأدلة الشريعة وأصول أهل السنة، فلم يجدوا طريقا إلا إعلان بطلان ما وجدوه من هذه الآراء.
خامسا: قد يخاطر بعضهم بأن يقول إن آراء ابن عربي تتوافق مع الأصول المعتبرة عند أهل السنة، ولا تتخالف مع أحكامهم العقدية ولا مع ظواهر دلالات القرآن الكريم المفهومة بحسب هذه المناهج والطرائق، كما أنها لا تتعارض مع القواعد والأدلة العقلية التي قررها أهل السنة. وهذا أيضا كما أرى اقتراح قد يقبله بعضهم لأول النظر، ويشرع في تطبيق المسائل بناء عليه، ولكني بحسب ما يظهر لي أراه صعب المنال عسر الهضم يلزم صاحبه للتعسف والتكلف الذي يظهر بعد إعادة الدراسة والنظر أن مسلكه الذي اتبعه ضعيف جداً لا يعتبر عند أولي النظر والتحقيق، ولا عند أهل الأصول الملتزمين بطرائق الاستدلال المعتبرة الذين يحسنون تطبيقها على مواردها.
ملاحظة منهحية:
هذه هي الطرق التي تخطر في بالي الآن، ولكن أريد أن ألفت نظركم إلى أن الطريقة المعتمدة على فرض الدسِّ، وأن هذا ليس من كلامه أصلاً بناء على أن ما تشتمل عليه تلك النصوص المدسوسة يتعارض مع الأحكام المعتبرة عند أهل السنة، أقول: هذه الطريقة تتعارض مع ما تقترحونه من موقف يجزم بالمعارضة ضدَّ مَنْ يقول إن ظاهر كلامه باطل وهو لا يسلم بالدسِّ، وذلك لأن العلماء ما لجأوا إلى طريقة الدس إلا بعد عجزهم عن قبول هذه الآراء المتناثرة في كتبه، وأفترض أنهم كذلك عجزوا عن تأويلها تأويلا مقبولا معتبراً غير متعسِّف ولا متكلَّف لتتوافق مع مذهب أهل السنة.
فأرجو منكم إعادة النظر في ذلك...
ولذلك لم يكن من المعتمد عند أعلام أهل السنة الذين ليسوا على طريقة ابن عربي القبول بظاهرها بدون تأويل يرجعها إلى أصول أهل السنة، كما حاول بعضهم ولم ينجحوا في نظرنا! وهؤلاء العلماء لم يكونوا يمنعون الحكم على هذه الآراء بأنها معارضةٌ أو منحرفةٌ عن قواعد الشريعة وعن أصول أهل السنة كما فعلتم أنتم، إلا إذا كان قصدكم معنى آخر لم يظهر لنا.
فنرجو منكم بيانه لنتعاون معكم في خدمة مذهب أهل الحق.

والله تعالى أعلم وأجل
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
كتبه سعيد فودة
اليوم الأول من رمضان الخير عام 1441هـ.


http://www.aslein.net/showthread.php?t=19786