بسم الله، اللهم نورَك.
بعد أن فتر الوحي عن النبي صلى الله عليه و سلم و عيّره المشركون على ذلك، أنزل الله سورة الضحى تثبيتًا له و تأكيدًا:
وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى
يقسم الله تعالى بأمرين يقينيين، يراهما رسول الله صلى الله عليه و سلم عينَ اليقين، فهو لا ينكر رؤية الضحى، و الذي يجيء بعد الليل، و هذا التقلّب من الظلمة، إلى النور، لا يقدر رسول الله إنكارهما، فكذلك اصطفاء الله له.
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
باستعمال المشركين لكلمة "قلى"، فأكد له الله سبحانه أنه، و إن بدا -للمشركين- أن الله تركه فهذا الفتور هو قضاء من الله سبحانه، فيه حكمة، و إن خفيَت عن الناس.
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى
و قبل أن يبشر الله سبحانه رسوله بما سيرضيه و يرضي عظمته في الدنيا، بشره بأكبر من ذلك، فإن الآخرة لَهي أفضل له مما سيعطيه في الدنيا.
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
و إن كانت "سوف" تستعمل للشيء البعيد حصولُه، فإنك سترضى يا محمد -صلى الله عليه و سلم-.
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
لم يكتفِ الله سبحانه و تعالى بتبشيره بالعطاء طمأنةً له، فذكره بنعمه عليه سبحانه، و التي تمت أصلًا فهو لا يحتاج أن ينتظر شيئًا يحصل مستقبلًا للاطمئنان. و بعد تذكيره بنعمه عليه سبحانه، فحضه سبحانه، بعد أن اصطفاه على الخلق أجمعين، على الأخلاق العظيمة، و السورة منزّلة لرسول الله و أمته من بعده. فإن آتى الله العبد النعم الجسيمة، فينبغي ألا يتكبر على الضعفاء من خلقه، حتى لو علم بأنه خير منهم.
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ
و الله يعلّم الناس كيف يتعاطَون مواهب الله لهم، فالإنسان مجبول على حب الجاه و التفرد و إثبات النفس، فلم يمنع الله ذلك، إذا لم يكن فيه إيذاء للغير أو بأخلاق رديئة تُنسيه أنها مواهب قد تُسلب منه كما أتت إليه.
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
أظهر نعمك هذه أيها العبد، و تفنّن و أحسِن إبرازها، بدون إغفال ملاحظة أنها من ربّك، و أنها منه، و إليه صائرة.
و إلى لقاء.




رد مع اقتباس