النتائج:
1-إنّ هذا الكمّ الهائل من التكفير والتجهيم والتفسيق والتبديع لدليلٌ على أنّ أصحاب هذه الطريقة "الخلّاليّة" "الحنبليّة" يقدّمون كلام مجاهد وعبد الله بن سلام على كلام الله وكلام رسوله وما أجمع عليه الصحابة وأتباعَهم إلى هذا اليوم.
2-أن هذه الفرقة من الحنابلة يتهمون الأمة كلها بأنها جهميّة، لأنّ الأمة مُجمعةٌ على ردّ خبري ليث وإبطالهما وتبديع من يعتقد ما فيهما من تجسيم ولوازمه، فهؤلاء الفرقة من الحنابلة حاقدون على أمتهم، وسيظل كلّ من يمشيء على معتقدهم كذلك حاقدًا على أمته، فلا جرَمَ أن خرجَ من هذه الفرقة ابن تيمية الّذي لم يترك أحدً إلا ووصفه بالتجهم أو بالتأثر بالجهميّة، ولا جرمَ أن خرجَ منهم ومحمد بن عبد الوهاب والطائفة الوهابية.
3-ويدلّ هذا الهيجان من التكفير على أنّ منهجهم هذا المزعوم: "مذهب أهل الحديث" أو"مذهب أهل الأثر" مذهبُ غيرُ مأمون العواقب، فأنت ترى عيانًا كيفَ استطاع الخلال اختراقَه بكلّ سهولة، بأن يتخيّرَ من الروايات التالفة ما يريدُ إثباته ويترك ما يخالف هواه وهو يعلم صحته، فقد ترك مئات الروايات الصحيحة عن النبي (ص) وأصحابه والتابعين مما ينقضُ عقيدة الجلوس والأبعاض، لا سيما عن إمامه أحمد...فهذا الانتقاء والاجتزاء كفيلٌ بقلب الحقيقة، حقيقة معنى (المقام المحمود) وحقيقة موقف الإمام أحمد منه، وما تحرّفت أديان الأنبياء السابقين إلا من لعب جهلة الرّواة الّذين كانوا يجتزؤون الحقائق بما يخالفُ معناها الّذي أراده الله ورسوله.
-تلك الطريقة التي سلكها الخلّال قادته إلى الإصرار على أنّ خبر ليث عن مجاهد -وخبر سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام- من أخبار الصّفات! أي أن الجلوس الوارد فيهما من صفات الله، والعياذ بالله، لأنّ فيهما أن الله جالس على العرش، بدليل أنّه عقّب ذلك بكلام الإمام أحمد عن الصفات فقال: (حدثنا أبو بكر المروذي، رحمه الله قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها أبو عبد الله، وقال: " قد تلقتها العلماء بالقبول، نسلم الأخبار كما جاءت) [283]
ثمّ أكّد ذلك بما رواه من قول القاسم بن سلام: (هذه الأحاديث حق لا يشك فيها، نقلها الثقات بعضهم عن بعض حتى صارت إلينا، نصدق بها، ونؤمن بها على ما جاءت. قال أبو الفضل: ونحن نقول في هذه الأحاديث ما قال أحمد بن حنبل متبعين له ولآثاره في ذلك) [311]
وقد سبق أنّ الإمام أحمد يردّ خبر ليث عن مجاهد ويتهمه بالاضطراب والضعف، وكأنّ الإمام أحمد الّذي يحتجون بكلامه صار جهميًّا لو كانوا يعقلون!
ثمّ أكّد ذلك مرة ثانية فروى قول عبد الوهاب الورّاق: (سألت أسود بن سالم عن هذه الأحاديث، فقال: «نحلف عليها بالطلاق والمشي، إنها حق») [312]
الخلال لم يروِ هنا إلا أحاديث الجلوس، فاستحضرَ هذا الخبر الّذي يحتوي على عبارة «هذه الأحادث» للإشارة إلى أنّ "هذه الأحاديث" التي رواها "هنا" كالجلوس والتبعيض أحاديثٌ حقّ يجبُ اعتقادُها! أي إنها بلغت عندهم مرتبة اليقين، والله أعلم عن أيّ أحاديث كان يتكلم عبد الوهاب الورّاق، ولكن المهم هو أنّ الخلال استشهد بكلامه ليثبت أنّ «هذه الأحاديث» هي أحاديث الجلوس والتبعيض.
[قصة رسالة حنابلة بغداد]
ذكرَ الخلال 311هــ في سنّته أنه أرسلَ من طرسوس إلى حنابلة بغداد سنة 292هـ يسألهم فيها عن خبر ليث عن مجاهد «يُقعِدُه معه على العرش» ويسألهم عن الحكيم الترمذيّ320هـ وعن أصحابه الّذين ردّوا خبر القعود والإقعاد، فأجابوه برسالة تسعُ أهل الأرض تكفيرًا وتفسيقا وزندقةً، وهي موجودة برقم 266 في سنة الخلال، مليئة بتكفير من ردَّ خبر مجاهد.
والمهمّ في هذه الرّسالة أنهم جعلوا ردَّ هذا الخبر التالف ردًّا للدين وإنكارًا لصفات الله وتجهُّما وزندقة، وزعموا أنّ الإيمان بالله لا يصحّ إلا بالإيمان بهذا الخبر الهالك! ثم حشروا ذكرَ الإمام أحمد ووجوب اتباعه في ذلك، كي يُظهروا أنّه ممن يقول بعقيدتهم، مع أنّه نصّ في مناسبات كثيرة على ضعفه واضطراب رواته.
ومما جاء في رسالة حنابلة بغداد وهم شيوخ الخلال وأصحابه:
(فالله الله، ثم الله الله يا إخوتاه من أهل السنة والجماعة، والمحبة للسلامة والعافية في أنفسكم وأديانكم، فإنما هي لحومكم ودماؤكم، لا تعرضون لما نهى الله عنه عز وجل من الجدل والخوض في آيات الله... فالزموا من الأمر ما توفى الله عز وجل أبا عبد الله رحمه الله عليه، وأبا بكر المروذي، فإنه الدين الواضح، وكل ما أحدث هؤلاء فبدعة وضلالة... فهذا ديني الذي أدين لله عز وجل به، أسأل الله أن يميتنا ويحيينا عليه... ولا يرد حديث محمد بن فضيل، عن ليث عن مجاهد {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} -قال: "يقعده معه على العرش"- إلا جهميّ، يُهجَر ولا يُكلَّم، ويحذَّرُ عنه وعن كل من رد هذه الفضيلة، وأنا أشهد على هذا الترمذي أنه جهمي خبيث..إلخ)
-فعقيدة الجلوس الإلهي هي لحومهم ودماؤهم...وإذا أردتم العافية في أديانكم وأن تكونوا من أهل السنة والجماعة فآمنوا بحديث ليث، لأنّه هو الدين والسّنّة، وإلا فأنتم جهمية كفار منكرون لصفات الله وتستحقّونَ سفك دمكم أيها الجهميّة! هذه هي ملامح "منهج أهل الأثر" عند هذه الطائفة من الحنابلة، تحولت الأخبار التالفة والأكاذيب إلى أصل من أصول الدين، وصار كلّ من أخذ بقواعد العلم الصحيحة جهميا زنديقًا، وهم يخرقون كل قواعد علم الحديث من أجل إثبات تجسيمهم.
-والجميل في الموضوع أنّ الخلال في بداية الرسالة يصحح هذه الأحاديث ويقول: (وسرَّ الله أهل السنّة وزادهم سورورًا على ما عندهم من صحّته) [266]
-ولو كان هؤلاء قد عملوا بنصيحتهم: (فالزموا أبا عبد الله وأبا بكر المروذيّ) لما اعتبروا هذا الحديث من الدّين ولا من السنّة الصحيحة، لأنّ المروذي هو الّذي نقل عن أحمد بن حنبل تضعيفه...ولكن الخلال وأمثاله من محرّفي الحنابلة غيرُ مؤتمنين على الدين وهم أول المخالفين للإمام أحمد، أليس تبديلا للدين أن تتحول قضيّة الشفاعة المُجمَع عليها إلى قضيّة جلوس وقعود؟ فما بالك لو كان الجلوس مقرونا بعقيدة الأبعاض؟ ولهذا أقول: مذهب هؤلاء ليس مذهبًا مأمونا في الدين، بل هو مذهب باطل لا يأتي إلا بالأباطيل والخرافات المكذوبة.
[عقيدة الأبعاض]
ومما اشتملت عليه رسالة الحنابلة التي نقلها الخلال: تبعيض الله، تعالى الله عما يصفون
فبعد أن فرغ الخلال من خبر ليث عن مجاهد، أراد إثبات صفةٍ أخرى لله عزّ وجلّ لها علاقة عندهم بالقعود والإقعاد، وهي أن لله أبعاض..! ثمّ أوردَ خبرًا آخر يفسر به معنى هذا البعض بأنه قدَمُ الله!
-فأورد أوّلا خبر: (عن عبيد بن عمير: {وإن له عندنا لزلفى} قال: «ذكر الدنو حتى يمس بعضه») [320] وإسناده صحيح
-ثم أتبعه بخبر يفسّره به: (عن ابن عباس، في قوله: {وإن له عندنا لزلفى} يدنو منه حتى يقال له: خذ بقدمي) [323] وإسناده تالف
فالبعض الّذي سيمسه داوود -من وجهة نظر الخلال- هو قدمُ الله! نعوذ بالله من عبادة الأوثان، وإلا فما المناسبة بين (حتى يمس بعضه) وبين (خذ بقدمي)؟ ولماذا قرَنَهما ببعضِهما؟
*مع أنّ خبر عبيد بن عمير الليثي لا يوجدُ فيه على من يعود الضمير في «بعضه»، فاحتمالٌ كبير أن يكون قد قصد بعض العرش، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف في تفسيره: (يُقامُ داوود عند ساق العرش)، أما الخبر الّذي أورده الخلال المروي عن ابن عباس: (خذ بقدمي) فهو إسناد ضعيفٌ أيضًا، وربما تكون قضيّة مساس داوود لبعض العرش من الإسرائيليات التي لا تصدَّقُ ولا تُكذّب، لأنّ الليثي كان ممن أخذ عن سيدنا أبي بن كعب وغيره من أحبار اليهود، ومثل هذا الخبر لا يوجبُ عملا فضلا عن أن يوجبَ معتقدًا قد نصّ السلفُ على كفر القائل به، وخصوصًا الإمام أحمد، وهو وتكفير المبعضين هو معتمد الحنابلة:
1-قال أبو الفضل عبد الواحد التميمي: (جملةُ اعتقاد أحمد بن حنبل والّذي كان يذهبُ إليه: أنّ الله عزّ وجلّ واحدٌ لا من عدد، وهو واحدٌ من كلّ جهة، وما سواه واحدٌ من وجه دون وجه...وكان يقول: إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته، ليستا بجارحتين، وليستا بمركبتين ولا جسم ولا من جنس الأجسام ولا من جنس المحدود، ولا الأبعاض ولا الجوارح) [من "اعتقاد الإمام المنبّل" الملحق بطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى]
2-قال أبو يعلى في معتمده: (أما التوحيد فهو العقد والقول بأن الله تعالى واحد..ليس بجسم فيُمَس ولا جوهر فيُحَس، ولا بذي تركيب أو آلة أو تأليف أو ماهية أو تحديد) ص212 وإن كان قد تراجعَ عن هذا الكلام واستقرّ على اعتقاد التأليف والحدود والنهايات والكمّ المتصل.
3-وقال ابن حمدان في نهاية المبتدئين (يجب الجزم بأن الله تعالى واحد لا يتجزّأ ولا ينقسم أحدٌ لا من عدد) ص24
4-وقال الزاغوني (الجسم ما دخله التأليف...وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصفُ بأنها جسم مركَّبٌ تدخله الكمّية) ص313 ط عصام
**فأخبرونا: من هم الّذين على معتقد الإمام أحمد في قضية التبعيض، حنابلة بغداد من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه كما نقل الخلال؟ أم التميميون وأبو يعلى -قبل انتكاسته- وابن حمدان؟




رد مع اقتباس