رابعًا: الإله لم يترك الكون حتى يتدخل فيه
ويتبين مما قلناه أن الكون مفتقر إلى الإله افتقارًا ذاتيًّا دائمًا، وأن الإله ليس قوة كونية فاعلة في الكون كالشمس والمطر، بل هو القيوم على ما في الكون من قوانين وأسباب، بل ليست القوى الكونية والقوانين الكونية سوى أمور سبقت في علم الله، أراد الله أن يجري خلقه على وفقها. فالإله لم يترك الكون أصلًا ولا لحظة حتى يتدخل فيه، وحتى يُقال (هل هذا الشيء من صنع المادة أو القوانين، أم من صنع الله). بل الكون كله قائم بإقامة الله له، مفتقر إليه بالضرورة.

فالصواب ألا نجعل الغيبيات مستودع جهلنا، لأن حضور الحق سبحانه وتعالى ضروري لكل موجود، لا ما جهلنا سببه فقط. وإن معرفتنا بالسبب الكوني مفيد في فهمنا للكون وحسن تعاملنا معه وإدراكنا لعظمته وتفصيله، وعدم ذلك هو معاندة لنظام الله تعالى في كونه، وستجري علينا سنة الله فيمن كان جاهلًا بالأشياء على ما هي عليه.

فمن ثم لا حاجة لنا لكي نثبت أمرًا دينيًّا، أو نثبت وجود الله واحتياج الكون إلى خالق رازق مدبر، أن نفترض وأن نوجب أن يكون الله قد خلق مخلوقات «مجردة عن المادة» بحيث تتفاعل مع المادة، من ضمن (النظام الـمـُلكي الدنيوي السببي العادي).

هذا، ونقول: إن البحث عن حدوث العالم وإمكانه لا فرق فيه أن يكون ذلك العالم ماديًّا، أو غير مادي أصلًا! يعني لو ثبت أن الكون كله مادي، أو كله غير مادي، فسيبقى السؤال: فهل هو أزلي أم لا؟ هل هو واجب الوجود على صورته تلك أم أنه ممكن الوجود؟ ولو كان حادثًا مسبوقًا بعدم فهو مفتقر بالضرورة إلى محدث، ولو كان ممكن الوجود فهو محتاج بالقطع إلى مرجح.

وإنه لو انحصرت الموجودات الدنيوية في أمور مادية لما كان ذلك مُضعفًا الاستدلال بها على وجود الله، والاستدلال على وجود افتقارها واحتياجها لإله!

ثم هناك فرق عظيم بين أن ندعي أن هذا الكون ليس فيه سوى مادة جسمية، وبين أن ندعي أنه لا يمكن أن يوجد مطلقًا سوى المادي الجسمي materialism. فغاية ما يمكن إثباته أن كل ما نراه ونشاهده ويتفاعل في الكون مادي، ولا وجه أبدًا للقفز من هذه المقدمة إلى نتيجة: لا يوجد موجود مطلقًا، أو يستحيل وجود مطلقًا إلا وهو موجود مادي!

فإن مجرد كوننا لا نشاهد في الكون إلا الأمور المادية المتحيزة وصفاتها لا يعني استحالة وجود موجود ليس ماديًّا. هذا قفز في مسألة ليست من العلم التجريبي أصلًا، ولكن ينبغي النظر في الأدلة العقلية والسمعية لمعرفة جواب هذا السؤال، ومن يقفز ويقول: العلم التجريبي أثبت هذا، فهذا كلام غير صحيح ولا وجه له، وهو كلام من لا يفهم العلم التجريبي أو مغرور جاهل، وسنتناول هذه القضية بمزيد تفصيل في الكلام على وجود الله وصفاته تعالى.

ولكننا مع ذلك نقول إننا يمكن أن نكتفي في تفسير الحوادث الكونية بالأسباب الكونية المشاهدة الخاضعة للتجربة. ولا يعني ذلك أننا ننفي أو نثبت وجود موجودات غير مادية تتفاعل في الكون. فالكلام حول الملائكة مثلًا، أو الكلام حول الشيطان: ما حقيقته، وكيف يوسوس للإنسان، وكيف يؤثر عليه، والكلام على ملك الموت وقبضه لروح الإنسان، فإننا نقول عن كل ذلك: هذه أمور عرفناها من جهة الوحي، ونصدقها تبعًا لتصديقنا في صحة هذا الوحي ونسبته إلى الله عز وجل، ونقتصر في أوصافها على ما قاله الوحي ولا نتعدى في الكلام عليها وتوصيفها بما لم يرد فيه الشرع، فنبحث عن السبب الـمـُلكي الـمُدرك بالحس، كلما عرفنا سببًا عاديًا، انتقلنا إلى غيره من الأسباب العادية، ولا نخلط البحث بين جهات الأسباب.

ونقول كذلك إن الله تعالى هو خالق كل شيء، وإن الله سبحانه وتعالى يخلق الأثر عند وجود السبب الكوني، وقد يقترن مع هذا الأثر أمر آخر في عوالم غيبية لا نشاهدها. فالله سبحانه وتعالى يميت الإنسان إذا قطعت رقبته مثلًا، فهذا الأثر (الموت) قد جعله الله عقب السبب الكوني (قطع الرقبة مثلًا)، وقد يصاحب تلك المقدمة الكونية مقدمة أخرى غيبية، وهي حضور ملك الموت وقبضه للروح. وكذلك في وسوسة الشيطان فالله سبحانه وتعالى يجري الخاطر بخلقه سبحانه وتعالى على نفس الإنسان مصاحبًا لأمر كوني ما وقد يصاحبه أمر غيبي كوسوسة الشيطان مثلًا.

فنحن ينبغي ألا نضع حواجز في طريق البحث العلمي، ومجال البحث العلمي التجريبي هو في الأمور الكونية المشاهدة الخاضعة للتجربة، فيجب اقتصار الباحث العلمي على الأسباب الكونية المشاهدة. أما أن يتعدى العالم التجريبي فينفي وجود ما لا يراه ويجربه مطلقًا، فهذا تعدٍ منه على غير مجاله.

ونحن لنا جولات في مقالات سابقة، وأخرى في مقالات ستأتي، نبين فيها وجود الله تعالى ووجه استدلالنا عليه سبحانه، من غير أن نعتمد البتة على فجوة معرفية أو أمر لم يكتشف العلم سببه المادي فنرده إلى الله.

وها هو نيوتن، وهو من أعظم العلماء في التاريخ وأكثرهم أثرًا في مسيرة البشر العلمية، يبين من جهة نظر فلسفية للكون المشاهد وهذا يدل على إدراكه لجهات نظر فلسفية، هي مختلفة عن جهات نظر العلم التجريبي، خلافًا للكثير من المعاصرين اليوم وجه دلالة الاختلاف الذي نراه في العالم والتنوع، ويستدل به على استحالة نشأة التعدد والاختلاف عن علة (وهي المؤثر الكوني الطبيعي غير المختار كالطبيعة مثلًا)، بل لا بد من فاعل مختار، وتفاصيل ذلك ونقاشاته ووجه الاستحالة تفصيلًا كلها مباحث فلسفية مشهورة. يقول:

Blind metaphysical necessity, which is certainly the same always and every where, could produce no variety of things. All that diversity of natural things which we find suited to different times and places could arise from nothing but the ideas and will of a Being, necessarily existing.[6]
وهذا فرانسيس بيكون، من أعظم العلماء التجريبيين والمؤسسين لنظرية البحث العلمي التجريبي the scientific method، يتكلم على جهات نظر أعمق من جهات النظر والركون إلى الأسباب الدنيوية:

إنه صحيح أن القليل من الفلسفة تدفع عقل الرجل إلى الإلحاد، ولكن العمق في الفلسفة يدفع عقل الرجل إلى الدين، فإنه حين ينظر عقل الرجل إلى الأسباب الثانوية المبعثرة، فإنه أحيانًا قد يركن إليها ولا يتعداها، ولكنه لما ينظر إلى مجموع سلسلة الأسباب، وهي مترابطة مع بعضها، فإن ذلك لا بد أن يحتاج لأن يطير به عقله إلى نظام إلهي، والألوهية.
It is true, that a little philosophy inclineth mans mind to atheism; but depth in philosophy bringeth mens minds about to religion. For while the mind of man looketh upon second causes scattered, it may sometimes rest in them, and go no further; but when it beholdeth the chain of them, confederate and linked together, it must needs fly to Providence and Deity.[7]