الخضوع للأسباب الكونية وقوانين الطبيعة من الخضوع لنظام الله تعالى في خلقه
إننا نعتقد كمسلمين أن ارتباط الأسباب بالمسببات، ومعرفة قوة واطراد هذه القوانين الكونية الطبيعية، هو النظام الذي أقام الله عليه الكون، وفيه ظهور قدر الله تعالى الذي قَدَّر عليه الكون.
وإن الإيمان بالقضاء والقدر هو ركن أساس من أركان الإيمان في الاعتقاد الإسلامي، وذلك بأن يؤمن المسلم بإرادة الله وما خصصه في كونه من الأسباب والعلاقات الكونية التي حكم بها هذا الكون وجعلها قانونًا لحركته وأن يرضى بها ولا يتمرد عليها.
انظروا إلى قول الإمام الغزالي وهو المتهم زورًا بإنكار الأسباب كما سبق أن بينّا- حيث يقول في كتابه «الأربعين في أصول الدين» إن القدر هو توجيه الأسباب إلى مسبباتها الحادثة منها لحظة بعد لحظة[12].
وقال في كتابه «إحياء علوم الدين»[13]:
وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى {خذوا حذركم}، وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذر فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر، وإن لم يسبق لم ينبت. بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر. والذي قدر الخير قدره بسبب والذي قدر الشر قدر لدفعه سببًا فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته.[14]
وهذا أوضح من أين يحتاج إلى توضيح، يراه من ليس على بصره غشاوة.
ونحو هذه المعاني ذكره جمع من أئمة الإسلام، وكلهم يتبنى هذا الذي شرحناه من أن العلاقات عادية، ومع ذلك يجزمون بـ «العادة» وقوانين الكون، وأنها مطردة لا تتخلف!
هذا، وقبل كلام العلماء، فأين نحن من قول الله تعالى الواضح الصريح: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} في دلالته على أن أفعال الله في الكون جارية على قانون الأسباب والمسببات؟
أين نذهب من قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}، من الأمر باتخاذ الأسباب وأنه «به» إنما تحصل النتائج؟ ومثل هذا كثير في كتاب الله، وفي كلام سيدنا رسول الله، وفي فهم أصحابه.
اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين