السَفَر الأول: من الخلق إلى الخلق (الكون ممكن)
لنبدأ رحلتنا متأملين في هذا الكون الواسع الكبير: ماذا نرى ونشاهد فيه؟
إننا نرى فيه أشياء كثيرة، تشكيلات للمادة متنوعة، تحمل صفات وخصائص مختلفة متباينة، وتسير في دروب شتى، وتضرب فيها تغييرات متنوعة متلاحقة. في هذا الكون كواكب، ومجرات، ومواد، وعلى بعضها جبال وأنهار وحدائق وحيوانات ونباتات.
وقد ظن البعض أنه بسبب التطورات العلمية التجريبية التي كشفت لنا عن بعض «القوانين الحاكمة للكون»، صار بذلك الكون «قابلا للفهم comprehensible»، ويمكن من خلاله معرفة الماضي كيف كان، والتنبؤ بالمستقبل، وتفسير الظواهر التي كانت حقائقها مجهولة، أي بعد أن سادت في الماضي نظرة إلى الكون بأنه خلق الله، عظيم، مليء بالغرائب والعجائب والمعجزات المبهرة التي يعجز البشر عن فهمها لأنها «صنع الله»، فمن ذلك ظن البعض أن هذه الاكتشافات قللت الحاجة إلى إله لفهم الكون، وحل الطريق العلمي التجريبي محل ذلك، حتى صار الكون «لا يحتاج إلى إله أصلًا».
وسنبين في هذه المقالة أنَّا قد عرفنا بالنظر إلى صفات الكون الذاتية أنه حادث له بداية، وأنه مفتقرٌ ومحتاجٌ إلى وجود آخر أجل منه، وأن الكون ليس قائمًا بنفسه. وهذا الوجه الذي به استدللنا على افتقار الكون إلى وجود خالقه،يستوي فيه أن يكون الكون متناسقًا منظمًا، أم عشوائيًا مضطربًا. بل لو لم يكن الكون سوى حجر مكعب لا غير، ليس فيه نظام ولا جمال ولا إتقان ولا تعقيد، ولا ملاءمة لحياة، وليس فيه هذا التنوع في الموجودات الحيّة الذي نراه، لكان كذلك مفتقرًا إلى الخالق نفس الافتقار، ومحتاجًا إليه نفس الاحتياج.[1]
قد يقول قائل: فهلّا كشفت لنا اللثام عن هذه الصفة التي يتصف بها الكون، والتي تدل على افتقاره إلى خالق حقيقته مغايرة لطبيعة الكون، حتى لو لم يكن الكون سوى حجر ساذج لكان كذلك متصفًا بنفس هذه الصفة، ومحتاجًا إلى الخالق بنفس القدر؟
والجواب هو أن الصفة التي تبين افتقار الكون إلى الخالق هي: الإمكان. مجرد كونه ممكن الوجود.
ولعل القارئ الكريم يسأل: ماذا تعنون بالإمكان؟ ومن قال إن الكون ممكن؟ ولِمَ كان الكون الممكن مفتقرًا إلى الخالق؟
نقول: الممكن هو ما تقبل ذاته الوجود والعدم، ولا يترتب على وجوده أو عدمه محال عقلي. يعني أننا لو تصورنا معنى الممكن فإننا لا نجد حرجًا من جهة العقل أن يكون موجودًا أو معدومًا. هذا هو معنى الإمكان.
فإنك لو سألت نفسك: هل لصديقك (أسامة) أختٌ؟ فإنه بالنظر العقلي المجرد يجوز أن يكون له أخت وألا يكون، فلن تستغرب إن علمت أن له أختًا ولن تستغرب إن علمت أنه لا أخت له، فهذا المعنى الذي قام بذهنك (أخت أسامة) قد حكم عليها عقلك بأن وجوده في الحقيقة ممكن، أي محتمل للتحقق أو لعدم التحقق، بلا إشكال.
ويقابل الإمكان من أقسام الوجود معنيان:
الاستحالة (وهو كون الشيء بحيث لا يقبل الوجود) كاستحالة كون زيد في الغرفة وليس في الغرفة في وقت واحد.
والوجوب (وهو كون الشيء بحيث لا يقبل العدم) كوجوب أن يأخذ الجسم حيزًا من الفراغ طالما كان جسمًا، ووجوب أن يكون الجسم مثلًا- إما متحركًا وإما ساكنًا في نفس الوقت والمكان.[2]
فإذا أخذنا هذه المفاهيم، ثم نظرنا في الكون، وتأملنا فيه مصاحبين لعقلنا، وسألنا أنفسنا: هل وجود الكون واجب أم ممكن؟ لو لم يكن الكون موجودًا من الأساس.. أكان يترتب على ذلك أي استحالة في العقل؟
إنا لو تأملنا في الكون بالنظر العقلي المجرد لوجدنا أن الموجودات لا يلزم من وجودها أو من عدمها أي محال، فإن العقل لا يوجب أن يكون الكون بكل ما فيه من الموجودات موجودًا، فالعقل يجوّز أي لا يلزم أي محال عقلًا أن يكون الكون غير موجود، فنسبة «الوجود» و«العدم» إلى الكون متساوية، وليس وجود الكون ضرورة عقلية (not a logical necessity).
ثم إن العقل يجوّز أن يكون الكون جاريًا على غير هذه الطريقة، متصفًا بغير هذه الصفات.
لو شاهدت الفيديو الذي صوّره فريق Coldplay والذي يسمّى up&up لوجدت تخيلًا لكونٍ بصفات مغايرة تمامًا لكوننا، بحيث تكون السماء تحتنا، والبحار فوقنا، ومقادير الأشياء في اختلاف عما هي عليه، وإنك تستغرب من هذا الكون لأنه مخالف لما تألفه من واقعك، ولكن العقل يجوز أن يكون كوننا المركب من أجزاء متصفة بصفات ومقادير معينة على خلاف ما هو عليه من صفات وأحوال وموجودات، ولا ضرورة عقلية لأن تكون قوانين الكون على الصورة التي هي عليها الآن، فيجوز بالنظر العقلي المحض أن تكون قد كانت من حيث هي موجودة، على غير ما هي عليه، فالموجود الذي يتصور في العقل أن يكون على هيئة غير الهيئة، وصورة غير الصورة، متصف بصفات على شكل ومقدار ونظام معين، غير ما هو عليه، هو موجود ليس بواجب الوجود، بل جائز الوجود، ممكن، إذ الواجب لا يتصور في العقل عدمه وتبدله وتغيره، وهذا معنى إمكان وجود الكون.[3]
فكان يمكن بالنظر العقلي المحض أن تكون العلاقة بين الطاقة والكتلة في الكون ليست علاقة E=mc2 وإنما كان يمكن أن تكون E=mc3 مثلًا.
والعقل لا يجد فرقًا بين الموجودات الحالية التي وجدت بالفعل وبين موجودات أخرى متخيلة كان يمكن أن توجد لو توفرت أسباب وجودها كذلك. فكما أن حيوان الحصان موجود مثلًا، فقد كان يمكن أن يوجد مثلًا- الحيوان أحادي القرن أو الــ(unicorn) المتخيل.
والعقل ينفي بالضرورة الفرق بين مقدار ومقدار آخر، فلا إشكال من جهة مجرد النظر العقلي المنطقي أن يكون الكون بحيث يكون ضعف مقداره الحالي مثلًا، أو نصف مقداره الحالي. فلو تأمل الإنسان في صفات الكون وأحواله والصورة التي هو عليها وما يتبعه من قوانين، لم يجد العقل أي استحالة منطقية أن يكون الكون على ضد هذه الصفات، وغير هذه الأحوال.
فالكون ليس بواجب الوجود، ولا بمستحيل الوجود، فالوجود وعدمه جائزان ممكنان في حقه، مستويان من حيث كونهما جائزين في أن يتصف بأحدهما دون الآخر، فالممكن: قابل للوجود والعدم، وهما بالنسبة إلى ذات الممكن سيان.
ونحن قد علمنا بالضرورة أن في العالم ذوات وأشياء، وأنها لا تخلو عن تغيرات تعترض وتتوالى عليها، بيان هذا:
أن الذوات من حيث هي موجودة، لا تُعقل إلا موصوفة بصفات أو غير موصوفة بها، فهي متحركة أو لا متحركة، متلونة أو لا غير متلونة، مجتمعة أو غير مجتمعة، لها كتلة أو ليس لها كتلة، وهكذا. والذوات تتجدد عليها الأوصاف، فتتصف بصفة مرة ثم تخلو عنها وتتصف بأخرى، وما جاز أن تكون متصفة بصفة، وجاز ألا تكون متصفة بها، وتجددت عليه الأوصاف الجائزة فهو جائز الوجود.
فالذوات في العالم متغيرة، وكل متغير ممكن الوجود.
ومن هنا نبدأ سفرنا الثاني: من الخلق إلى الحق!
اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين