السفر الرابع: من الخلق إلى الخلق.. مرة أخرى
من تأمل فيما قدمناه علم أن وجه افتقار الكون إلى الخالق على ما قررناه ليس أنه بديع، أو أنه متناسق، أو أنه غائي (بمعنى أن كل جزء من أجزائه خُلق لأداء غرض ما لا يتحقق هذا الغرض بدونه)، أو أنه على هيئة مخصوصة معينة بأن تكون هذه الهيئة جميلة، أو بديعة، أو منظمة تنظيمًا معينًا، أو متناسقة مع بعضها، أو معقدة، أو ساذجة، أو مركبة، أو بسيطة، أو مصممة على أي نوع من أنواع التصميم، أو أن الكون ملائم للحياة عليه أو غير ملائم.

وكذلك ليس كلامنا على أن هناك أمورًا في الكون غير مادية فإذن تحتاج إلى سبب موجِد غير مادي.

وليس الكلام عن أسئلة مثل: هل لا يوجد في الكون إلا أمور مادية،أم أن هناك موجودات غير مادية؟ ولا أن المذهب الاختزالي reductionism في الأسباب المادية صحيح أو لا،وأنه لا يؤثر في المادة إلا المادة إلى غير ذلك من المباحث.

فنحن لم نقل شيئًا من هذا ونستدل به على أن ذلك دليل على ما نقوله، ونحن لا نثبت ولا ننفي اتصاف الكون بهذه الصفات، أو كونه على هذه الهيئات، فإن ذلك مبحث آخر لم نخض فيه.

بل ما نريد أن نقوله هو أن توقف الكون على الإله ليس منوطًا بأي وصف من هذه الأوصاف، ولكنه مرتبط بمجرد كونه ممكن الوجود، فيكون مفتقرًا إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه، أي يحدثه.

ويظهر بما سبق ما في كلام الفيزيائي المشهور ستيفن هوكنج من تهافت لما قال:

إننا لا نستطيع أن نثبت أن الإله ليس موجودًا، ولكن العلم يجعله ليس ضروريًا.[7] One cant prove that God doesnt exist, but science makes God unnecessary.
فإن الكون لو كان مجرد صخرة صماء، لكان مفتقرًا إلى المكوِّن، لأن هذه الصخرة وجودها ممكن، واتصافها بمقدار معين ممكن، وجريانها على قوانين معينة ممكن، فاحتاج من حيث المبحث الميتافيزيقي في ابتداء وجوده واستمراره إلى مخصص، بل لو كان الموجود من الكون ذرة واحدة فقط، فسيجري عليها نفس الكلام!

ونقول إن هذا الذي قلنا إنما قلناه لقيام الدليل العقلي عليه.

فنحن لم نقل هذا لأننا لم نجد سببًا (فيزيائيًّا أو بيولوجيًّا أو كميائيًّا) بعد ما بحثنا، فقلنا: إذن لا بد أن يكون هناك سبب أوجد العالم. فليس بحثنا محاولة لسد جهلنا أو اعتمادًا على مغالطة إله الفجوات (والتي سنفرد لها مقالًا كاملًا).

بل إننا نقول: لو فهمنا جميع أسرار الكون، وجميع ارتباطات أجزائه بعضها ببعض، وجميع ما يسري فيه من قوانين، لحكمنا أيضًا بأنه مفتقر للخالق الواجب الوجود لأنه ممكن.

وما قيل في الكون يقال في قوانين الكون التي هي من جملته، يجوز بالنظر العقلي المحض أن تكون على غير ما هي عليه [8]، فالعلم بها لا دلالة فيه أبدًا على استغناء الكون عن إله مدبر له مبقٍ، فضلًا عن أن يستغني عن موجد![9]

ونحن كذلك لم نقل: قد استقرأنا ما نراه ونعرفه من العالم ، وبما أننا نرى أن كل شيء نشاهده له سبب، إذن لا بد أن يكون هناك سبب أوجد الكون. فلم نعتمد على الاستقراء. بل نظرنا إلى حقيقة الكون نظرا عقليًا، فرأيناه: واجب الافتقار لذاته وحقيقته وماهيته إلى موجد مبق.

وترجيح وجود ممكن الوجود إحداث له، فحقيقة الكون أنه مفتقر إلى إحداث، أي إيجاده بعد أن كان عدمًا، وكل حادث لا بد له من محدِث ليس بحادثٍ، وسيأتي ذلك بمزيد تفصيل في المقالات القادمة.

هذا، وقد بين المحققون من أئمة علم الكلام كالإمام تقي الدين مظفر بن عبد الله المقتَرَح (توفى سنة 612 للهجرة، الموافق سنة 1215 للميلاد) هذا الذي نقوله من قبل فقال:

وقد استُدل على كونه تعالى عالمًا قادرًا بطريق الإحكام والإتقان الذي هو مقابلة الفعل المثبج [وهو نقيض المتقن]، والإحكام والإتقان المشار إليه معنى عبارة عن: وضع جوهر إلى جوهر على وجه مخصوص مقصود في العادات.

وهذا في الحقيقة لا دلالة له من هذا الوجه! فإنه يختلف بالنسب والإضافة، فرب شيء محكم في حق زيدٍ مُثبجٌ في حق عمرو، فكل ما يختلف بالنسب والإضافات واختلاف العادات لا حقيقة له، فلم يدل إذن من هذا الوجه. وإنما دل من حيث كونه فِعلًا، لا يختلف بالمثبج والمحكم. فالفعل الواحد في الحقيقة يدل على كونه تعالى عالمًا قادرًا مريدًا ، عرضًا واحدًا كان أو جوهرًا أو جسمًا، مثبَّجًا كان أو محكمًا.

فإذا رأينا هذا الفعل واقعًا في زمن دون زمن، وعلى شكل دون شكل، وفي جهة دون جهة، وفي محل دون محل، وعلى صفة دون صفة، ونسبة الأزمان إليه نسبة واحدة، وكذلك نسبة الأشكال، وكذلك نسبة الجهات، وكذلك نسبة المحال، وكذلك نسبة الصفات. فاختصاصه ببعض الجائزات دون بعض يفتقر إلى مخصص قطعًا.[10]

انتهى كلامه رحمه الله. وهو كلام نفيس، يظهر تحديدًا وجه دلالة الكون على كونه محتاجًا لموجد له، وما لا نستدل من جهته على المطلوب، وسيأتي الكلام على فروع لهذه القضية في المقالات الآتية.